لعل الخطأ الأساس في الطريقة التي ننظر بها إلى الذكاء الاصطناعي اليوم هو أننا ما زلنا نتعامل معه بوصفه امتداداً طبيعياً لتاريخ التقنية الحديثة، أي باعتباره مجرد قفزة إضافية في مسار تطور الحوسبة والاتصال والقدرة على معالجة المعلومات. غير أنّ ما يحدث مع صعود الذكاء التوليدي يبدو أعمق من ذلك بكثير. هذا لأنّ التقنية للمرة الأولى لا تعمل فقط على العالم أو على تمثيل المعلومات المتعلقة به وإنتاج التمظهرات الأدائية، بل أصبحت تعمل داخل الوسيط الذي يفهم الإنسان عبره العالم نفسه: اللغة.
فالثورات التقنية الكبرى التي سبقت الذكاء التوليدي اشتغلت على المادة والطاقة والإنتاج والاتصال والصورة وتداول البيانات، لكنها لم تدخل إلى اللغة بوصفها الحقل الذي تتشكل داخله التجربة الإنسانية ذاتها. حتى الإنترنت، على الرغم من أثرها العميق في إعادة تشكيل المجال العام، ظلت في جوهرها بنية لنقل المعلومات وربط المستخدمين ببعضهم البعض، فيما مثّل الهاتف الذكي اللحظة التي انتقلت فيها السلطة التقنية إلى يد المستخدم الفرد، كما لو أنّ التقنية بلغت ذروة اندماجها بالحياة اليومية للإنسان الحديث. غير أنّ الذكاء التوليدي يختلف عن كل ذلك، لأنه لا يكتفي بتسهيل إنتاج اللغة أو نقلها، بل يتدخل في عملية إنتاج المعنى نفسها، وفي الطريقة التي تُكتب بها المعرفة وتُفهم وتُفسَّر وتُعاد صياغتها.
بهذا المعنى يمكن النظر إلى الذكاء التوليدي بوصفه لحظة «عودة التقنية إلى اللغة»، أي عودتها إلى المجال الذي ظل طويلاً يقاوم الحسم الكامل للعقلانية التقنية الحديثة. فمنذ نشأة الحوسبة الحديثة قامت البنية العميقة للتقنية على منطق الثنائية الرقمية، على الصفر والواحد، وعلى إمكان تحويل العمليات المعقدة والأفكار إلى وحدات رياضية قابلة للضبط والتكرار. ومن هنا ارتبط تاريخ التقنية الحديثة بحلم عقلاني واسع يقوم على إمكانية بناء أنظمة تقريرية ( deterministic) تستطيع، متى توفرت لها المُدخلات المعلوماتية الصحيحة، إصدار نتائج ثابتة يمكن التحقق منها بصورة دقيقة.
لكن ما إن دخلت التقنية إلى اللغة حتى بدأت حدود هذا الحلم بالارتسام. فاللغة ليست مادة خاملة يمكن اختزالها بالكامل إلى معادلات أو تعليمات منطقية مغلقة، بل هي فضاء متحرك من السياقات والدلالات والانفعالات والتجارب الإنسانية. والكلمات لا تحمل معانيها بصورة ثابتة ومستقرة، وإنما تتغير باستمرار تبعاً للاستعمال والنبرة والتاريخ والموقع الاجتماعي والثقافي للمتكلم. ولذلك فإنّ التقنية، حين بدأت تعمل داخل اللغة، وجدت نفسها للمرة الأولى أمام مجال لا يمكن السيطرة عليه بالطريقة ذاتها التي جرى بها التحكم في الآلة أو في العمليات الحسابية.
ولعلّ هذا التحول يعيد السؤال الى المسار الفلسفي الذي قطعه لودويغ ويتنغشتاين بين مرحلته المبكرة ومرحلته المتأخرة. ففي كتابه «التراكتاتوس المنطقي الفلسفي» كان ويتنغشتاين ما يزال يتحرك داخل الأفق العقلاني الذي ساد الفكر الأوروبي الحديث منذ القرن السابع عشر، أي ذلك الحلم القائم على إمكانية بناء لغة منطقية صافية تستطيع تمثيل العالم بصورة دقيقة وشفافة. العالم، بحسب هذا التصور، يتكوّن من وقائع والجمل اللغوية الصحيحة ليست سوى صور منطقية لهذه الوقائع. ولهذا بدا وكأنّ المعنى نفسه ليس سوى بنية منطقية كامنة تحت سطح اللغة، يكفي تفكيك الجملة إلى عناصرها الأولية للوصول إلى المعنى بصورة دقيقة ونهائية. كان ذلك، بصورة ما، التعبير الفلسفي الأقصى عن الطموح الحداثي في تحويل العالم إلى نظام عقلاني قابل للتمثيل الكامل. ومن هذه الزاوية يبدو «التراكتاتوس» قريباً جداً من الروح التي قامت عليها التقنية الحديثة نفسها؛ أي الإيمان بأنّ التعقيد الظاهري للعالم يمكن اختزاله إلى بنى قابلة للتحليل والحساب والتقرير.
غير أنّ ويتنغشتاين نفسه عاد لاحقاً لينقلب بصورة جذرية على هذا التصور. ففي «تحقيقات فلسفية» لم تعد اللغة نظاماً منطقياً مغلقاً، ولم يعد المعنى نتيجة مطابقة ثابتة بين الكلمات والعالم، بل أصبح شيئاً يتشكل داخل الاستعمال اليومي، داخل ما سماه «الألعاب اللغوية». المعنى لا يُحلل بل يُعاش. فالكلمات لا تكتسب معناها من تعريفات نهائية، بل من الطريقة التي تُستخدم بها داخل الحياة الإنسانية. اللغة هنا ليست بنية واحدة، بل تعددية هائلة من الممارسات: لغة العلم، ولغة السياسة، ولغة الحب، ولغة المزاح، ولغة الدين، ولغة الشعر، ولكل واحدة منها قواعدها وسياقاتها وأشكال الحياة التي تمنحها معناها.
وهنا تحديداً تظهر المفارقة العميقة للذكاء التوليدي. فمن جهة تبدو النماذج اللغوية الكبرى وكأنها تحقق حلم ويتنغشتاين الأول عبر تحويل اللغة إلى مادة قابلة للتحليل الرياضي والإحصائي، لكنها من جهة أخرى تصطدم سريعاً بما اكتشفه ويتنغشتاين المتأخر: أنّ اللغة ليست نسقاً مغلقاً يمكن السيطرة عليه بالكامل، بل فضاء اجتماعي مفتوح على التأويل المستمر.
فالـنماذج اللغوية «LLMs» لا «تعرف» العالم كما يختبره البشر داخل التاريخ والجسد والعلاقات الاجتماعية، وإنما تتحرك داخل فضاء احتمالي هائل من الترابطات اللغوية. ولهذا تبدو قادرة على إنتاج نصوص شديدة الإقناع والاتساق، لكنها تبقى معرضة بصورة دائمة للهلوسة والانجراف والتناقض، لأنّها لا تمتلك علاقة وجودية بالعالم الذي تشير إليه اللغة. إنها تتقن إنتاج المعنى، لكنها لا تعيش داخل شروطه الإنسانية.
ومن هنا بدأ تظهر أصوات من داخل البنية التقنية تنبه إلى المأزق المحتدم. فالمهندسون الذين اعتادوا بناء أنظمة تقريرية صاروا يتحدثون بصورة متزايدة عن «سلوك» النماذج بدل الحديث عن صحة نتائجها فقط. لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كان النظام يعمل أو لا يعمل، بل كيف يتصرف، وكيف يمكن توقع انحرافاته، وكيف يمكن احتواء مخاطره وضبط احتمالاته. ومع هذا التحول بدأت مفاهيم مثل «الانسجام القيمي» و «التوافق المعياري» و «الضوابط الاحترازية» تحتل موقعاً مركزياً داخل تطوير الذكاء الاصطناعي، وكأنّ التقنية نفسها انتقلت من هندسة الآلة إلى إدارة السلوك الاحتمالي.
لكن ما يجعل هذه اللحظة أكثر تعقيداً أنّ هذا التحول لا يبدو مؤقتاً أو قابلاً للحسم النهائي، بل مرشحاً للتعمق مع ازدياد اندماج الذكاء التوليدي في البنى الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية. فكلما ازدادت قدرة النماذج على إنتاج اللغة، ازداد معها التباس الحدود بين الحقيقة والاحتمال، بين المعرفة والتخمين، وبين التفسير والتوليد الاصطناعي للمعنى.
ولهذا قد لا تكون «ما بعد الحقيقة» مجرد ظاهرة سياسية أو إعلامية مرتبطة بالتضليل أو الاستقطاب، بل قد تتحول إلى البنية الإدراكية الأساسية للعصر القادم. ذلك أنّ الذكاء التوليدي لا ينتج فقط معلومات قابلة للتشكيك، بل ينتج طبقات متزايدة من المعاني والسرديات والتوصيات والتأويلات التي يمكن إعادة تركيبها بلا نهاية، بحيث يصبح الاستقرار الرمزي نفسه أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
البُنية الفرانكنشتاينية: حين تراقب النماذج بعضها بعضاً
غير أنّ المأزق الحقيقي لا يكمن في عجز النماذج اللغوية عن ضبط المعنى وحسب، بل في ما يحدث حين يحاول المهندسون تصحيح هذا العجز. فالاستجابة التقنية التقليدية لأي خلل في نظام ما هي بناء نظام رقابي فوقه، أي طبقة إضافية من الضبط والمراقبة والتصحيح. وهذا بالضبط ما يجري داخل صناعة الذكاء الاصطناعي اليوم، إذ تُبنى نماذج لمراقبة سلوك النماذج الأخرى، ونماذج لتقييم مخرجات النماذج الرقابية، في تراكب متصاعد لا يبدو أنه يتجه نحو نقطة استقرار. وكل محاولة لتأصيل المعنى وتقنينه عبر طبقات التشفير والضبط التفاعلي بين النماذج لن تؤدي إلى استقرار المعنى، بل إلى شيء أشد وطأة: تقنين الاحتمالية ذاتها، أي تحويل ما كان طاقة توليدية مفتوحة إلى امتثال إحصائي مغلق. وهكذا تكتشف التقنية أن محاولة السيطرة على اللغة لا تُخضعها، بل تُفقرها.
وبهذا فإن ما يجعل هذه الاستجابة مأزومة بنيوياً هو أنّ النماذج الرقابية ذاتها هي نماذج لغوية، تعاني من المشكلة الجوهرية نفسها التي صُنعت لمعالجتها. فهي لا تمتلك موقعاً خارجياً ثابتاً تحكم منه على المعنى، بل تتحرك هي الأخرى داخل الفضاء الاحتمالي ذاته، وتُنتج تقييماتها وفق منطق الترجيح الإحصائي لا وفق مرجعية حقيقية مستقلة. وهكذا لا تحلّ طبقة المراقبة المشكلة، بل تُضيف إليها طبقة جديدة من الالتباس.
وهنا تحديداً يمكن استدعاء أفكار ريتشارد رورتي بوصفه من رأى هذا المآل قبل حدوثه. ففي نقده لفكرة اللغة بوصفها مرآة للطبيعة، أشار إلى أنّ الوهم الأساسي في الفلسفة الغربية هو البحث عن موقع أرخميدي خارج اللغة يمكن الحكم منه على اللغة نفسها. والذكاء التوليدي يُعيد إنتاج هذا الوهم بصورة مضاعفة، إذ يبني نماذج تدّعي الحكم على مخرجات النماذج الأخرى، متجاهلةً أنها تفعل ذلك من داخل اللغة ذاتها لا من خارجها. فالمرايا هنا لا تعكس صورة عن العالم، بل تعكس بعضها بعضاً، في سلسلة لا تنتهي عند أصل ثابت.
والنتيجة ليست نظاماً أكثر دقة أو موثوقية، بل بنية متراكبة تُنتج المعنى وتُراقبه وتُعيد توليده في آنٍ واحد، دون أن يكون في مقدور أحد داخلها امتلاك موقع الحكم النهائي. وهذا ما يمنح هذه البنية طابعها الفرانكنشتايني بامتياز، لا بالمعنى الدرامي الذي يستحضر وحش ماري شيلي، بل بالمعنى الفلسفي الدقيق: مخلوق لغوي تجاوز منطق صانعه لا لأنه تمرد عليه، بل لأنّ صانعه زوّده بأدوات تُعيد تشكيل نفسها باستمرار من الداخل، دون أن تُفضي إلى نقطة استقرار يمكن الوقوف عندها.
ومن هنا تبدأ ملامح عالم جديد بالظهور، عالم لا يكون فيه المعنى حقيقةً تُكتشف أو معلومةً تُنقل، بل شعوراً يُصنَّع داخل بنية لا تعرف نفسها ولا تملك أفقاً خارجياً تُساءَل أمامه.
المعنى بوصفه شعور: نحو كائن لغوي جديد
غير أنّ المأزق لا يتوقف عند حدود النماذج وعجزها عن ضبط المعنى، بل يمتد إلى ما هو أعمق وأكثر إرباكاً: إلى اللحظة التي يبدأ فيها المعنى ذاته بالتحول من حقيقة تُكتشف إلى شعور يُستشعر. فحين تتراكم النماذج فوق بعضها في بنيتها الفرانكنشتاينية، وحين تصبح كل طبقة رقابية جديدة مصدراً إضافياً للتوليد لا للضبط، فإنّ ما ينتج ليس فوضى خالصة، بل نوعاً جديداً من النظام: نظام لا يقوم على الحقيقة، بل على الإقناع الانفعالي، لا على المطابقة، بل على التوافق الشعوري. وهنا تبدأ عملية يمكن تسميتها بتفاقم الشعور، أي تمدده التدريجي ليملأ الفضاء الذي كانت تشغله الحقيقة، لا بالادعاء أنه يحل محلها، بل بجعل السؤال عنها يبدو تدريجياً أقل إلحاحاً وأقل معنى.
واحسب أن هذا التحول لن يبقى حبيس البنى التقنية، بل ستكون مفاعيله على حياة البشر أعمق بما لا يقاس مما أحدثه الهاتف الذكي أو الشبكات الاجتماعية. فهذه الأخيرة غيّرت إيقاع الحياة وأعادت تشكيل الفضاء العام، لكنها لم تمس البنية الداخلية للمعنى ذاتها. أما ما يجري الآن فهو مختلف جوهرياً، لأنّ التقنية لم تعد تعمل على السطح، بل داخل النسيج اللغوي الذي تتشكل فيه الذات وتُعيد إنتاج علاقتها بالعالم.
وهنا يستعيد رورتي حضوره، لكن من زاوية مختلفة عما تلقفته مدارس النقد. ففي تأمله احتمالية الذات، رأى رورتي أنّ الذات ليست جوهراً ثابتاً، بل تصوراً مفتوحاً يعيد الفرد نسجها باستمرار، متحركاً داخل مفردات موروثة حيناً ومبتكراً مفردات جديدة حيناً آخر. وكان في هذا التصور نوع من التحرر الضمني، إذ افترض رورتي أنّ الذات تملك على الأقل زمنها الداخلي الخاص، أي مسافة ولو ضيقة بينها وبين المفردات التي تعيش داخلها، تستطيع عبرها أن تُعيد الوصف وأن تختار.
غير أنّ المناخ التوليدي الجديد يأخذ هذه الاحتمالية ويُكثّفها إلى حدودها القصوى، إلى درجة تنقلب فيها على نفسها. فحين تتجاوز سرعة توليد المعنى قدرة الذات على استيعابه، وحين تتراكم طبقات إعادة الوصف بإيقاع أسرع من قدرة الفرد على تمييز ما أنتجه، لا تتحرر الذات، بل تفقد مرساتها. الاحتمالية او العارضية التي تكلم عنها رورتي لا تصبح تحرراً مع الذكاء التوليدي، بل ربما دواراً وجودياً جديداً، حالة من السيولة المتسارعة التي لا تجد فيها الذات موقفاً ثابتاً تقف عليه لتُعيد من خلاله وصف العالم، بل تجد نفسها جزءاً من تدفق التوليد ذاته.
ومن داخل هذا الدور تحديداً، ستنبثق شخصيات جديدة لم يعرفها العالم من قبل. لن تكون هذه الشخصيات نتاج تخطيط أو مشروع واعٍ، بل ستظهر كـنتاج عرضي لعملية تكيّف قسري مع مناخ لغوي لم يسبق له مثيل. وهي لهذا السبب لن تكون امتداداً للمستخدم التقليدي الذي يستهلك المحتوى، ولا للمؤثر الذي يُسوّق الصور والانفعالات داخل منطق اقتصاد الانتباه، بل ستكون شيئاً أكثر غرابة وأصعب تصنيفاً: كائنات لغوية تتحرك داخل البنية التوليدية للمعنى لا فوقها، تستشعر تحولات الشعور الجماعي قبل أن تتبلور في خطاب، وتُعيد تشكيل المفردات المتاحة لا بوعي نقدي خارجي، بل من داخل إيقاع التوليد نفسه.
ما يُميّز هذه الكائنات اللغوية الجديدة أنها لن تسأل عن الحقيقة ولن تدّعيها، لأنّ السؤال نفسه سيبدو لها منتمياً إلى عصر آخر. ما ستتقنه هو شيء أقرب إلى الحساسية التوليدية: القدرة على التحرك داخل الفضاء الاحتمالي للمعنى بصورة تجعل الشعور يبدو حقيقياً، لا لأنه يُثبت شيئاً، بل لأنه يُحدث رنيناً. وبهذا المعنى هي ليست أكثر تقنية من سابقيها، بل أكثر لغوية، متطورة في قدرتها على السكن داخل السيولة لا في مقاومتها.
وفي هذا التصاعد يصل هذا التوتر إلى نقطته الأكثر حدة. فالتقنية التي دخلت إلى اللغة تحمل وهم السيطرة عليها لم تنجح في إخضاعها، بل أفضت إلى شيء لم يكن في الحسبان: مناخ توليدي يُعيد تشكيل الذات الإنسانية نفسها من الداخل، مُنتجاً نوعاً من البشر لا يقفون في مواجهة الآلة ولا يستسلمون لها، بل يتشكلون معها في علاقة تبادل لغوي مستمر يصعب فيه تحديد من يُنتج من.
عند هذه النقطة تكتمل المفارقة العميقة: العقلانية التقنية الحديثة التي سعت إلى اختزال اللغة إلى نسق قابل للحساب والضبط، تجد نفسها في نهاية المطاف أمام لغة لم تخضع، بل تمددت، وأمام ذوات لم تستسلم، بل تحولت، وأمام معنى لم يستقر، بل صار شعوراً متجدداً يتوالد باستمرار داخل بنية لا تعرف نفسها ولا تملك أفقاً خارجياً تُساءل أمامه.
غزة ولبنان: المختبر الأول للبنية الفرانكنشتاينية
غير أنّ ما ظل حتى الآن في حدود التحليل النظري بدأت ملامحه الفعلية تتكشف في مختبر لم يختره أحد لهذا الغرض. فما شهدته غزة ولبنان منذ أكتوبر 2023 يمكن قراءته، بمعزل عن كل حكم أخلاقي، بوصفه اللحظة التي خرجت فيها البنية الفرانكنشتاينية من فضاء النظرية إلى فضاء الجسد والدم والمدينة.
فمن جهة أولى، وظّفت الصناعة العسكرية نماذج توليدية كنظام «لافندر» وأمثاله لتحويل الحياة البشرية إلى تدفقات بيانات قابلة للتصنيف والاستهداف. وهنا بلغ المنطق التقريري ذروته الأكثر عرياً: الإنسان لم يعد ذاتاً، بل مدخلاً إحصائياً، والقرار لم يعد حكماً، بل ناتجاً احتمالياً. والبنية الفرانكنشتاينية لم تعمل هنا في فضاء اللغة المجردة، بل في فضاء الحياة والموت بكل ما يحمله ذلك من ثقل وجودي لا يمكن اختزاله في أي معادلة.
ومن جهة ثانية، وفي الوقت ذاته تقريباً، انفجرت حول هذه الحرب آلة هائلة لتوليد المعاني وإعادة تركيبها. فلم يشهد العالم في تاريخه الحديث معركة تأويلية بهذا الحجم وهذه السرعة: تبريرات وادعاءات ودحض ومضادات ورسائل مصنوعة ومعاد تدويرها، في تدفق لا يتوقف عبر منصات ونماذج توليدية تُنتج المعنى وتُفككه في آنٍ واحد. ولعل هذا هو المعنى الأعمق لما بات يُعرف بـ "حرب السرديات": ليست مجرد صراع على الرأي العام، بل اشتغال فعلي للبنية الفرانكنشتاينية في إنتاج المعنى وإعادة توليده بلا توقف ودون مرجعية ثابتة.
والأكثر أصالة في هذا المشهد أنّ الفلسطينيين واللبنانيين وجدوا أنفسهم في الموقعين معاً في آنٍ واحد. فهم من جهة أولى الضحية الأكثر مباشرة للتقنين الخوارزمي للعنف، حيث صارت حياتهم مادة خاماً لنماذج الاستهداف الاحتمالي. ومن جهة ثانية وجدوا أنفسهم في قلب معركة المعنى الأعنف التي شهدها العالم الرقمي، ساعين إلى تثبيت حقيقة وجودهم في مواجهة آلة توليد لا تعرف الحقيقة، بل تعرف الاحتمال. وبهذا المعنى لم يكونوا خارج البنية الفرانكنشتاينية بل داخلها من طرفيها في آنٍ: مستهدفين بمنطقها العسكري، ومضطرين إلى خوض معركتهم الوجودية داخل منطقها اللغوي.
وهنا تتكشف المفارقة في أكثر صورها إيلاماً: البنية ذاتها التي وُظِّفت لمحو وجودهم هي البنية ذاتها التي يضطرون إلى التحرك داخلها للدفاع عن هذا الوجود. وهذا ربما هو التعريف الأكثر دقة لما تعنيه أن تكون أول ضحايا عصر ما بعد الحقيقة: لا أن يُكذَّب عليك فحسب، بل أن تجد نفسك مضطراً إلى خوض معركة البقاء داخل بنية لغوية لا تعترف بالحقيقة أصلاً.


