"نشيد الحرية" لعبدالوهاب..مسروق من خليل تقي الدين؟

أشرف غريبالاثنين 2026/05/25
Image-1779704498.Jpg
عبد الوهاب مصافحاً الرئيس محمد نجيب بعد غناء نشيد الحرية للمرة الأولى
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل رحيله في الرابع من أيار 1991، عاش الموسيقار محمد عبد الوهاب نحو تسعين سنة محافظاً على علاقاته بالسلطة في مصر، سواء كانت ملكية قبل تموز/يوليو 1952 أو جمهورية بعد ذلك التاريخ، فنأى بفنّه عن الصدام بجهات المنح والمنع في مصر، ومن ثم أبقى دائماً على حظوظ دولته الغنائية من دون منغصات كان من الممكن أن تعطل مسيرته أو أن تنال من تلك المكانة التي أهلته لأن يكون بحق موسيقاراً لكل الأجيال.

يشدو بالقصيدة في الحفل العام الوحيد
يشدو بالقصيدة في الحفلة العامة الوحيدة

غير أن هناك مرة وحيدة اصطدم فيها عبد الوهاب مع السلطة في مصر، وكان ذلك في بدايات العام 1952 بسبب "نشيد الحرية" الذي نظمه الشاعر كامل الشناوي. صحيح أن الأزهر الشريف كان قد تحفظ – لأسباب دينية - في قصيدة "فلسطين" للشاعر علي محمود طه سنة 1949 التي مطلعها "أخي جاوز الظالمون المدى" على الجملة التي تصف السيد المسيح بالشهيد، وصحيح أيضاً أن فرنسا اعترضت على قصيدة "دمشق" التي نظمها أحمد شوقي سنة 1926 في غمرة الثورة العربية على الاحتلال الفرنسي، وغناها عبد الوهاب في الأربعينيات عشية استقلال سوريا ولبنان والتي يقول مطلعها: "سلام من صبا بردى ودمع لا يكفكف يا دمشق" ولا سيما البيت الحماسي الذي يقول: "دم الثوار تعرفه فرنسا، وتعلم أنه نور وحق". صحيح هذا وذاك، لكنها كانت مجرد تحفظات من جهات غير فاعلة في أمر المنع بعكس ما حدث مع قصيدة " نشيد الحرية" في العام 1952 .

كامل الشناوى
كامل الشناوي

عشية حريق القاهرة
والذي حدث أنه في أكتوبر/تشرين الأول 1951، ألغى رئيس الوزراء المصري في ذلك الوقت مصطفى النحاس، معاهدة 1936 التي كان وقعها مع المحتل الإنكليزي، وبدأت في منطقة قناة السويس منذ ذلك الحين عمليات مقاومة عنيفة ضد الوجود البريطاني فى مدن القناة، كانت ذروتها معركة الشرطة بالإسماعيلية في 25 كانون الثاني/يناير 1952 عشية حريق القاهرة. ووسط هذه الأجواء الملتهبة كتب الشاعر كامل الشناوي قصيدة نشيد الحرية أو "البعث" بتكليف من محمد عبد الوهاب، والتي كان مطلعها: "أنت في صبرك مرغم، أنت في حبك مكره، فتكلم وتألم وتعلم كيف تكره" وبالفعل دخل عبد الوهاب ستوديو الإذاعة المصرية في شباط 1952 ليغني القصيدة من توزيع الموسيقار عزيز صادق الذي قاد أوركسترا كبيرة نفذت اللحن من مقام دو الكبير أو العجم، فجاء لحناً حماسيا بديعاً ناسب الكلمات والأحداث التي ألهمت شاعرها بها، غير أنه في اليوم الذي اُعلن بث نشيد الحرية جاءت تعليمات نظارة الداخلية المصرية بعدم الإذاعة بناء على أمر القصر الملكي. 

 

انحنى عبد الوهاب للريح واستسلم للقرار تحاشياً للصدام مع الملك فاروق، وبقيت الأغنية في أدراج الإذاعة المصرية، إلى أن قامت ثورة 23 يوليو بعد اسابيع، وبدأ البحث في سجلات الإذاعة عن أغنيات وطنية تناسب الحدث الجديد، فتذكروا نشيد الحرية المحبوس في الأدراج منذ شباط، وعلى الفور تم استدعاء عبد الوهاب الذي كان في الإسكندرية، ومعه كامل الشناوي لإجراء بعض التعديلات على القصيدة قبل إعادة تسجيلها مرة أخرى، وبالفعل قام الشناوي بتعديل مدخل القصيدة ليكون هكذا في صيغة الماضي: "كنت في صمتك مرغم، كنت في صبرك مكره"، وتم تقديم الأغنية للمرة الأولى عبر الإذاعة المصرية في 19 آب 1952 بعد أشهر من المنع الملكي. ثم غناها عبد الوهاب للمرة الأولى والأخيرة في حفلة عامة بحضور الرئيس الراحل محمد نجيب في 26 يناير/كانون الثاني1953، بل اتخذت الإذاعة من المقدمة الموسيقية للأغنية لحناً مميزاً لنشرة الأخبار، وهكذا باتت الأغنية التي كانت ممنوعة، لحناً دائماً يستمع إليه المصريون خمس مرات يومياً منذ ذلك الحين وحتى الآن، على مدى 74 عاماً.

 

دعوى قضائية
ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فبمجرد تداول الأغنية على نطاق واسع، أبرق مراسل مجلة الكواكب القاهرية في بيروت سليم اللوزي، كاشفاً أن الأديب والسياسي خليل تقي الدين (1906 – 1987) ينوي رفع دعوى قضائية ضد كل من الموسيقار محمد عبد الوهاب والشاعر كامل الشناوي عن طريق مكتب محمد صلاح الدين باشا وزير الخارجية المصري الأسبق، متهماً إياهما بالجور على حقوقه في تلك القصيدة. وفي التفاصيل أن الأديب المعروف كان قد التقى الموسيقار عبد الوهاب في باريس أثناء انعقاد هيئة الأمم المتحدة في تشرين الثاني 1951 بعد أسابيع من إلغاء معاهدة 1936. وعلى العشاء في مطعم الكبيبة بباريس، وفي حضور مجموعة من رجال السلك الدبلوماسي العربي، بينهم الوزير محمد صلاح الدين، سأل تقي الدين عبد الوهاب: لماذا لا تكون أنت لسان حال كتائب التحرير في منطقة القناة؟ فأجابه عبد الوهاب بأن ليست لديه الكلمات المناسبة التي يغنيها، فأبدى الأديب اللبناني استعداده لكتابه هكذا كلمات، وبالفعل كتب له في تلك الأثناء قصيدة مطلعها: "أنا يا مصر فتاك، أنا من يحمي حماك، قد تعاهدنا أنا والنيل أن نسقي ثراك". 

 

وبدأ عبد الوهاب تلحين القصيدة في باريس، وشاع الخبر بين الوفود العربية، وطلب منه رئيس الوفد اليمني القاضي حسن، نسخة من القصيدة، فتلكأ تقي الدين لأنه كان يريدها أن تغنى أولاً، لكنه رضخ للأمر في النهاية وأملاها عليه. وعند الحديث عن الحقوق المادية لم يطلب الأديب اللبناني أي مقابل مادي، وإنما أصر على أن يوقع عبد الوهاب له عقداً يقر فيه بذكر اسم تقي الدين في كل مرة تذاع فيها القصيدة، وإذا لم يلتزم الموسيقار المعروف بذلك، يدفع لشاعر الأغنية تعويضاً قدره ألف جنيه مصري من جنيهات بداية الخمسينيات، وهو ما أقره له عبد الوهاب بعقد قانوني مؤرخ في 25 نوفمبر/تشرين الثاني1951. ومن جانبه، نفى الشاعر كامل الشناوي معرفته بكل تلك الملابسات، مؤكداً أنه من الممكن أن تكون عبارة أنا يا مصر فتاك، مجرد توارد كلمات، وهي عبارة تقريرية لا تلوي على شيء، وأن صديقه الشاعر خليل تقي الدين ربما تحدث في الأمر كدعابة ليس أكثر، أو أنها دعاية إضافية لأغنية ناجحة لا تحتاج إلى دعاية.

في الصحف

أنا يا مصر فتاك
أما عبد الوهاب، الطرف المدان الأول في هذه القضية، فقد أقر، بعد شيء من التعديل، برواية خليل تقي الدين، لكنه أشار إلى أنه هو الذي وجه الأديب اللبناني إلى فكرة قصيدة يقول فيها "أنا يا روحي فداكي أنا.. أنا"، فكتب تقي الدين على منوالها "أنا يا مصر فتاك" وهو ما أقره عبد الوهاب، لكنه عاد وتدارك الأمر عند تلحين القصيدة بأن شاعراً مصرياً ربما يكون أجدر بالتعبير عن تلك اللحظة الوطنية، فتوقف عن تلحين قصيدة تقي الدين واتفق مع كامل الشناوي على نظم القصيدة بالكيفية التي ظهرت بها للناس.

خليل تقي الدين
الأديب والسياسي خليل تقي الدين

اللافت أن خيوط القضية توقفت عند هذه النقطة، ولم يعرف أحد ما آل إليه الأمر، لكن الثابت أن قصيدة "نشيد الحرية" باتت مقترنة في كل مرة تذاع فيها فقط باسم كامل الشناوي من دون أي ذكر لاسم خليل تقي الدين، وأن حقوق الأداء العلني الذي تقوم جمعية المؤلفين والملحنين بباريس (ساسيم) بتحصيله، كانت تذهب سنوياً لكل من عبد الوهاب وكامل الشناوي، ثم آلت لورثتهما من بعدهما.         

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث