الهوية الثقافية السورية: لسنا مقطوعين من شجرة

بشير البكر الاثنين 2026/05/25
Image-1776409831
يوسف العظمة
حجم الخط
مشاركة عبر

 
كلما جالست جمعا من السورين انتابني شعور أن. الأول، أن اللقاء يغتني بالتعددية في اللهجات ومشتركات ذاكرة المكان والزمان، والإحالات إلى مصادر متقاربة حينا، وحينا آخر مختلفة تحت سقف تاريخ واحد، ومعايير ثقافية متقاربة. والثاني، هناك فائض من الهويات لدى كل فرد منا، على عكس بعض الشعوب التي خالطناها في سفرنا المديد، بوصفنا أبناء أرض اعتاد أهلها الهجرة إلى شتى أنحاء الكون، حتى أننا تركنا أثرا منا في كل ثقافة، من أميركا اللاتينية والشمالية، وأوروبا، وحتى بلاد الهند، والصين، وأفريقيا.


تظل مسألة الهوية الثقافية موضع تساؤل. من هي الذات السورية، وعلى ماذا تنطوي، هل نعبر جميعا، ودائما، عن المواقف ذاتها، حينما نفكر أو نتحدث أو نكتب؟ ما تشير إليه النظريات الحديثة للتعبير هو أنه على الرغم من أن أبناء شعب معين حين يتحدثون، "باسمهم"، عن أنفسهم ومن وحي تجربتهم الخاصة، إلا أن من يتحدث، والذات التي يتحدث عنها، ليسا متطابقين أبدا، ولا يتواجدان في نفس المكان تماما. وبالتالي فإن الهوية ليست خالية من الإشكاليات كما يظن البعض. وعلى مر التاريخ لم تكن الهوية الثقافية لشعب ما منجزة، بل هي نتاج تحولات وتمثلات وتفاعلات معقدة، وهذا ينطبق على حال سوريا، التي بقيت على مر الأزمنة أرض استقبال لأقوام متنوعين وهويات متضاربة، لكنها وفقت بينها ونشأت من تداخل الجماعات الثقافية شبكة معقدة من التأثيرات المتبادلة، وعلى هذا الأساس يمكن تجاوز النظرة الديناميكية للهوية الثقافية كمفهوم ثابت ومتجانس. فبدلاً من ذلك، تُعتبر الهوية نتاجا للتفاعل بين الهويات، حيث يُمثل التواصل القوة الدافعة.
 

تستقر نفسي، وأجدني متصالحا مع ذاتي، كلما سرت في المدن السورية القديمة. يعود بي ذلك إلى تعاقب الحضارات على سوريا الطبيعية، التي توحدت للمرة الأولى خلال حكم سلوقس الأول (358-281) قبل الميلاد، الذي اختار أنطاكيا عاصمة له، تلك المدينة التي شهدت بعد حوالي 300 عام تأسيس أول كنيسة في تاريخ المسيحية على يد الرسولين بطرس وبولس، حينما غادرا دمشق، في طريق التبشير بالمسيحية.
 

تجولت في رحلتي الأخيرة لدمشق في المدينة القديمة. وذات يوم كان الطقس باردا، فاسترحت داخل المسجد الأموي، متأملا هذا الصرح الذي يشد العالم نحو هذه المدينة التي وصفها الباحث الفرنسي جان بيير فوليو بالمرآة التي ترى فيها أوروبا تاريخها، فهي التي أهدتها الديانة المسيحية، ومنذ ذلك التاريخ كانت أرض استقبال وصراع وحوار هويات عرقية ودينية مختلفة. مر عليها الرومان والصليبيون والمغول والمماليك والأتراك، ومنها انطلق الإسلام في رحلته الأولى خارج العالم العربي في عهد الدولة الأموية، التي عمرت لمدة 84عاما (662-750 م)، لكنها تركت أثرها الثقافي حتى اليوم.
 

باب توما

أنا فلان الفلاني ولدت في دمشق عائلتي مسلمة جيراني مسيحيون، في المدرسة زملائي متنوعين، الحي الذي نسكنه قريب من ساحة المرجة، الموجودة بالقرب من المسجد الأموي، الذي بناه الخليفة الوليد بن عبد الملك على الى أنقاض كنيسة، واحتفظ بداخله بقبر يوحنا المعمدان، وهو النبي يحيى بن زكريا لدى المسلمين. وعلى جانبي المسجد هناك معبد جوبيتر الذي بناه الرومان... تستطيع دمشق أن تكون مفتاح هوية سورية فهي التي هضمت التنوع السوري الاثني والطائفي. ومن هذا المنطلق، تقع على عاتق الدولة السورية الجديدة ووزارة الثقافة مسؤولية حماية التنوع الثقافي وتعزيزه، واعتماد سياسات تُشجّع على إدماج جميع المواطنين ومشاركتهم، بما يضمن، بهذه الطريقة، تماسك المجتمع، وبهذا المعنى، يُمثّل التعدد الثقافي استجابة سياسية لواقع التنوع الثقافي. وفي هذا الإطار يمكن لهوياتنا الثقافية أن تعكس التجارب التاريخية المشتركة، والرموز الثقافية المتبادلة التي تمنحنا، كشعب واحد، أطراً مرجعية ومعنوية ثابتة لا تتغير، تتجاوز الانقسامات والتقلبات التي يشهدها تاريخنا. هذه الوحدة، التي تتجاوز كل الاختلافات، هي جوهر الهوية والتجربة السورية.

6 Nasser.jpg
عبد الناصر متوسطا الحضور في "عيد الجلاء


منذ ولادة الكيان السوري عام 1918 عاشت سوريا تحولات محورها الأساسي وعمودها الذي حمل البنيان الكبير عربي. استقبلت الأمير الحجازي فيصل بن الحسين، وقبلته ملكا عليها، وحينما قررت فرنسا طرده من دمشق، هبت سوريا، وواجهت الجيش الفرنسي بألفي رجل كان يقودهم يوسف العظمة الذي استشهد في ميسلون، ولم يكن لديها مشكلة مع تاج الدين الحسني المراكشي، والأمير عبد القادر الجزائري، والعراقي طه الهاشمي. وبعد ذلك سارت للوحدة مع مصر، ورحبت بجمال عبد الناصر على نحو نافس مصر، وانخرطت بالقضية الفلسطينية إلى حد صار للاجئ الفلسطيني بعد سوري، يتشارك وجدانه وانتماءه الفلسطيني. وهذا يعني أن الهوية الثقافية العربية كانت هي السائدة قبل تأسيس الكيان الجديد، ولم تكن بحاجة إليه كي يعلي من شأنها لأنها قوية بذاتها وعناصرها المكونة، والشعور بالانتماء إلى مجموعة محددة، كاللغة بما هي أداة أساسية للتواصل وناقل للمعرفة الثقافية والقيم والرؤى، والتقاليد والعادات التي استمرت عبر الأجيال في الطقوس والاحتفالات والممارسات اليومية.
 

لسنا مقطوعين من شجرة، لكن الهوية الثقافية السورية ليست جامدة؛ بل تطورت وتكيفت باستمرار مع خصوصيات السوريين، وتفاعلهم مع ثقافات مختلفة، وبناء وتطوير وعي خاص بهويتهم، وتشكلها عبر مراحل مختلفة. فالهوية ليست شيئًا يمكن تحقيقه، بل يتم بناؤه لفترة طويلة من الزمن، وتتداخل فيه مع اللغة، والتمثيلات الثقافية، علاقات القوة خلال سياقات تاريخية محددة، ومن هذا المنظور لابد من اتباع نهج بناء لفهم الهوية الثقافية، مع التأكيد على الطبيعة المرنة والمتعددة لأوجه الانتماء الثقافي من خلال تعزيز فهم أعمق وأكثر دقة للثقافة. لأنه غالباً ما يُنظر إلى مفهوم الثقافة على أنه مفهوم بسيط، حيث يعتقد الكثيرون أن لديهم فهماً واضحاً لما ينطوي عليه. ومع ذلك، فإن الخطابات المحيطة بالثقافة والهوية الثقافية والتراث الثقافي غالباً ما تبقى غامضة وغير مدروسة، مما يؤدي إلى تفسيرات مبسطة للغاية وربما ضارة، وتُقرّ الدراسات المعاصرة بالطبيعة المتغيرة والمتنازع عليها لهذه المفاهيم، متجاوزةً النظرة التي تُعامل الثقافة ككيان ثابت أو متجانس ونهائي، وهذا ما ينطبق على هويتنا الثقافية السورية التي كانت على الدوام، مسألة "صيرورة" بقدر ما هي مسألة "وجود". تنتمي إلى المستقبل، بقدر ما تنتمي إلى الماضي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث