حين يصدّق الشعب الإفرنج

أسعد قطّانالأحد 2026/05/24
الجيش اللبناني (Getty)
بعض اللبنانيين لديهم شعور بأن سلطتهم تتحايل على الأشياء والحقائق (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليس تفصيلاً أن تفرض وزارة الخزانة الأميركيّة عقوبات على ضبّاط ينتسبون إلى المؤسّسات الأمنيّة اللبنانيّة، ولا سيّما الجيش. فمن المعروف أنّ الجيش اللبنانيّ هو، بمعنًى ما، الطفل المدلّل للأميركان، يدعمونه بالسلاح والذخيرة، ويمدّونه بمبالغ من المال لا يستهان بها، كي يضمنوا استمرار وظائفه التشغيليّة بالحدّ الأدنى. 

 

الكلام الذي كان يُتداول في الصالونات والغرف المغلقة على تورّط عدد من ضبّاط الجيش، وسائر المؤسّسات الأمنيّة، في علاقات "مشبوهة" بالميليشيات عاد ليس مجرّد كلام يُتسلّى به في بلد مثل لبنان يتسلّى فيه الناس بكلّ شيء تقريباً، بل تحوّل إلى خطاب أميركيّ رسميّ ربّما يكون أحد أهدافه تكثيف الضغط على المؤسّسة العسكريّة. فقيادة هذه المؤسّسة متّهمة بفشلها في تفريغ منطقة جنوب الليطانيّ من السلاح، وترويجها في هذا الخصوص روايةً أقلّ ما يقال فيها أنّها غير دقيقة. يضاف إلى ذلك ما أظهرته حادثة صخرة الروشة من التباس يشوب العلاقة بين الحكومة ورئيسها من جهة، والمؤسّسات الأمنيّة من جهة أخرى.

بيد أنّ العقوبات الأميركيّة رسالة للسلطة اللبنانيّة بالدرجة الأولى. فالجيش، في أوّل المطاف وآخره، مؤسّسة تأتمر بأوامر الدولة، وهدفها حماية الشعب اللبنانيّ، لا دخول منعرجات السياسة والسلوك في دهاليزها. بكلمات أخرى، كما أنّه من غير المقبول أن ينظّر ضبّاط الجيش في السياسة، من المجحف أن تحمّل السلطةُ الجيشَ مسؤوليّة تردّدها وتخاذلها. والحقّ أنّه كان في وسع هذه السلطة أن تكون أكثر حزماً في تطهير مؤسّسات الدولة ممّن هم "أبناء" الميليشيات، لا أبناء الدولة، ومن الطفيليّين والزبائنيّين والمنتفعين. لا تنفع هنا نظريّات الخوف من الحرب الأهليّة وضرورة المحافظة على التوازن بين الطوائف. فهذا التوازن قوامه العدل. والعدل ضرورة لمداواة كلّ الذين يحسبون أنفسهم مجروحين، وللحؤول دون أن يتجرّح المعافون، وذلك إذا كان ثمّة مَن هو معافًى في هذا البلد.

 

لكن هناك ما هو أشدّ خطورةً من العقوبات في ذاتها. فثمّة شرائح واسعة من الشعب اللبنانيّ تصدّق خطاب العقوبات الأميركيّة أكثر ممّا تصدّق كلام السلطة. وهذا كارثة. كلّ كلام التنصّل الذي سمعناه بعد صدور العقوبات يبدو لغالبيّة الناس مجرّد ذرّ للرماد في العيون، أو تغليباً لمنطق النعامة، التي قيل إنّها تدفن رأسها في الرمل عندما يدنو الخطر منها. ذروة الخطورة أن يكون هناك شعب معظمه يصدّق خطاب الإفرنج عن دولته بدلاً من أن يصدّق دولته. 

ثمّة شعور متنام لدى اللبنانيّات واللبنانيّين بأنّ سلطتهم تكتفي بردّ الفعل (reactive) عوضاً عن الذهاب إلى الفعل (proactive). وثمّة شعور لديهم بأنّ سلطتهم تتحايل على الأشياء والحقائق والمفردات. وثمّة شعور لديهم بأنّها لا تصدقهم القول، ولا تصارحهم، وتكتفي بالعموميّات بدلاً من تسمية الأمور بأسمائها. هل هم مخطئون؟ ربّما. لكنّ الإحساس الخاطئ، إذا كان خاطئاً، لا يقلّل من حقيقة الإحساس، ومن وقعه. ولعلّ هذا ما يدفع فئات واسعةً من الشعب إلى الوثوق برواية العقوبات أكثر من الوثوق بالرواية التي تقدّمها مؤسّسات دولتهم. وحين يقع هذا المحظور، يبدأ تفكّك المجتمع، لكون السياسة تفقد معناها وتصبح عبثيّة. وحين لا يصدّق شعب دولته ويتحلّل المجتمع، يقع ما هو أشدّ وأعتى من الحرب الأهليّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث