رحل غسان، وانضم إلى سابقيه من قادة البلاشفة اللبنانيين. معظمهم عاش عمراً مديداً أنفقه في البحث عن أجوبة على الأسئلة التي آمنوا أنهم طليعة المعنيين بها. حافظوا على أدوات البحث عينها، وآمنوا أنها الوحيدة الصحيحة للرد على أسئلة المرحلة. والأسئلة التي كانت تطرحها المرحلة لم تكن بالضرورة هي الأسئلة عينها التي كانوا يصيغوها، بل كان الفرق بينها كبيراً عادة. الفارق بين أسئلة يطرحها الواقع وأسئلة تطرحها الأيديولوجية عنه، وتتوهم تطويعه وإخضاعه.
بعد إنقلاب البلاشفة الروس في أوكتوبر على ثورة شباط 1917 الروسية الليبرالية الديموقراطية، انفجرت موجة تأييد عارمة في العالم للشعارات التي أعلنها البلاشفة لانقلابهم. انخرط في الموجة كبار مثقفي العالم وفنانيه، فالبلاشفة كانوا يتهيئون لبناء الجنة على لأرض في ظل توحش التقدم الصناعي حينها.
كان من الطبيعي أن ينضوي المتنورون في لبنان والمنطقة في تلك الحركة الجارفة، سيما ان الغرب كان يطبق باستعماره على بلدانهم التي تحررت للتو من العثمانيين. وكان انضواؤهم الطوعي الحر فعل إيمان صادق بحتمية تحرر المنطقة وتطورها، ولا تعتريه شبهة تنتقص من علو شأنه الإنساني الحق.
وبعد استتباب الأمر للبلاشفة في نهاية الحرب الأهلية الطويلة التي خاضوها ضد الريف الروسي والبورجوازية الروسية، وشكلوا إتحادهم السوفياتي الذي وسع الإمبراطورية الروسية و"شرع" استعباد شعوبها، سارع البلاشفة إلى تأسيس فصائل بلشفية في المنطقة والعالم لتدعيم وضعه في المجابهة مع الغرب.
لكن المنطقة لم تكن أرض موات خالية من حركة التحرر من العثمانيين. ونشأت هذه الحركة في أحضان الغرب وقيمه وتطوره والتزمت بها طريقاً لتطور بلدانها. وكان الصدام حتمياً بين هذه الحركة والفصائل التي شكلها البلاشفة تحت إسم "الأحزاب الشيوعية". كان من المستحيل أن يتوقف هذ الصراع، وهو يتواصل حتى يومنا هذا مثقلاً بآثار كل المراحل السابقة. وكان من السخافة في البدايات حصر الحكم على طرفيه بين "الصح والخطأ"، لكن أصبح في النهايات من الخطيئة التردد في حسم الأمر بشأن الحكم على البلاشفة ــ جريمة. جريمة هي الإصرار على العداء البلشفي للغرب "المتوحش"، "المعادي للقيم الأخلاقية" ال...، لكنه الممسك بناصية التقدم العلمي وحرية الرأي واحترام الإنسان، وإن على طريقته التي لا تعجب الكثيرين منا. جريمة هي الإصرار على التمسك بالأوهام القومية التي انزلق إليها البلاشفة العرب وشجعهم عل ذلك المركز البلشفي السوفياتي في إطار ما كان يسميه "حركة التحرر الوطني" التي كان يشترط عداءها للغرب. جريمة هي التمسك بالنظرة إلى روسيا بلشفية ما بعد السوفياتية وكأنها مناصرة لقضايا تحرر الشعوب، وليست أيديولوجية إمبراطورية تسعى لاستعباد الشعوب، على غرار أيديولوجية "الولي الفقيه" الإمبراطورية الفارسية.
رحل غسان، وكغيره من رفاق عمره الراحلين، كانوا ينكبون أواخر العمر على كتابة المذكرات ونشر المزيد من الكتب التي تضيء على تجاربهم. وهم بذلك كانوا يسعون إلى "توريث" تجاربهم للأجيال الشابة مع الحرص على بعض النقد الذي كانوا يأملون من خلاله إنقاذ هذه التجارب من الحكم المبرم عليها بالفشل الذي كان قد اصبح واضحاً للعديدين منهم.
سقوط أخلاقي مروع إن تبادر إلى الذهن أخذ غسان ورعيله بجريرة فشل تجربتهم البلشفية. فمن وجد في نفسه الشجاعة والقدرة الأخلاقية على تكريس حياته لفكرة أيديولوجية ما، بغض النظر عن الرأي بها، يستحق الإنحناء أمام اسمه وذكراه. لكنها فعلة خيانة أن يؤخذ الواقع بجريرة هذا الإحترام، وأن لا يتم التصدي لإمكانية توريث تجاربهم وبقاءها أداة للتصدي لكوارث الواقع الراهن. كانوا "أصحاب سوابق يسارية" كما نحن الآن، وجريمة بحق الشعوب والبلدان التي كرسوا حياتهم لنهوضها وتطورها أن يتم "العفو" عن سوابقهم ومواصلة الطريق عينه الذي لن يصل إلى غير ما وصلوا إليه.
حين رحل رفيق غسان جورج البطل العام 2016، نشرت في "المدن" كلمة وداع لصدقه في ما كان يقوم به. وكنا قد عقدنا عدة حلقات تسجيل لما كانت تحتفظ به ذاكرته التي بقيت نضرة حتى آخر أيامه. في تلك الحلقات التي لا يزال تسجيلها متوفراً، اعتبر جورج أن البلشفية كانت طوبى، وكما كل طوبى أخرى تذهب في الكثير من الدماء في سبيلها. لكنه انتفض حين قارنت بين البلشفية والنازية اللتين تشاركتا في سفك الدماء، ورأى أن النازية كانت وباءً وليست طوبى.
ومما جاء في نص كلمة الوداع حينها: "صحيح يا جورج كانت " القصة" طوبى دمرت بلداناً وشعوباً، وقضت على ملايين البشر. كانت طوبى تطاولت على كل ما في الحياة بغية تغيير كل ما في الحياة شكلاً وجوهراً. كانت طوبى تصدت لتغيير آدم التوراتي وإعادة خلقه من جديد. وهي، للحقيقة، نجحت يا جورج، حيث تمكنت من الإمساك بآدم هذا في روسيا وملحقاتها أيام الإتحاد السوفياتي، وبدلته من "الإنسان العاقل" (homo sapiens) إلى أومو سوفيتكوس (homo soveticus)، على قول سفتلانا ألكسييفتش، صاحبة نوبل للآداب في العام 2015".
والأسئلة التي طرحت في تلك الأيام لم تتغير، بل اكتست الكثير من الإضافات والتعقيدات، وهي لم تكن في عهدة جورج وغسان فقط، بل في عهدتنا الآن وعهدة الجيال اللاحقة التي قد تجيب على بعضها إن تحاشت تقييد الواقع بالإيديولوجيات والطوباويات والأوبئة. ومن بعض الأسئلة التي لم ترحل لا مع جورج ولا مع غسان: إذا كانت البلشفية طوبى كما وصفها جورج، فهل سفك الدماء مبرر للطوبى، هل هناك ما يمكن أن يبرر قتل الإنسان ودوس كرامته وحريته؟ هل هناك ما هو اقدس من الإنسان؟ هل هناك في الحياة ما هو اقدس من الحياة نفسها؟ إذا بررنا لطوبى واحدة أن تقتل الإنسان، فلماذا لا نبرر القتل لسواها ؟ ألا نمنح بذلك المبرر لكل سفاح مهووس بفكرةٍ أو عقيدةٍ أو أيديولوجية؟




