في سلوفينيا: زهرة بشير الجميل

شادي لويسالسبت 2026/05/23
معرض وليد رعد
في متحف التاريخ السلوفيني المعاصر
حجم الخط
مشاركة عبر

"أيها السائحون عودوا إلى بلادكم، وأرسلوا المال إلى فلسطين"، الغرافيتي المكتوب بالأسود على أحد المباني بمحاذاة نهر ليوبليانيستا، وسط العاصمة السلوفينية ليوبليانا، يدمج العلامتين الأكثر حضوراً للاحتجاج في المدن الأوروبية في أيامنا، ضد السياحة المفرطة ومن أجل فلسطين.

 

السياحة المفرطة في العاصمة الصغيرة التي يقل عدد سكانها عن 300 ألف نسمة، في كل مكان. تكتظ الشوارع بمجموعات السائحين التي تتحرك ببطء من شدة الزحام، قبل أن ينتقلوا سريعاً إلى بلدة "بليد" التي تبعد نحو ساعة بالسيارة، وذلك لزيارة بحيرتها الشهيرة. هناك، على ضفافها، لا تتوقف حركة الحشود البشرية في دوائر، من دون أن يسمح لأحد بالاقتراب من البحيرة. كل بضعة أمتار هناك لوحة تحذر الزوار من أن غرامة السباحة أو لمس ماء البحيرة بطرف القدم، قد تصل إلى 200 يورو.

معرض وليد رعد

تعود الشهرة السياحية للبلاد إلى الحقبة الشيوعية، حين كانت سلوفينيا واحدة من جمهوريات يوغسلافيا الست. احتفظ تيتو بمقر رئاسي بالقرب من "بليد" لاستقبال زواره الأجانب، ولم تكن الطبيعة الخلابة وحدها هي السبب، بل الرغبة في التباهي بنجاح النموذج الاشتراكي في الجمهورية الأنجح اقتصادياً بين جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي السابق. لا تقارن معدلات السياحة في البلد الجبلي الصغير، بجارتها كرواتيا التي تحظى بأعلى معدل ليالٍ سياحية بالنسبة إلى عدد السكان في العالم، لكن تظل زيارة سبعة ملايين سائح سنوياً عبئاً ثقيلاً على المرافق والبيئة في البلد البلقاني ذي المليوني نسمة.

معرض وليد رعد

حكومة يسار الوسط السلوفينية من أعلى الحكومات الأوروبية صوتاً في دعم فلسطين منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة. جولة سريعة في "متحف التاريخ السلوفيني المعاصر" في ليوبليانا تشي بالجذور التاريخية لذلك التعاطف مع ضحايا القسوة الإمبراطورية. الذاكرة الحديثة للسلوفانيين هي ذاكرة وقائع إنكار وجودهم من قبل جيران أقوياء، والنجاة بفضل حسن نوايا آخرين. في الحرب العالمية الثانية، قسم الألمان البلد الصغير بعد غزوها إلى أربعة أقسام، ومنحوا قسماً لإيطاليا قامت بضمه إلى أراضيها مباشرة، وقسماً آخر إلى المجر قام كذلك بالاستيلاء عليه، ونالت كرواتيا نصيبها من الأراضي الحدودية وفعلت به الأمر نفسه، والجزء الآخر أداره الألمان وشرعوا في تهجير سكانه وإحلال مواطنين ألمان مكانهم.

قاوم قاطع

ليس هناك الكثير من علامات التضامن مع فلسطين في الشوارع، لكن أول ما يقابله المرء عند دخوله إلى متحف الفن المعاصر في العاصمة هو ملصق بالعربية معلق في مدخل المتحف: حرف القاف على شكل وجه ملثم بالكوفية الفلسطينية وأسفله مكتوب: قاوم قاطع. المتاحف هنا شبه خالية، معظم السائحين يأتون من أجل الطبيعة الجبلية للبلاد وبحيراتها ويفضلون البقاء في الهواء الطلق. المتاحف كانت المكان الأهدأ في المدينة.

معرض وليد رعد

جناح المقتنيات الدائمة في متحف الفن الحديث محتشد بالكتابات على الحائط بشكل يبعث على التشتت، الكثير من المعلومات والقليل من الأعمال الفنية. دلفتُ إلى قاعة جانبية تستضيف معرضاً مؤقتاً، وللمفاجأة أول ما وقعت عليه عيناي كان ملصقاً معلقاً على الحائط لزهرة يتوسطها وجه بشير الجميل. كان ذلك معرضاً للفنان اللبناني وليد رعد، خصص له نصف مساحة المتحف، وعلى الحائط حديقة كاملة من وجوه زعماء ميليشيا الحرب الأهلية اللبنانية ورعاتهم الأجانب.

معرض وليد رعد

في قاعة أخرى، يتتبع رعد علاقة فنية شديدة الفرادة تربط بين وطنه وبين سلوفينيا. في العام 1991، وبعد عام واحد من نهاية الحرب الأهلية في لبنان، وجدت أسلحة وذخائر الميليشيات اللبنانية المنحلة طريقها إلى الفصائل المتحاربة في الحرب الأهلية اليوغسلافية. وصلت شحنة صغيرة من الرصاص وقذائف الهاون والمدافع الرشاشة إلى سلوفينيا، لكن الصناديق الخشبية التي نقلت بها الشحنة كانت تحتوي على ما هو أكثر قيمة من الأسلحة. الأسطح العلوية للصناديق كانت نسخاً من لوحات ذائعة الصيت عربية وتركية وإيرانية مفقودة أو مدمرة. من بينها لوحات للسوداني إبراهيم صالحي، واللبناني عارف الريس، والمصريين عبد الهادي الجزار وأنجي أفلاطون. حتى الآن، من غير المعروف من رسم تلك النسخ، ولماذا. في العقد الماضي كانت ثمة محاولات لبنانية لاستعادة تلك اللوحات، لكن بلا جدوى.

 

تجاوزت سلوفينيا حربها الأهلية التي استمرت عشرة أيام فقط، لكن لبنان للأسف ما زالت حروبه مستمرة.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث