عون جابر: "الرابطة القلمية" هي روح سوريا الصغرى

المدن - ثقافةالسبت 2026/05/23
عربة "السوريين في بوسطن"" كان الشعار الذي ساروا تحته هو الكلمة الوحيدة المتاحة لهم (عن موقع Bostonlittlesyria.org).
"السوريين في بوسطن": كان الشعار الذي ساروا تحته هو الكلمة الوحيدة المتاحة لهم (عن موقع bostonlittlesyria.org).
حجم الخط
مشاركة عبر

في خضم الفواجع والمصائب وغياب الأمل لنهاية قريبة لخلاص الشعب اللبناني وشعوب المنطقة، يستحوذ النقاش حول غياب صفة اللبناني عن التعريف بـ"الرابطة القلمية"، واستخدام مفهوم السوري فقط بسبب الاعتماد على تاريخانية الهجرة في الفترة العثمانية، حتى أن وزير الخارجية اللبنانية أصدر تعليماته للعمل على وجه السرعة  لتغيير الاسم على لوحة التعريف بالرابطة القلمية قرب النصب.


 وهنا يطرح السؤال التالي: هل يحق للدولة اللبنانية أن تكون الوصي على المهاجرين كونهم يحملون جنسيتها؟ أو على الإرث والإبداع الثقافي للمبدعين/ات والذين هاجروا من البلاد بسبب نظام فاسد وفاشل يعتاش على ريع تصدير مواطنيه إلى أصقاع الأرض؟ النوستالجيا ونوبات الحنين للعودة إلى وطن النجوم تبقى في إطار المشاعر التي لا تترجم لدى معظم المهاجرين.


النقاش الحامي وما شابه من حماس أخذ حيزا لا بأس به على صفحات التواصل هو سياسي بامتياز، وهو إسقاط لمقتضيات الوضع السياسي الحالي في الوطن على تفصيل بسيط في بلد المهجر. فلا مبرر لهذا الكم من الاستنكار وتجريد السيوف، خاصة وأن المسؤولة والمولجة بذلك هي الأكاديمية الدكتورة ليندا جاكوب التي وعدت بسبب الضغوط بتغيير واستبدال عبارة السوريين باللبنانيين.


بشكل عام يبدو أن ما لا يستوعبه السياسيون وغيرهم من دارسي المغتربين أو المنتشرين أو المهاجرين في لبنان، أن الهجرة لم تكن هواية أو خيارا بل استئصالاً واقتلاعاً، فمغادرة البلد الأم هو كفر بكل العوامل التي تدفع للهجرة.

 
المهاجرون في تمثلهم للحياة الجديدة يمرون بمراحل متعددة تختلف مدتها بحسب الظروف المحيطة بكل فرد منتج، وغالبا ما تنتهي بهم للتأقلم مع الوطن الجديد، ولا يعني ذلك التخلي عن الثقافة والتي هي إرث "يجثم على جماجم الأحياء"، فاستكمال حياتهم في ظروف مختلفة تماما ومعقولة تجعلهم يبدعون ويعملون ويستغلون الفرص المتاحة للتعويض عما فاتهم بسبب القمع والفساد والزبائنية والطائفية والتدين المصطنع والتمييز إلخ... 

 

هؤلاء المهاجرون وخصوصاً الرواد من 1880 وحتى 1924 كانوا من المسيحيين في سوريا الكبرى الشاملة للبنان وسوريا وفلسطين في العصر العثماني، عانوا من أصعب الظروف، فعند مغادرتهم الميناء (أليس آيلند) بعد نجاحهم في الفحص الطبي يتوجهون فورا لبائعي الجملة المقابلة لرصيف الميناء لتبدأ رحلة عذاب محفوفة بمخاطر أمراض السل وشظف العيش في مساكن خشبية مفتوحة على احتمالات متكررة من الحرائق والفيضانات في أقذر منطقة في منهاتن التحتا. سميت "سوريا الصغرى" لأن سكانها يتكلمون العربية ومن سوريا الكبرى وعلى هذا النسق كان الحي الصيني والإيرلندي والإيطالي إلخ... وهنا نتكلم عن أكثر من 60 قومية تعيش في محيط لا يتعدى الأميال المربعة. العصبية في الانتماء في هذه المرحلة هي قارب النجاة على كل الأصعدة لما فيها من صعوبة في ظل سيادة المافيا والعصابات وغياب العدالة في مجتمع يفتقر لحضور السلطة وتدخلها. 

 

"سوريا الصغرى" إذاً هي الحاضنة لحكاية ولادتهم الجديدة، لذلك يرى البعض إن استعمال الانتماء إليها مرتبط بقصة كفاحهم في الوقت الذي لم يكن الكيان اللبناني ناجزا بالمعنى السياسي!!! تم استعمال هذا المفهوم في الصحافة وولادتها كانت على يد الأخوين أربيلي من دمشق عام 1892 بإسم "كوكب أميركا"، أي قبل انتقال صحيفة الهدى إلى الحي بعشر سنوات (صدور الهدى الأول كان عام 1898)، إلى جانب الاسم الذي أطلقته الصحافة تم اعتماد اسم الحي السوري لدى العامة، والجمعيات التي أُسست في هذا الحي اعتمدت المفهوم السوري في التعريف ك"سيدات المعونة السورية" و"المحفل الدمشقي الماسوني" و"نادي حلب ومنظمة الشبيبة السورية". 

 

الانتماء اللبناني أصبح أحد هواجس أعضاء الرابطة عام 1920 وهو عام تأسيسها في المرة الثانية، قلة دعمت استقلال الجبل بمعزل عن سوريا، والأكثرية كانت مع سوريا الكبرى كونها حافظة للأقليات، أما الريحاني فكان عروبي الهوى إذ عبر علنا بافتخاره كـ"لبناني في خدمة العروبة وعربي في خدمة الإنسانية"، التفاوت بالآراء لم يفسد علاقتهم ببعض في "الرابطة القلمية"، التي لم تنسب لنفسها أي انتماء. خمسة من أعضائها العشرة لبنانيون وهم الريحاني وجبران ورشيد أيوب وميخائيل نعيمة وإيلي أبو ماضي، واثنين من السوريين، نسيب عريضة وعبد المسيح حداد، والثلاثة الباقين وليد باحوط ووليم كاتسنيلفز ونادرة حداد سوريون/لبنانيون. 
 

بناء على تجربتهم الملحمية في الهجرة، والتي لم توثق في إبداعاتهم (هذا موضوع آخر له أسبابه) من بلاد كانت ترزح تحت نير السلطنة العثمانية في ظروف معيشية قروأوسطية إلى أهم مدينة في أوج تطورها الرأسمالي جعل لهؤلاء الرواد هوية جديدة يعجز أن يتصورها جيدا من لا يبرح مرقد العنزة. الجمعية المكلفة بالاحتفاء بـ"سوريا الصغرى" والإشارة إلى بصمتها على نسيج المجتمع النيويوركي، رأت أن أفضل ما يمكن عرضه في الحديقة المخصصة لذلك هو استحضار الإرث الثقافي المتمثل بالرابطة القلمية، فتم نصب كلمة القلم كرمز لإبداعهم.
 

الدكتورة ليندا جاكوب عملت عقودا من الزمن لتحفظ تاريخا مطرزا بأدق التفاصيل باستنساخها شوارع وبيوت ومحلات "سوريا الصغرى" اعتمادا على ذاكرة أربعة من جدودها الذين عاشوا بها، وعلى أرشيف البلدية وكل الاصدارات المتعلقة برخص البناء او العمل وبأرشيف الصحافة العربية والإنكليزية. كتابها "غريبون في الغرب" من المراجع المهمة للاطلاع على مسيرة الرواد، وإذ تُغفل عن غير قصد الهوية اللبنانية بجانب السورية اعتماداً على الحقائق التاريخية فلا داعي للاستنفار على كل الأصعدة لشد العصب على قضية ترتبط أولا وأخيرا بالمهاجرين اللبنانيين والسوريين والعرب في الولايات المتحدة، وهنا لا بد من الإشارة بأن التدخل والتمدد السياسي و"المونة " على الجالية العربية الأميركية حاليا من قبل السياسيين اللبنانيين والعرب، مستغلين النوستالجيا والحنين للوطن، لا يأتي إلا بمزيد من الانقسام على مختلف المستويات. 

 

وإذا كانت الثقافة هي هاجس المعترضين على صيغة النصب فمن الأفضل أن ينظروا ويرعوا ويترجموا للمئات من المبدعين العرب الأميركيين، وهنا تنبغي الإشارة إلى ان مفهوم " العرب الأميركيين" هو من اشتقاق ريتشارد شدياق المساعد للكونغرسمان جيمس أبو رزق عام 1973، عندما أسس منظمة العرب الأميركيين المناهضة للتمييز، وتبغي الإشارة أيضا بأن لا وجود لأدب لبناني أميركي، أو سوري أميركي، او مصري أميركي فقط هناك الأدب العربي الأميركي كمظلة جامعة. حتى الان لا يستوعب البعض بأن المهاجر يتكيف ويتطور ويكتسب مزيدا من خصائص تغني هويته في مجتمعه الجديد، فمسيرة الرواد وكل المهاجرين التي بنيت بالدم والدموع ليست مشاعا لكل سياسيي البلد الأم الذين أمعنوا ويمعنون في تدميره لبنة لبنة .

 

(*) عن فايسبوك

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث