دير قانون النهر
في زمنٍ كانت فيه الأرض سديماً
والساعة صفرْ
لم يكن الناس سوى أسماكٍ تتضاعف في مرآة
الدهر
وطيورٍ تتكرر في مجرىً لا ماء بهِ
وتشيّع موتاها بدموعٍ صافيةٍ
ظلت تتعاظم حتى صارت نهر
وجرى النهر الى البحر
والناس الى القبر
وجرت أعمارُ الناس وئيداً في النسيان،
تفتّحهم عند طلوع الشمس رياحٌ واحدةٌ
ما تلبث أن تغمضهم
عند نهايات العمر
ذات صباح من كانونَ
أصيب النهر بشيء كالمسّ
وأحسّ بأن البحر يناديهِ
فراح يضاعف سرعتهُ،
وأحس بأن ذئاباً تُفلتُ من أقبية الريح
لكي تفقأ عينيهِ
فغادر مجراهُ
وأنشب في عنق الفلاحين مخالبه الخضراءَ
ودقّ بفأسٍ داميةٍ أعناق الزهر
يا.. ليطاني
صرخ القرويون المذعورون بأصواتٍ
راحت تتعهدها الوديان برمتها،
طا.. ني
طا.. ني
أرجعْ غرقانا من جوف السيلْ
كانت ألسنةٌ تتجمع في حنجرة الغرقى
وتدقّ كمطرقةٍ جدران الليلْ
يا.. لي.. طا.. ني
طا.. ني
طا.. ني
ورمى الناس خواتمهم في الماء
رموا طرحات عرائسهمْ
وأساورهمْ
ومفاتيح منازلهمْ
ورموا قمح الأعمار وأرغفة القهر
ورموا ما اختزنوه من الذهب المتوارثِ
مهراً للنهر
...
بعد شهورٍ كان النهر يعاودُ
سيرته الأولى،
شفافاً كدموع العذراء
وأزرق مثل نجوم الظُّهر
لن يغضب ثانيةً أقسمَ
لكنّ الناس، لكي تصبح للوعد مناعتُهُ
نقشوا أحرفه المائيّةَ فوق الصخر
وبنوا في نفس مكان القرية ديراً
كي يحرس: قانون النهر
(*) عن فايسبوك




