تنشر "المدن" أدناه مقتطفاً من كتاب بعنوان "عن فاطمة الخضراء" للكاتب فوزي ذبيان.
الكتاب غير منشور، وهو يجمع مذكرات فتاة شيعية في إحدى المدارس التابعة لحزب الله بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال حقبة الثمانينات من القرن المنصرم:
مرّت أسابيع على وقت تكديسنا في تلك القاعة الكبرى. لم يكن في بالي على الإطلاق أننا سنعود لنتكدّس فيها، ذلك أن لا مستجدات خطيرة تستدعي هذا التكديس من جهة، ومن جهة أخرى لم يحن وقت أي ذكرى أو أي حدث جلل ليصار إلى سوقنا إلى ذلك المكان، كذكرى نجاح الثورة الخمينية في إيران مثلاً، أو ارتقاء شهيد كبير للحزب، أو ما شاكل من قصص وروايات وأخبار وحكايات. إلا أن للحجة، إم علي حمّص، أسبابها، والتي بموجبها ما علينا نحن فتيات "مدرسة البتول" إلا الخضوع والانسياق.
كانت المدرسة تعجّ بوابل من التلبّك والاضطراب عبّرتْ عنه أصوات نعال المعلمات بخطواتهن السريعة والمضطربة بين الأروقة ولفتاتهن التي يشوبها الكثير من الهمس والإنصات إلى بعضهن البعض، فضلاً عن ملامحهن التي قد انتفختْ بكل علامات التعصيب والنرفزة ومحاولات السيطرة على الأمور.
أيّ منا نحن التلميذات لم ندر سر هذا الاستنفار الذي استجدّ فجأة في طول مدرسة البتول وعرضها، وكعادتنا في هكذا حالات، رحنا نسوق التخمينات حيال ما يجري هنا. كعادتي في هكذا أوضاع، تصنّعتُ اللامبالاة، إلا أن الانشداد لمعرفة ما استدعى كل هذا الاستنفار بين معلماتنا في "البتول"، جعلني محلّ إنصات حذر لكل الوشوشات التي تناقلتها زميلاتي في الصف، فضلاً عن الوشوشات الأخرى التي سادت بقية الصفوف والأروقة وملعب المدرسة والسلالم، وبشكل خاص الحمّامات التي غالباً ما تتحوّل إلى غرف اجتماعات سرية وخطيرة لدى هذه الزمرة من الفتيات أو تلك.
أخبرتني خديجة، وهي زميلة بغاية الحيلة والدهاء، وغالباً ما كانت تسبق الجميع في اقتناص ما يجري في المدرسة ومعرفة الأسرار، أن زميلة لنا تدعى نسرين، صير إلى جرّها إلى إحدى غرف الإدارة وهي تخضع الآن للتحقيق لأمر خطير، خطير جداً. همستْ خديجة عبارة "خطير، خطير جداً" وقد لاح فوق وجهها معلم الشطارة وذلك الدهاء الجهنمي ومعلم البراءة المصطنعة، لكن الرائعة، الرائعة جداً.
اعتراني الضيق حيال ما بثتني إياه خديجة. ذلك أن تلك الفتاة، نسرين، في منتهى الطيبة والخجل، ولم يسبق لها أن أتت بما يستلزم كل ذلك الاستنفار الأسود والذي تجسّد بعمق عبر هرولة بعض المعلمات والمشي الرصين لبعضهن الآخر، وصولاً إلى نظرات المعلمات شديدات البأس، واللواتي كن بنظراتهن المطرقة في الأرض أشبه بالأمنيين الذين لا يخرق خططهم الأمنية شارد.
أخبرتني خديجة أنها، شأن بعض الفتيات، ستعمل على تجنّب الذهاب إلى تلك القاعة عبر الفرار إلى الحمّام، وهي عادة متأصلة فينا هنا في مدرسة البتول، وسأشرح تفاصيل هذه العادة وكل أسبابها في التالي من فصول هذا الكتاب... هذه المذكرات... هذا العلاج. أقنعتُ خديجة بأن تعدل عن هذا الأمر، ولقيتني أجرجرها عبر كمّ مريولها للتوجّه إلى القاعة، بينما ضحكها يتراوح بين التواري والوضوح. طال بنا المقام مكدسات في القاعة وصارت الأصوات تداخل بعضها بعضاً والكل في انتظار أن تطلّ إم علي حمّص، لتخبرنا أسباب جرّنا إلى هنا، وفي بالي تلك الفتاة التي حفرتْ نظراتي عتمة القاعة من أجل أن أراها، لكنها ليست هنا. فإذن، إن خديجة الداهية على حقّ حول ما بثتني إياه، ومن شبه المؤكّد أن الأمر يتعلّق بمصيبة أتت بها تلك الفتاة "المشحّرة"، وهو لقب لطالما تلبسها من قبل زميلاتها في الصف وفي الملعب وفي أنحاء المدرسة.
ساد الصمت الأرجاء على وقع خطى إم علي حمّص، ذلك الصوت الذي طالعنا قبل لحظات من ظهورها. بعد إم علي حمّص، تجسدتْ أمامنا يدها اليمنى، أي مُساعدتها الأقرب بل ظلها المنتشر في أرجاء مدرسة البتول، لتحضر بعدها إحدى المرشدات التي ظلّل عبوسها مساحات القاعة، ومن بعدها معلمة التربية الدينية والتي تقتصر ساعات تعليمها لنا على شرح أبعاد ثورة الإمام القائد، والبُعد الحسيني الذي يداخل ملامح ومشاعر ووجدان آية الله في إيران. ثم ومن بعد كل هؤلاء، تقاطرت بقية المعلمات، إلى أن شكّلن صفاً متراصاً من اللون الأسود، وبقين للحظات محل صمت مدروس ومحل تحديق بنا نحن المنتشرات فوق أرضية القاعة حيث فقط أصوات الأنفاس المتقطعة.
"العمى، شو في؟!!"، قالت إحدى الزميلات، وتدعى زينب، وقد توارى هسيسها خلف خوف استجدّ فوق ملامحها بشدة. آخر المنبثقات من المعلمات أمامنا، كانت المشرفة على المنهج التعليمي في مدرسة البتول. انبثقتْ رويداً رويداً، بالتدريج، وكانت تجرجر خلفها تلك الفتاة المشحرة، نسرين. ما أن بانت المشحرة حتى أردفتني خديجة من المقعد الذي يقع خلف مقعدي تماماً بالقول: "شفتي... متل ما قلتلك". لم أردّ على خديجة بنأمة حرف بل رحت أتطاول برقبتي علّي ألحظ تفاصيل وجه تلك الفتاة وما ترزح تحته من نهنهات ما بعد البكاء، ما بعد شدة البكاء.... نعم، نحن في مدرسة البتول خبيرات في البكاء وفي كل ما يسبقه وما قد يأتي بعده... نحن خبيرات في الدموع والنهنهات.
إن الأنفاس المتقطعة، حتى تلك الأنفاس المتقطعة انسحبتْ إلى دواخل صدور كل الفتيات المكدسات في القاعة. ما الأمر يا ترى؟!! هو السؤال الذي رفرف بملء جناحيه فوق رؤوسنا في تلك القاعة الكبرى. عادت خديجة إلى دحش فمها في أذني، لكني أبعدتها عبر دفعها إلى الخلف، فأنا الآن وفي غمرة هذا الصمت الأخطبوطي الذي يلفّ الأرجاء محل حشرية لا نهاية لها، بغية الوقوف على ما فعلت المشحّرة. عدتُ إلى التطاول برقبتي ورأيتُ إليّ من غير قصدي أعمل على شد أصابع قدميّ بالأرض، وكأني على وشك الوثب من أجل الدنو من تلك الفتاة الملتوية في وقفتها بين انتصاب القامات، قامات معلماتنا المتشحات بأبد الأسود.
بنأمة حركة أو ما دون، من يَد إم علي، دنتْ تلك المعلمة التي تشد يد الفتاة المشحّرة من إم علي حمّص، وسلّمتها الفتاة. أوقفتْ الحجة إم علي الفتاة أمامها مباشرة، وقد زرعتْ كفيها فوق كتفي الفتاة وكأني بها تشدّها إلى الأرض أو ربما إلى ما تحت الأرض. كانت نسرين أمام إم علي حمّص، رهن رجفة تمتدّ من الركبتين صعوداً حتى اليدين فالكتفين، وصولاً إلى رأسها الذي كان محلّ ارتجاج ينمّ عن أنه على وشك أن يُقلع... أن يطير من مكانه بين الكتفين.
تشبثتْ إم علي حمّص بصمتها ذاك أثناء زرع كفيها فوق كتفي الفتاة، وكأني عبر صمتها هذا أرادت أن تروّضنا عطفاً على ما ستلقيه علينا من كلام. امتدّ صمتها وهي تقف خلف أسيرتها لزمن لعل المشحّرة حسبته دهراً، ثم وقبل أن تباشر الكلام عمدتْ إلى عادتها تلك التي غالباً ما توسلتها قبل الشروع في الكلام. عمدتْ إلى النحنحة، إلا أن نحنحتها هذه المرة كانت أقوى من المعتاد بكثير. كان وجه الفتاة الواقفة تحت كفّي إم علي، يلحّ عليّ بوابل من الأسئلة، ولا أظنّ أن هذا الأمر اقتصر عليّ. فعلى الرغم من العتمة التي تلفّ القاعة، كانت وجوه التلميذات تبرق – كما تخيلتُ أنا الأمر – بوابل سهام الحشرية والترقّب والأسئلة التي تدور محتارة في أذهان كل منا بصمت.
توقفتْ الحجة إم علي عن فعل النحنحة ذاك للحظات، ثم قبل أن تنطق بالكلام، أطلقتْ نحنحة بغاية القوة والحزم للتوجه من ثم إلينا بالقول أن هذه الفتاة ارتكبتْ ذنباً عظيماً، وعلى كل واحدة منا أن تتابع تفاصيل هذا الذنب العظيم كي لا تقع في مغبته في يوم من الأيام... والقصة باختصار: إن والد نسرين المشحّرة هو جندي في الجيش اللبناني. عمد في إحدى المناسبات التي تتعلق بهذا الجيش إلى جلب بعض الأعلام اللبنانية إلى بيته، تلك الأعلام حيث الأرزة الخضراء في الوسط بخلفيتها البيضاء والخطّين بالأحمر فوق الأرزة وتحتها. من باب البراءة، من باب السذاجة أو ربما من باب الهبل، عمدت ابنته المشحرة إلى جلب واحد من تلك الأعلام إلى مدرسة البتول، وقامت بفلشه فوق طاولتها في الصف، وإذا بها بسبب فعلتها تلك إزاء ذنب خطير، ذنب هائل لم تتوقعه المشحرة على الإطلاق. هو ذنب لا يُغتفر يتجاوز قدراتها على الفهم والتخيّل والتحليل.
رفعتْ إم علي حمّص، العلم الورقي من فوق الطاولة السوداء أمامها، ببقية أصابعها، وقالت لنا بحدة الصوت الذي داخلته خنّة تعبّر عن محض القرف: "هيدا مش عَلَمنا، وما خصنا فيه"، ثم التفتت إلى المشحرة وتوجهت إلها بصرامة اللهجة وكزكزتها: "مش هيك؟!!"، فهزّتْ هذه الأخيرة رأسها علامة الموافقة، لتردفنا بعدها الحجة إم علي حمّص بمحاضرة تجاوزتْ الساعتين أصرّت خلالها بين كل عبارة وأخرى على أن عَلَمنا هو علم الجمهورية الإسلامية في إيران، والذي راحت تشير إليه بأصبعها الممدودة وهو المشدود بإطار معدني سميك ومعلّق فوق مدخل القاعة، حيث كلنا نحن البتوليات مجبورات على المرور تحته لدى الدخول إلى القاعة الكبرى أو الخروج منها. كانت الحجة عبر حدّة صوتها ونبرتها الأقرب إلى زخّ الرصاص، تبادلنا تقطيبة جبين هائلة بينما نحن وعلى وقع تلك النبرة مدروسة التوجّه والإيقاع، نردد بملء الصوت وبقبضات مرفوعة إلى الأعلى، شعارات النصر والعزة والكرامة التي نستمدها فقط من هناك، من ذلك المكان الذي نجهله عن بكرة أبيه والذي يدعى الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث القائد هو قائدنا. أما لبنان – قالت الحجة وقد همدت حدة صوتها بعض الشيء – أما لبنان فلا شيء... لا شيء اسمه لبنان، قالت لنا وقد أتت بحركة من يدها أرادت من خلالها محو لبنان من الخريطة...
"ما في شي اسمو لبنان" راحت تكرر ثم معستْ كفيها ببعضهما البعض: "حطّو براسكن إنّو لبنان شقفة صغيرة من جمهورية الإمام القائد"، وكررت كلمة "شقفة" لدى كلامها عن لبنان مرات عديدة..."علم الجمهورية الإسلامية هوّي علمنا، والإمام القائد هوّي رئيسنا"، مسترسلة في شرح عدم جواز أن يكون رئيسنا مسيحياً، فهذا حرام، كما قالت، وقد رسمتْ فوق وجهها كل علامات الاستهجان... بينما أنا والأخريات.... كنت أشارك زميلاتي البتوليات رفع أصواتهن بل كنت في بعض المرات أرفع الصوت إلى مداه، إلى مدى، أبغي -أنا فاطمة بالذات- أن لا تصل إليه مسامع أذنيّ.
اختلستُ النظر إلى خديجة ثم إلى زينب التي كانت أثناء رفعها الصوت بالشعارات، تمسح الدمع المنزلق فوق خدها بكتفها، وأنا أيضاً كان دمعي ينسكب بلا رحمة ويشدني إلى أعماق الأرض... خُميني، خُميني، خُميني... هيهات منا الذلّة، هيهات منا الذلّة... كنا نردد رافعين القبضات بالتوازي مع رفع معلماتنا قبضاتهن ثم إنزالها ورفعها من جديد، بينما "هيهات منا الذلّة" تسكب داخل أفئدتنا الصغيرة ملامح وجه الإمام القائد، وقد جهدتْ مدرسة البتول، منذ سنوات وسنوات، لتخلط داخل أذهاننا الهشة وجه هذا الإمام مع سيرة آل البيت... مع وجع الإمام الحسين.




