رحل القيادي اليساري والمثقف الماركسي غسان الرفاعي، الذي ولد في أربيل عام 1929 لعائلة كردية، وانتقل إلى لبنان في أواخر الأربعينات لدراسة الهندسة المعمارية في الجامعة الأميركية في بيروت. انضم إلى الحزب الشيوعي اللبناني العام 1950، وكان من أبرز قياداته الفكرية والتنظيمية. تميّز الرفاعي بكتاباته النظرية العميقة، حيث اعتبر الماركسية حلقة عليا في تطور الفكر الفلسفي، وانتقد النزعات الدوغمائية والتجريبية داخل التيارات اليسارية. من أبرز مؤلفاته: "ماركس... عن الدولة"، "ماركس: دون دوغمائية ودون تفريط"، و"التحولات السياسية".
كما ساهم في مجلة "الطريق" اليسارية، واستمر في الكتابة والنقد الفكري حتى بعد خروجه الرسمي من الحزب العام 2006، وظل يُعتبر من الأصوات الماركسية النادرة التي جمعت بين العمق الماركسي الفلسفي والالتزام السياسي. من يتابع تغريدات يساريين كانوا على مقربة من غسان الرفاعي أو من تلاميذه، ينتبه أين كان الحزب الشيوعي واليسار اللبناني، أين أصبح بعد التشظي والجمود الفكري، ربما هي تحولات الزمن والمحاور.
هنا أبرز التعليقات التي وردت في الفايسبوك عن غسان الرفاعي، أخر غصون السنديانة الشيوعية العتيقة.
أديب نعمة
غسان الرفاعي.... الذي حط الرحيل الى جانب فرج الله الحلو
انتسبت إلى الحزب عام 1972 في وهج الانتخابات النيابية في طرابلس. كان كرّاس "اليسار الحقيقي واليسار المغامر" أول ما حفر عميقا في وعيي السياسي، وكنت في ذلك مثلي مثل كثيرين من جيلي. أذكر تماما أنه كان مصدر ثقة بالنفس وبالحزب الذي كنت قد انتسبت اليه حديثا بأنني وأننا في المكان الصحيح. لكن حين كان كل من كتب بضع كلمات يصدح عاليا بصوته وصورته ومنصبه، من هو هذا الرجل اللغز الذي اسمه "يساري لبناني"، لا نعرف له صورة ولا موقعاً حزبياً ولا حتى اسما حقيقيا مشابها لأسمائنا؟
كان هذا الشخص حاضراً دائما في يومياتناً ونقاشاتنا السياسية، وكان كرّاس "اليسار الحقيقي واليسار المغامر" ذي الغلاف الرمادي ينتقل من يد الى يد، ومن عقل إلى عقل دون كلل. وهكذا كانت نسختي الشخصية بغلافها الاجرد الباهت التي "ضاعت" من مكتبتي منذ سنوات، والأصح انها لم تضع بل أنى وأننا كنا نعتبرها "ملكا عاما" لا يجوز احتكاره، فكثر مستعيروه من الرفاق والأصدقاء، إلى أن اختفى من حيث هو ورق وتحول الى وعي. وعلى الأرجح أن نسختي لا تزال موجودة في مكان ما او في أمكنة كثيرة تداولتها.
كان من حسن حظي أني التقيت "يساري لبناني" بعد وقت قصير. اذ لم تمر سنة على انتسابي للحزب حتى طلب الي المشاركة في دورة تثقيف حزبية في مركز الحزب في الميناء الغربية حيث كان الرفيق المرحوم إدوار دبيس ينظمها ويدرها. وهناك التقيت هذا الشخص الغامض لأول مرة، وعرفت ان اسمه غسان الرفاعي، وهمس لي الرفاق: هذا هو يساري لبناني. استمعنا الى محاضرته (لا اذكر ما كان موضوعها)، لكني أذكر تماما انبهاري بهذه القدرة على إيصال الفكرة ببساطة وإقناع مهما كانت عميقة ومعقدة. كنت كمن اكتشف للتو كنزا من المعرفة والثقافة المقترنة بقدر غير مسبوق من التواضع والهدوء. لم تكد تنقضي أشهر قليلة حتى انتدبت مرة أخرى للمشاركة في دورة تثقيف حزبية في بيروت، في مركز مجلة الطريق، وكان غسان من يديرها، وقد قدم فيها أكثر محاضرة الى جانب رفاق اخرين (ما زلت اذكر منهم الياس شاكر وكامل وشاهين).
بين الميناء وبيروت، نشأت علاقة خفية قوية بين غسان وبيني، أقرب ما تكون الى علاقة المعلم بالتلميذ. مع الوقت دخلت عناصر ومكونات جديدة إلى هذه العلاقة، صرنا رفاقا أكثر، وصرنا شركاء في العمل في الحزب في طرابلس والشمال ثم في بيروت بعد انتقالي اليها، وبعد أن تمرست في العمل الحزبي بما في ذلك القيادي. الا أنه كان دائما بالنسبة الي معلما وأبا روحيا بمعنى ما، وأعرف أنه كان لي على الدوام موقع مميز في عقله وفي قلبه باعتباري تلميذا له، بمعنى أنه ساهم في صنع وعيي وإنضاج تجربتي. الا أنها علاقة خالية تماما من أي فوقية وأستذة، لا لعدم وجود تفاوت في الخبرة والمعرفة، بل لكونه شديد التواضع والتهذيب والاحترام للجميع. وعلى امتداد العقود التي عرفته فيها، لم اسمعه يوما يصرخ او يقول كلاما غير متمدن لأي شخص.
غسان بحر من المعرفة والتجربة. كان رجل كل المهمات الصعبة. الرفاق القدامى أكثر قدرة مني على التعريف بدوره في مرحلة العمل السري والمهام الحساسة التي كلف بها وأدّاها بصمت وفي الظل دائما، فأنا كنت اسمع بعض هذه الاخبار عنه من هنا وهناك، الى حين قرأت مذكراته الغنية بشغف في الأشهر الماضية، وتعرفت منه الى هذه التجربة. لكني اتوقف عند ثلاث محطات في نضاله الطويل عايشتها شخصيا.
المحطة الأولى في طرابلس بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 حيث انتدب من القيادة ليكون مقره في طرابلس. بعد أيام من تواجده في المركز (النادي العربي) حيث خصصت له الغرفة المقابلة لمكتب سكرتير المنظمة الراحل محمود الواوي والغرف الملاصقة التي كان يشغلها الرفيق رشيد يوسف. سرعان من تحولت هذه الغرفة الى خلية نحل يلتقي عدد من كوادر الشمال للنقاش السياسي والفكري، ولإصدار نشرة حزبية داخلية لها طابع تثقيفي وسياسي، ولتنظيم دورات التثقيف واجتماعات الكوادر. في هذه الغرفة كان بالإمكان ان تتعلم كل شيء - وقد فعلت - من التحليل النظري الماركسي، الى كيفية كتابة محاضرة تثقيفية عن المقاومة الوطنية، الى كتابة مقالة...الخ، وصولا الى تعلّم كيفية تصحيح النصوص ووضع الملاحظات عليها، وكيفية اخراج النشرة وطباعتها.
كان غسان صاحب خط جميل، وطريقة مميزة في وضع الملاحظات بالخط الأحمر او الأزرق على النصوص المطبوعة بحرف أسود: كيف تضيف الفاصلة، وكيف تضيف كلمة او جملة اعتراضية على الهامش، وكيف تشطب جملة أو كلمة...الخ. وما زلت اتبع أسلوبه هذا حتى اليوم اثناء كتابة أي نص او تصحيحه. اذكر ذلك لألفت النظر الى ان عملية الإنتاج الفكري عند غسان هي دورة كاملة، تبدأ بولادة الفكرة الى صياغتها بطريقة قابل للنقل الى الاخرين، الى كتابتها وتحرريها والتدقيق اللغوي. في طرابلس أمضى غسان أشهرا طويلة بعد الاجتياح امتدت الى حين ارتكاب حركة التوحيد الإسلامي مجزرة الميناء خريف عام 1983 ثم محاصرة مركز الحزب في طرابلس في تلك الليلة الطويلة. غادر غسان صباحا منزله في طرابلس إلى الكورة، وكذلك غادر معظم الرفاق في اليوم التالي والأيام التي تلت.
المحطة الثانية مع غسان كانت في بيروت اثناء التحضير للمؤتمر السادس. كان البيريسترويكا قد بدأت، وكذلك انهيار الاتحاد السوفياتي بعد وقت قليل. وكان الحزب في حينه في حالة غليان وهو يحضر لمؤتمره السادس وسط نقاش او سجال او صراع فكري لا يخلو من الحدة بين مختلف التيارات. تموضع غسان مع المجددين في مواجهة المحافظين في الحزب. وعمل لكي يحمل المؤتمر السادس تجديدا للفكر والممارسة السياسية على حد سواء. وتحول الى قطب اجتمع حوله عدد من الرفاق في ورشة النقاش التي سادت الحزب. كنت من ضمن هذه النواة الى جانب رفاق اخرين منهم شفيق وسناء وسمير سعد، واخرين. وما كان يميز غسان وهذه المجموعة هو التوازن بين المكون النظري في التحليل وبين الثقافة (الماركسية المتجددة) وبين التجديد في الموقف السياسي. فلم يهمل أيا من البعدين النظري او السياسي، في حين ان الاتجاهات الأخرى داخل الحزب كانت تركز أحيانا على السياسي (في الاتجاهين التجديدي او المحافظ) مهملة النظرية، او العكس تركز على النظري (لاسيما التيار المحافظ) على حساب السياسة.
لا شك أن غسان لعب دوراً حاسماً في تغليب المقاربة التي حفظت التوازن بين النظري والسياسي الممارس، وشاركناه كمجموعة هذا الجهد. وخلال النقاشات الطويلة والحيوية التي دارت في اللجنة المركزية اثناء التحضير للمؤتمر، تقدم هذا الاتجاه المتوازن، وتم الاعتماد على غسان والمجموعة المشار اليها، لكي تتولى قيادة عملية اعداد الوثائق التحضيرية للمؤتمر السادس. وقد حصل ذلك. اضيف ان غسان كان أكثر أعضاء القيادة التاريخية للمؤتمر الثاني انخراطا في العمل الحزبي المباشر بين الكوادر وفي المنظمات الى جانب جورج حاوي. ودوره ودور ما كان يسمى "مجموعة المثقفين" لم يقتصر على اعداد الأوراق النظرية الأولى للمؤتمر (نشرت في عدد الطريق في حينه)، ثم لاحقا الوثيقة التحضيرية السياسية لبرنامج الحزب، بل ان غسان الرفاعي – وقد رافقته في كل الاجتماعات – هو الذي تولى شخصيا عرض الوثيقة التحضرية للمؤتمر السادس ومناقشتها مع الكوادر في كل لبنان، حيث تم عقد حوالي 60 اجتماع كادر في كل لبنان. ثم قمنا – غسان وانا بإعداد التقرير التحليلي عن مناقشات هذه الاجتماعات التي نشرتها جريدة النداء في ملحق خاص. واعتقد – باستثناء ما حصل في المؤتمر الثاني الذي لم أعاصره – فإن هذا التحضير الحقيقي للمؤتمر السادس كان الأفضل مقارنة بالمؤتمرات الأخرى من حيث الآلية والمضمون والمشاركة والنقاش الحقيقي للوثيقة التحضيرية. ويجب القول ان الفضل الأول في ذلك يعود الى غسان الرفاعي.
أعتقد أنه من الضروري أن أذكر أن نتائج المؤتمر السادس حملت تراجعين أساسيين مقارنة بمسار التحضير. التراجع الأول، ان مضمون الوثيقة البرنامجية التي تبناها المؤتمر خففت من البعد النظري مقارنة بالوثيقة التحضيرية وذلك بفعل تغليب التوازنات التنظيمية بين التيارات داخل الحزب اذ جرى ترجيح إضافي للموقف السياسي (وهو تجديدي بشكل عام) ولكن مع حرمانه من أساس نظري متين لصالح البراغماتية. اما التراجع الثاني وهو مرتبط بالأول اذ ان التوازنات التنظيمية انتجت تركيبة للقيادة، لاسيما في المكتب السياسي، لا تتناسب مع الأدوار التي لعبها مختلف الرفاق من الاتجاهات المختلفة في مسار التحضير ولا مع المضمون الغالب اثناءه. نتج عن ذلك تعزيز لوزن التيار المحافظ، والتيار التجديدي البراغماتي، على حساب التوجه الأكثر توازنًا الذي ساد اثناء عملية التحضير. وهذا بمعنى ما شيء من محاصرة التوجه الذي يعبر عنه غسان داخل القيادة الأعلى في الحزب.
المحطة الثالثة التي أتوقف عندها هي المرحلة التي انفجرت فيها ازمة الحزب لاسيما عام 2005 وخلال السنوات القليلة التي سبقتها، بعد المؤتمر السابع الاستثنائي للحزب، وإثر استقالة جورج حاوي. عام 2003 استقلت مع الرفيق شفيق شعيب من المكتب السياسي الذي انتخبنا أعضاء فيه في المؤتمر السابع. وتبعنا رفاق اخرون. بعد بعض الوقت. ثم تعمقت أزمة الحزب التنظيمية في المؤتمرات التي تلت، واتخذت قيادة الحزب قرارات تنظيمية متتالية تصل الى حد الطرد من الحزب. وقد كان غسان الرفاعي من ضمن من شملتهم هذه القرارات، لا بل أنه عومل بطريقة غير متمدنة على الاطلاق.
لقد ابتعد بعض القادة التاريخيين عن العمل الحزبي التنظيم المباشر (الرفاق جورج البطل، وكريم مروة)، في حين كان الرفيق نديم عبد الصمد الأب الروحي لحركة اليسار الديمقراطي قبل ان ينكفئ أيضا. في المقابل كان جورج حاوي لا يزال ناشطاً بحكم حضوره السياسي العام وأسلوبه المعروف مع تأثيره الكبير والتفاف عدد كبير من الكوادر القيادية حوله. غسان الرفاعي كان الأكثر التصاقا بالتنظيم، والأكثر مثابرة على محاولات الإصلاح داخل الحزب. وفي حين يئس الكثيرون منا لم ييأس هو، وبقي يحاول التأثير في مسيرة الحزب. وفي حين انكفأنا نحن النواة الصغيرة الذي كنا معه يوميا في المؤتمرين السادس والسابع، فإن غسان تابع مع كوادر أخرى حملت فكرا تجديديا في السياسة بالدرجة الأولى ضمن "حركة الإنقاذ". حصلت قطيعة قاسية مع قيادة الحزب التي مارست اضطهادا حقيقيا للرفيق غسان (ولا مبالغة في هذا الوصف)، هذه الرفيق الآتي الينا من العراق والذي عاش أجمل سنوات حياته في العمل السري، لا ظهور علنيا ولا مفاخرة ولا تعظيم ولا مدائح. لذلك فإن ظلم ذوي القربى مضاعف هنا.
مع ذلك، لم يفقد غسان يوما هدوءه ورصانته وتهذبيه. وحين قرر أن يكتب مذكراته بعد الحاح الرفاق والمحبين، بقي ملتزما بتواضعه وتهذيبه، فلا تجد كلمة جارحة في ما كتبه. لا بد أنك حين تقرأ تشعر انه كان ربما يبالغ في الاعتراف بفضل جميع من عمل معه او تقاطع، بما في ذلك من اختلف معهم في الرأي؛ لا بل انه حتى بالغ في التواضع في تقييم دوره. أبعد من ذلك، فإن مجمل كتابه لم يكن مذكرات شخصية، بل كان كتابا توثيقيا لتحولات العقود الماضية لحياة قادته من العراق الى لبنان، ليحط الرحال الى جانب فرج الله الحلو في حصرايل.
هنيئا لك يا غسان هذا المقام؛ وهنيئا لكم أيها الأعزاء جاكلين ونصير وبشير وكريم وخزامى العزيزة جدا، هذا الانتساب الى هذا المعلم والأب. له ولكم كل الحب والتقدير. انه اليساري اللبناني الحقيقي في هذا الزمن.
رفيقك وتلميذك.
بول طبر
اتصلت بالرفيق غسان الرفاعي منذ ما يقارب الستة أشهر حول مساهمته في مشروع لكتاب جماعي عن رحلة المثقفين/المناضلين في لبنان مع النظرية الماركسية، وكان متجاوباً بتحمس للمساهمة في هذا المشروع. وقد سبق والتقيت به منذ عدة سنوات بصحبة الرفيق وديع حمدان وكان اللقاء سريعاً، ورغم ذلك ترك لدي انطباعاً بانه شخص متواضع ومنخرط بجدية في العمل النظري/السياسي لتجديد دور الشيوعيين في العمل السياسي في لبنان. وفي مناسبة اخرى التقيته في ندوة حول كتابه "ماركس – دون دغمائية – دون تفريط"، وشارك في الجلسة الرفيق فواز طرابلسي مناقشاً للكتاب. لم اعد اذكر تفاصيل ما دار من نقاشات في تلك الجلسة التي جرت في مركز المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في بيروت، وانما المؤكد في تلك الجلسة كان التواضع البارز الذي تحلى به حضور الرفيق غسان.
كنت منتظراً بشغف ان تصلني مساهمة الرفيق غسان في الكتاب المذكور لما لديه من خبرة تنظيمية ومسار غني من التفاعل المبدع مع النظرية الماركسية.
لذكراك الطيبة ومسيرتك الشريفة، تحية متواصلة من الاحترام والتقدير.
مارسيل خليفة
غسان الرفاعي لروحك السلام
كان صوت الريح يدخل في ثقوب قصب الغزّار على الطريق الساحلي وسرعان ما يتحوّل إلى بحّة ناي حزين. وتضيق المسافة، واصل إلى تلك الساحة المترعة بالرياح وهناك التقي بالرفيق غسان واضع نفسي في السؤال عن الفكرة المؤمنة بالحريّة وبالعدالة والكرامة. وأكثر ما كان يعنيني في اللقاء هو إنسانيّة هذا الرجل وقدرته على اعادة دهشة السؤال ووحشة النفس العطشى للجواب. فأنسَ مشقّة الطريق وظمأ المسافة المثقوبة بنعل الحذاء بين ضيعة عمشيت وضيعة حصرايل. فأصفو إلى كتابه الصادح بالدفاع عن قضايا الإنسان .
على ذكراك، عطر المساء الربيعي، وباقة من زهر الليلك على تراب الورد .
حسين قاسم·
وداعاً غسان الرفاعي
صادَفَ أن وعينا اليساري بدأ في المرحلة الأهم من الصراع في الشرق الأوسط والعالم، لا سيما بعد هزيمة الأنظمة في حزيران 1967، وبروز القضية الفلسطينية، وثورة الطلاب في باريس عام 1968، والغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا الذي عُرِف بـ"ربيع براغ"، وتوهُّج الثورة الفيتنامية، وانفتاح النقاش الفكري على مصراعيه ليتناول الأساسيات والثانويات كلها. في هذا المنعطف لمع اسم غسان الرفاعي، بل لمع دوره أكثر من اسمه؛ فكان الموسوعة، وكان المُبدع في الفكر والنهج، وكان المرجع بين المتناقضات. وكان كتابه اليسار الحقيقي واليسار المغامر الذي أسَّس ليسارٍ جديد لعب دوراً بارزاً في أعقد المراحل التي مرَّت بها الحركات اليسارية. ومع ذلك، كان “ابن العم” كما كنا نناديه تحبُّباً: متوقِّد الفكر، حاضر الذهن، سريع البديهة، المنتِج في الفكر والسياسة.
كم تمنَّيتُ في بداياتي أن أحضر محاضراته في قب الياس. وكي لا يفوتنا سماعه، أرسل المسؤول أبو علي، الرفاق أمينَ وعفيف كي يحضراه، فصرنا ننتظرهما كي ننهل مما تزوَّدا منه، إلى أن ترافقنا عقوداً في اللجنة المركزية والمكتب السياسي. كانت غرفته في المقر الرئيسي مكتبةً أكثر مما هي مكتباً.
وداعاً ابنَ العم، وداعاً أبا نصير.
لروحك السلام، ولك المجد في كل حين.
يوسف مرتضى
وداعاً "إبن العم"
وداعاً الرفيق الحبيب غسان
وفاة الرفيق غسان الرفاعي تمثّل خسارة فكرية فلسفية لليسار العربي بشكل عام ولليسار اللبناني بشكل خاص. وخسارةً لي ولرفاقي في حركة إنقاذ الحزب الشيوعي اللبناني، حيث كنا قد اجتمعنا مئات من كوادر في الحزب من مختلف المناطق بعد استشهاد الرفيق جورج حاوي في العام 2005، وسعينا جاهدين لإجراء إصلاح فكري وسياسي يساهم في إعادة لم شمل الشيوعيين ويوحّد قوى اليسار والديمقراطية حول برنامج للتغيير الديمقراطي في البلاد بعد سقوط نظام الوصاية السورية في لبنان، وانقسام البلاد إلى محوري 8 و 14 آذار.
استمرت محاولاتنا تلك بدون كلل بقيادة الرفيق غسان حتى نهاية أيلول عام 2019. وتوقفت محاولتنا بعد رسالة كتبها الرفيق غسان موجهة إلى الأمين العام حنا غريب وقيادة الحزب بناء لطلب هذا الأخير. لكن للأسف تلقينا جواباً قاطعاً من الأمين العام عبر الرفيق غسان بأن الوضع في القيادة غير ناضج للبحث فيما تضمنته الرسالة من أسس فكرية وسياسية تسهم في جمع شمل الشيوعيين.
تعمّقت علاقتي الشخصية بالرفيق غسان في آواخر ثمانينات القرن الماضي بعدما اتخذ المكتب السياسي إجراءات تنظيمية أدت لأسباب أمنية إلى توزّع قيادة الحزب بين سوريا وموسكو وباريس. كنت أنا قد عدت من مهمتي في موسكو إلى بيروت، توليت حينها مسؤولية العلاقات السياسية في لبنان وكان الرفيق غسان يتولى مسؤولية القطاع الجماهيري والقطاع النقابي، فكان تعاوننا في إدارة القضايا الحزبية في تلك الظروف الصعبة، محط تقدير جميع الرفاق الذين شاركونا في القيادة الميدانية في تلك المرحلة.
ثم وعلى أبواب التحضير للمؤتمر السادس للحزب عام 1992 شاركت مع الرفيق سناء أبو شقرا في وفدٍ برئاسة الرفيق غسان في شتاء العام 1991 إلى موسكو لمناقشة موضوعات المؤتمر السادس مع قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي، حيث التقينا بشيخنزاروف مسؤول قسم العقيدة والتثقيف في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي.
ما يزيد على ثلاثة عقود كنت على تماس مع الرفيق غسان في لقاءات فكرية وسياسية. شاركنا في عددٍ من سنواتها الرفاق جورج حاوي وجورج بطل ومصطفى أحمد.
وحتى الرمق الأخير بقي الرفيق غسان الذي توفي عن عمر ناهز ال97 عاماً، حاضر الذهن، مع ذاكرة متوقدة. أنجز في السنتين الأخيرتين مذكراته في 1200 صفحة موزعة إلى ثلاثة أجزاء.
بعد هذه الشراكة الرفاقية الطويلة المليئة بالإنتاج الفكري والسياسي، والعطاء النضالي بأجواء من العلاقات الرفاقية والعائلية الدافئة، لا بد من التسليم بالقدر، والقول للرفيق غسان الحبيب، وداعاً أيها المفكر الماركسي وداعاً أيها القائد شيوعي، وداعاً أيها المناضل الصلب، المبدع في الفكر والسياسة بدون صخب أو ضجيج. فمنذ اليوم الأول لانتسابك إلى الحزب الشيوعي اللبناني في العام 1950 مذ كنت طالباً في الجامعة الأميركية في بيروت، تحمّلت عبء المسؤولية في التنظيم السري للحزب وهو ما عرفناه عنك في تاريخنا الحزبي الذي سبقتنا إليه بعقود. نودعك يا رفيق غسان، ويبقى في ذاكرتنا أنك كنت أحد القادة الأساسيين في التحولات التي شهدها الحزب الشيوعي اللبناني في مؤتمره الثاني عام 1968، ومن المساهمين الأساسيين في بلورة خطه المستقل بعد انفصاله عن الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان. وأنك كنت متميزاً في تواضعك في جميع المسؤوليات الحزبية التي توليتها خلال خمسة عقود وست سنوات من عمرك في قيادة الحزب حتى العام 2006.
وأن آلاف الشيوعيين اللبنانيين على امتداد الوطن، تلقوا بحب وشغف حلقاتك التثقيفية في الفكر والسياسة، أساتذة جامعات ومثقفين وعمال وفلاحين. وأنك كنت من أوائل المبادرين إلى تنظيم العمل الجماهيري في الحزب في القطاعات المختلفة النسائية والشبابية والعمالية، وكتبت الكثير من المحاضرات التثقيفية في هذه المجالات.
وأنك تميّزت بكتاباتك الفلسفية العميقة. فكان اعتقادك راسخ بأن الماركسية هي الحلقة العليا في تطور الفكر الفلسفي، وانتقدت النزعات الدوغمائية والتجريبية داخل التيارات اليسارية في لبنان والوطن العربي. فكانت باكورة مؤلفاتك في هذا المجال: "اليسار الحقيقي واليسار المغامر"، ثم كتابك "ماركس... عن الدولة" و"ماركس: دون دوغمائية ودون تفريط"، وختمتها بكتاب مذكراتك من ثلاثة أجزاء تحت عنوان "التحولات السياسية، سبعون عاماً من أجل التغيير".
الرفيق غسان نودعك جسداً، ويبقى ذكرك راسخٌ في القلب والوجدان، وإرثك الفكري والسياسي سيبقى حياً لأجيال وأجيال.
أمين وهبي
مع بداية سبعينيات القرن العشرين، كانت قرانا وضيعنا تعج بأجيال طموحة، تريد تحصيل العلم والترقي الوظيفي والاجتماعي. وكانت هذه الاجيال تطمح لان تساهم في دفع بلدها على طريق التقدم والازدهار. مما جعلها تفتش عن أقصر طريقٍ لبلوغ هذا الهدف. كان غسان الرفاعي من أهم وانشط المبشرين بالفكر اليساري والعلماني. وكان يحاضر امام عشرات حلقات التثقيف، على مساحة الوطن، من أجل أن يسلح هذا الشباب الطامح بفكر حر، ويحصنه من الوقوع في شركِ المذهبية والطائفية .
على يديه تتلمذنا انا وغيري من الرفاق. فكان بالنسبة لنا القدوة والمثال والمتمكّن من فكفكة الظواهر الاجتماعية وتحليلها وتحديد الموقف منها. فكان رفيقنا ودليلنا ومبشرنا وشريكنا في النضال والحلم بغد افضل، رغم فارق السن والخبرة.
وعندما بدأ الحزب الشيوعي اللبناني محاولته المعبّرة، بالبحث في أزمة حركة التحرر الوطني العربية وازمة البديل، كمسار بحثي امتازت به الساحة اللبنانية. ثم أتت البريسترويكا وفعلت فعلها، عالمياً، في إسقاط الكثير من "البديهيات" والتابويات والمحرّمات. بعد هذا المسار، بدأ يتجلى لكل المخلصين، لقضية التقدم والديمقراطية الحقة، مدى التكلّس والتحجّر والجمود العقائدي الذي يعاني منه اليسار عامة، والاحزاب الشيوعية على وجه الخصوص.
في هذه الحقبة ايضاً، كان مكان الرفيق غسان ونشاطه في الموقع الصح. موقع البحث العلمي الجريء، الغير مقيدٍ إلا بمصلحة شعبه وتقدمه. فكانت كل اعماله ومؤلفاته، في هذه الفترة، كما في السابق، تجهد من أجل فكفكة الطلاسم واكتشاف الجديد، بغض النظر عن مدى الاختلاف او الاتفاق معه حول اية فكرة او مقولة. اثبت الرفيق غسان أنه استطاع أن يحافظ على موقعه المتقدّم طوال عمره المديد. فكما كان أيام الشباب دليل الشباب ومبشّرهم ومساعدهم في فهم مجتمعهم وتحليل ظواهره السياسية والاجتماعية، كان أيام خريف العمر، حليف الشباب والمتنورين، في مجتمعه، في التصدي لظواهر التخلّف والتكلّس والجمود العقائدي.
في الختام... لروحك السلام رفيق غسان. سيبقى ارثك الفكري والسياسي زاداً للآتي من الأيام .




