بعلبك في مواجهة تاريخ أسوَد

محمد شرفالخميس 2026/05/21
بعلبك قلعة
قلعة بعلبك
حجم الخط
مشاركة عبر

حين تمر بالقرب من هياكل بعلبك، وهي المسمّاة، في اللغة الشعبية، غبناً وخطأً شائعاً: "القلعة"، سيكون في إمكانك الشعور بـ"عبق" التاريخ. هذا الشعور الذي قد يتملكك، وأنت تقف في مواجهة أهرام الجيزة في مصر، أو "كولوسيوم" روما. إذا ما أخذنا في الإعتبار التسلسل التاريخ لتلك الإنشاءات المبهرة، ليس هو نفسه في الحالات كلّها، المحليّة منها أو لعالمية، نظراً لطبيعة الموقع وطبيعة الفرد نفسه، الواقف أمام إنجازات الماضي المعمارية.


من بين تلك الإنجازات، إضافة إلى سواها مما لن يتم ذكر لضيق المجال، تبقى أهرام الجيزة، وخصوصاً الأكبر منها، عرضة لمختلف التأويلات والإحتمالات حول كيفية بنائها. أكثر ما يثير الدهشة هو قدرة المعماريين، في ذلك الزمن السحيق، ومن بين مسائل أخرى إنشائية، على تشييد الهرم صعوداً، إنطلاقاً من قاعدة مربعة ذات زوايا أربع، وصولاً إلى نقطة القمة الواحدة الحادة، من دون خطأ في المسار التصاعدي وزاوية الإنحراف. مسألة هندسية معقّدة ما زالت تشغل المعماريين حتى في وقتنا الحاضر.

egyptiangeographic.com_1522508958_2.jpg

في المقلب الآخر، وفي بعلبك بالذات، تقف الخليقة مسكونة بالدهشة، ويرفع الزوّار رؤوسهم وتلتوي أعناقهم كي تبلغ أنظارهم النقطة الأعلى من معبد جوبيتير، المعبد الرئيس من ضمن هياكل بعلبك. يلّتف السياح حول الهياكل من الجهة الخارجية، بناء على إرشادات الدليل السياحي، لمشاهدة حجارة ثلاثة عملاقة تشكّل جزءاً من الجدار الجنوبي للهياكل. هذا، علماً، فيما يخص مسألة الأرتفاع، أن ما نراه اليوم هو الحد الأعلى لكورنيش معبد جوبيتير، في حين كان الإرتفاع الأعلى يعود إلى سقفه، حين كان قائماً. 

 

انهار السقف، للأسف، بعد قرون قليلة على إنتهاء العمل في البناء، بفعل الهزّات والزلازل. لم يصمد طويلاً بخشبه المتين المقتطع من أشجار الأرز. لا تمكن رؤية السقف الهرمي سوى في الرسوم التخطيطية التي وضعها الباحثون الألمان في بداية القرن الماضي. السقوف هي أول ما ينهار من البناء لكونها الأكثر هشاشة، ويطيح سقوطها عادة بما، أو بمن يوجد تحتها.  تدهسه كما تدهس إطار السيارة ضفدعة بلهاء أرادت اجتياز الطريق في ليل صيفي.. نتساءل عن إمكان وقوع ضحايا لدى انهيار السقف بفعل الزلزال التدميري، على ما كنا شاهدناه مراراً في الأيام الأخيرة في بلدنا، بفعل قنابل حرب همجية يشنّها جيش منفلت من عقاله. إنهيار يحدث لا بفعل الطبيعة الجبّارة، صعبة المزاج، كالتي خرّبت هياكل بعلبك، ودمّرت تمثال زيوس في أولمبيا باليونان، وأطاح غضبها منارة الإسكندرية، في العام 1323.

GettyImages-1409717871.jpg

مخلوقات جاءتنا من إحدى زوايا الكون

تشترك أهرام الجيزة وهياكل يعلبك في اللغز المحيط بكيفية إقامة الصرح المهيب، وحول الأساليب التي اتبعت في تلك العملية. وبما أن "العقل لا يجد حلاً لألغاز الكون"، على ما تفيد حنة أرندت في مقدمة كتابها "حياة العقل"، فإن الإنسان ينصرف إلى الغيبيات، أملاً بإيجاد أجوبة على تساؤلاته. فقد سرى الإعتقاد، لدى البعض، أن مخلوقات جبّارة جاءت من إحدى زوايا الكون وقامت بالوظيفة. أسطورة تدعو للإعجاب، تثير المخيّلة، وتسطّر إجابة مثيرة على سؤال شائك. الأمر ليس مستغرباً، فقد ابتكرت الشعوب قصصاً وحكايات ترعب الأطفال، حين عجزت عن تفسير ظواهر الكون والطبيعة. انتشرت الأساطير عند كل سؤال عن ظاهرة اعتبرت غريبة وغير مفهمومة في ذلك الزمن البعيد. نُصّبت آلهة متعددة الوظائف على عروش وهمية، وما زال الكثير من الخليقة يصدّق أسطورة الخلق كواحدة من تلك الأساطير.  

GettyImages-166129344.jpg

بلادنا بلاد الغبار
تقع هياكل بعلبك في الجهة الغربية من بعلبك، وعلى بعد أمتار منها تنتشر بيوت المدينة. عبق التاريخ (على ما في العبارة من رومانسية بائدة) الذي سبق ذكره لا يصل سوى إلى أنوف قلة قليلة من ساكني تلك البيوت، وينتفي مفعوله تماماً كلّما توجّهنا شرقاً. ثمة شارع مستحدث رُصف بحجارة رمادية وسوداء، يفصل بين الحضن الأساس للمعابد ومعبد فينوس الصغير والجميل. مُنعت الحافلات من سلوكه في بداية الأمر، ثم استسلمت بلدية المدينة إثر احتقان السير في سوق المدينة، وضيق المسارب الصالحة للخروج منه. اختفى اللون الرمادي من الحجارة المرصوفة، وتكرّس اللون الأسود عليها بفعل الإطارات المهترئة، والزيوت التي ترشح من محرّكات متهالكة. 

 

كان طلاّبي في قسم الآثار بالجامعة اللبنانية قد شاركوا في تنظيف المعبد الصغير، وترميم سطحي لأجزاء بسيطة منه، تحت إدارة منظمة إيطالية. أزالوا ما ترسّخ من آثار الزمن العالقة على أعمدته وجدرانه. بالغوا في عملية التنظيف بحيث أصبح المعبد "جديداً"، وتعرّض المشروع للإنتقادات من أطراف عارفة، وأخرى تدّعي المعرفة. ربما لم يدرك المنتقدون أن الأوساخ ستعود بسرعة لتتسلّق جدرانه وأعمدته، وتلتصق بها. بلادنا بلاد الغبار والنفايات والدخان الصادر عن سيارات رديئة العوادم، وهذه "الأدوات"، شديدة الوفرة في المحيط، لن تألو جهداً من أجل العودة إلى الأمكنة التي أزيلت منها.  

BAALBEK.png

لا تعني "القلعة" شيئاً للكثيرين، وخصوصاً في معناها التاريخي، ومكانتها في الهندسة الكلاسيكية الأوروبية القديمة، التي انطلقت من اليونان، وطوّرها الرومان إلى حدودها القصوى من حيث الحجم والفخامة. هذه القلعة تشكّل مدعاة فخر للبعلبكيين من دون شك، لكن شعور الفخر هذا لا ينسحب على الوافدين، إلاّ بعض من له علاقة بعلم الآثار منهم، وهؤلاء قلّة. يجتمع الباقون، من هواة هدر الوقت، في أماكن مختلفة من المدينة تصلح لهذه الغاية، ومعظمهم، إن لم يكن كلّهم، يطلقون لحاهم، ويرتدون ملابس سوداء. شقيقي الذي يعيش ويعمل في باريس في مجال التصميم الغرافيكي، ويدير شركة خاصة يقصدها زبائن من علية القوم في عالم العطورات، منحاز بشدّة للون الأسود، لونه المفضّل، وربّما الوحيد في خزانة ملابسه. طبيعة عمله، وعلاقته الإحترافية بهذا اللون، ذات مفهوم خاص، بعيد من مجرّد التعلّق بالشكل. 


لكنني لا أدري إن كان روّاد الإسبرسو وأماكن التسلية في بلادنا هم على علم بأفكار لاجرفيلد وديور وإيف سان لوران وجيفنشي، وهؤلاء جميعاً من أرباب اللون الأسود، بعدما كانت كوكو شانيل سبقتهم إلى ذلك، العام 1926. قال فرنسيس بيكون: "في الظلام (الأسود)، تتناغم جميع الألوان!". لقد أصبح اللون أيقونياً في الزمن الراهن، وذا معنى مختلف، إلاّ في خيال الشباب أصحاب اللحى. إذ أن لهؤلاء دوافع أخرى، ليست بعيدة من سياسة معينة، بل في صلبها، واعتبارات تلتصق بغبن عمره قرون، من وجهة نظرهم. إنه الحزن الذي لن ينتهي إلاّ بمعجزة ستحدث في يوم من الأيام، وستغيّر وجه العالم إلى غير رجعة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث