"ندم إبليس"لرشيد الضعيف: الفانتاستيك والشاعرية والقضية

جان هاشمالأربعاء 2026/05/20
رشيبد.jpg
في هذه العائلة التي عرفت طعم السعادة أو وهمها، ولد رماعيل بعد تأخر وترقب ووسط خوف
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يتوقّف الروائي رشيد الضعيف عن الخوض في كلّ جديد والذهاب فيه بعيداً، سواء على صعيد المواضيع التي يختارها أم على صعيد أسلوب اللغة الذي يعمل دوماً على تطويعه وفق ما يطمح إليه.

ندم إبليس[1] هي روايته الثالثة في عالم الفانتاستيك، أو أدب الخرافة، بعد الأميرة والخاتم والوجه الآخر للظلّ.

 

وكما يوحي به العنوان يندم إبليس ندماً شديداً لأنّ آدم بسببه طُرِد من الجنّة ظلماً، وللتكفير عن غلطته يأخذ على نفسه عهداً بأن يوكِل بكلٍّ من أبناء البشر، بكلّ أنسيّ، جنّياً صالحاً يرعاه في حياته كلها، على أن يستمرّ ذلك طالما الزمان جارٍ في سيرورته. لكن بعض الجنّ نكث بالعهد ونسيه على مرّ الزمان، ووقعت الخلافات فيما بينهم، وانقسموا فرقاً وشيعاً، ما بين "صالحٍ" غيور على البشر ومحبّ لهم و"شرّير" كاره للبشر منغِّصاً حياتهم ومحوّلاً إيّاها جحيماً، وبين الفريقين يقع صراع عظيم، ينعكس على حياة البشر. ولم يكن "رماعيل"، الشخصية الأولى في "الحكاية"، والعائلة التي وُلِد فيها، في منأى عن تداعيات هذا الصراع.

 

معركة الأسماء

في هذه العائلة التي عرفت طعم السعادة أو وهمها، ولد رماعيل بعد تأخّر وترقّب ووسط خوف وخشية لم تعرف الوالدة سبباً صريحاً لهما، رغم أنها استشارت الحكماء والعارفين. وقد ولِد حاملاً اسمه على جبينه، وكان على أمه أن تسمّيه به، بعكس أخته، التي وُلدت بطريقة غرائبية عجائبية، فلم تحمل اسماً، وكان على الأب أن يسميها فأعطاها اسم "سليمى". لم يُرضِ هذا الاسم رماعيل وأراد تسميتها "ليلى" على أساس أنه هو مَنْ زرعها سرّاً، برميه "سنّاً" من أسنانه في رحم الأمّ، فيكون هو الأب، وهو الأحق باختيار اسمها.

 

لم يُسلِّم رماعيل بالهزيمة أمام والديه، وأصر على "ليلى"، ولما اشتد الخلاف مع اشتداد عوده، غادر البيت مُغضباً حانقاً، إزاء فرحة "الرئيّ" أو الجني الموكل به، والذي خان العهد كما يبدو.

ندم ابليس

الجنّي الرئيّ يندسّ

يفرح الرئي لأن الساحة قد خلت له برحيل رماعيل لكي يتلبّس شكله ويدخل بيت الأسرة على أنه "رماعيل"، فيندسّ بينهم، كما في فراش "أخته" سليمى ويوسوس لها في أذنها اليسرى، فيهيّؤها لما أرادها أن تكون عليه في المستقبل، ساعياً بذلك إلى تحقيق إنجاز يفاخر به قومه الجنّ ويرضي مليكتهم.

وإذ يقرّر رماعيل في ساعة صفاء أن يعود إلى بيت أهله، يروح الرئي البديل يبذل كل ما في وسعه ليمنعه من ذلك، وبذلك تقع بينهما صراعات ومعارك طاحنة تتخللها الخوارق وتدخل القوى الطبيعية وغير االطبيعية التي يتحكّم بها عالم الجنّ ويوظّفها لتحقيق أهدافه والوصول إلى غاياته.

 

الفانتاستيك بين الإبهار والشاعرية

في هذه الفسحة من "المكان الروائي" المختلَق، وعبر مخيّلة ناشطة رَحبة، يأخذ الضعيف قارئه إلى عالمه المتخيّل ويجول به على أماكن الدهشة والإثارة، حيث، على ما هو معهود عند الكلام عن قدرات الجنّ، تسود الأعمال الخارقة التي تتغلّب على قوانين الطبيعة، وتتحكّم في سيرورة البشر والكائنات وصيرورتهم، خارج إطار الزمان والمكان، أو في مكانٍ وزمان خاصّين  متلازمين (الكرونوتوب  Chronotope)، من صنع الكاتب، لهما قوانين مستقلة، طبيعية حيناً وفائقة الطبيعة حيناً آخر، مع ما يلازم ذلك من عجائب وغرائب من شأنها أن تدهش العقل البشري وتثير فيه الحيرة، وتولّد المتعة والتشويق والإبهار التي هي الهدف أو الخاصّية الأولى التلقائية لأدب الفانتاستيك في الأساس.

 

في موازاة هذا الجانب المباشر من أهداف الرواية الخرافية نتبيّن عند الضعيف البعد الشاعري في بنائه الروائيّ، وذلك في المتمِّمات الوصفية لسرد الحكاية. ويمكن القول إن في عمل الكاتب هنا نوعاً من "الخيال المولِّد" على طريقة الخيال العلمي، لكنه هنا لا يستند على معطيات علميّة قائمة في الواقع وإمكانيّات تطورها مستقبلاً، بل على تصوير إبداعي في "بناء" عوالم خاصة ومؤاتية لموضوعه، ما يجعل الصور المبتكرة عن أمكنة وأزمنة لا تمتّ إلى الواقع بصلة، يجعلها أقرب إلى الصور الشعرية التي تستثير مخيّلة القارئ بدوره، بما فيها من تضخيم أو مبالغات هي أقرب إلى خصائص الشعر الحديث في غوصه على أعماق النفس البشرية واستخراجه منها تلك الصور السوريالية التي تفتح أمامه، عبر الصورة الجمالية، مجال السؤال عن حقائق النفس والكون والوجود، "الاسم اكتمال المسمّى "و "ليس وراء الوراء شيء آخر"و "لم يرَ، كعادته، وراء الكلام وراءً...". نلحظ كيف يوحي هذا التركيب وتكرار المفردة بعوالم مفتوحة على الغامض أو المجهول في مكانٍ وزمانٍ لامتناهيَيْن. 

 

لغة خاصّة، لغة شاعريّة

وإذا كان للفانتاستيك الخرافي موضوعاته وصوره، فإن له أيضاً لغته وقاموسه الخاص، وهو ما حرص رشيد الضعيف على اعتماده في روايته هذه إن على صعيد المفردات أم على صعيد الصيغ التعبيرية، ففي نصِّه من القاموس القديم "مفازات وقفار وبوادٍ" و"حجر الزند" وتسميات من نوع "الأقاشي ابن الأنسية" وعبارات من نوع "الأمّارة بالسوء" أو إيعاز من نوع "إسمع خبري" وغيرها مما أراد به الكاتب الإيحاء بقِدَم النوع، وباستمرارية صلاحه حتى يومنا هذا. كما أنه عمل من نواحٍ أخرى على ابتكار قاموس وصيغ تعبيرية جديدة، مما يشير إلى تمكنه من موضوعه واشتغاله عليه على مدى ثلاث روايات، وذلك من نحت الكلمات والأسماء على الأخصّ، مثل "مستوحَشة" الفتى (المكان الذي ينعزل فيه) و"الأقاشي" نسبة "أقاش"، واسم "رماعيل" المنحوت من أحد أسماء الجنّ، "عامر"، قلبه الكاتب إلى "رماع" وأضاف إليه "إيل" التي تعني الإله، وغيرها مما يضيق المجال عن تفصيله هنا.

 

أضف إلى ذلك إغناء النصّ بعبارات أو جمل هي أقرب إلى مقاطع شعرية صُغرى (segments)، إن بصياغتها الموسيقية المؤثرة ما بين تكرار مفردة بعينها وتقطيع متوازن ومقابلات، يفتح بها الكاتب المخيّلة على ما وراء المحسوس والمُدرَك العادي، إلى عوالم مفتوحة على اللانهايات، مثل "ليس وراء الوراء شيء آخر..." و "هناك فرق بين أن تُدرِك وأن تُدرِك"، و"فقلّبها فكرةً فكرة، وحُلمًا حُلمًا، وسِرًّا سِرًّا، ورغبةً رغبة"... ناهيك من الصور الطبيعية المختلقة، وهي كثيرة، والمسكوبة في قوالب تعبيرية جميلة: "وسال وقتٌ كثير في وديان الأرض ومجاريها"، وكذلك "الإضحاك" في الكثير من المواضع كما في وصف اختلال نظام الشمس في حركتها حتى بدت و"كأنّها أصابها الخرف". أضف تلك الصيغ التعبيرية التي يتلاعب فيها الكاتب بعملية الإسناد كأن يقول:  "كان الوقتُ قد مضى قسمٌ من الليل". كما تلفت تلك التراكيب الذهنية الغامضة أو المعقدة التي تستحثّ المخيّلة على الغوص في عوالم فكرية أو فلسفية حتى من مثل: "لكنّها معرفة لا تُقال (...) لأنّها حقيقةٌ كلماتُها ليست في طبعها، ولأنّها حقيقة بلا كلماتها. حقيقةٌ لا تشي باسمها ولا يُدركُها اسمٌ يُبِينُها".

 

الاشتغال على اللغة

إذا كان في الاشتغال على اللغة فنٌّ، فإن البعض يرى أنّ هذا الفنّ يجب أن يخفي وراءه هذا الاشتغال. لكن رشيد الضعيف، في فنّه، لا يخفي أبداً اشتغاله على لغته وأسلوبه، وهذا ما عهدناه في نتاجه منذ بداياته. فهو يشتغل على لغته وأسلوبه من دون أن يخفي ذلك، وليس ذلك من باب الإتيان بما هو خاصّ به وحسب، ولكن في ما يبدو مشروعه من الأساس، أعني به عمله على فكفكة اللغة وكسر أنماطها وقوالبها الجامدة وتخليصها من صنميتها، للتأكيد مرة تلو الأخرى أنّ اللغة لا يجب أن تُحبَس ولا أن تُحصر، فهي مثل الماء، مهما قاوم الغيورون على العربية، لا بدّ من أن تجد لنفسها مسارب تتفلّت عبرها من أسرها لتدخل عوالم جديدة وتلبس ما يليق بالعصر.

 

أبعد من الجمالية والإمتاع: القضية

لأن ساحراً حكيماً نصح الوالدين: "لا تُنجبا" ولأنّ المرأة "لا تحبل لكي تلد. الولادة شيء آخر"، نتبيّن أن الضعيف أراد عبر الرواية الخرافية هذه طرح قضية إنسانية، وربما موقفاً محدّداً من الإنجاب وتكوين العائلة واستمرارية المجتمعات. فعائلة رماعيل تبقى جاهلة وغافلة عما يحدث فيها وعما يهدّدها من أخطار، تبقى معرَّضة في كل لحظة للاختراق، من قوى بشرية أو من قدر مجهول قد يحوّل حياتها جحيماً من دون أن تدري. ومع ذلك تعيش في النهاية، مع عودة ابنها الحقيقي، سعادة قد تكون موهومة أو عابرة. فهي في كلّ لحظة مهدّدة بالتخلخل والتفكك والشقاء، لأنّ الجنّ، أو القوى الغامضة، "الكينونة" كما يسميها الكاتب، هي المسيطرة، فالجنّ هم أساس الخلق والأنس، هم الثابتون والخالدون، وهم من  صنعوا العالم وبنوه، لكن خلافاتهم واقتتالهم هي التي نشرت فيه الفساد وخربته. فهل هذه دوامة تتكرّر على البشرية منذ أن كانوا؟ ربما هذا هو مغزى السؤال الذي تطرحه على رماعيل أخته في نهاية الرواية، والذي أتى نتيجة ما زرعه الرئي البديل في تجاويف دماغها: "متى ستُرِينِي العالم من على القمم العالية؟ متى ستأخذني إلى القمم فوق الضباب، وفوق الغيم؟". وكأن هذا السؤال يفتح على مغامرات ومخاطر جديدة قد تتعرض لها العائلة.

 

موقف من المؤسّسات البشرية 

في هذه الرواية الفانتاستيكية يلفت الكاتب صراحة إلى تخلخل الوضع الإنساني القائم، بمعنى أنه يفضح أو يستخفّ أو يقلّل من أهمّية المؤسسات التي أرساها البشر، من الوحدة الصغرى التي هي العائلة إلى الوحدات الكبرى، أي الكيانات البشرية بمختلف تركيباتها. فهل ذلك لأنّ العالم خاضع لقدرٍ ما يتحكم به؟ "الكينونة" كما يسميها الكاتب؟ 

 

يبدو أن الإنسان سيبقى ضحية الصراعات بين قوى هذه "الكينونة"، صراعات لا تنتهي بين الخير والشرّ. وبالتالي تبدو لحظات السعادة فسحات عابرة موهومة ومخادعة.... ينقاد فيها الإنسان من حيث يدري أو لا يدري لمصائر ليس بيديه التحكّم بها.

 

تجارب الراويات الفانتاستيكية الحديثة

تأتي رواية ندم إبليس لرشيد الضعيف من ضمن تجارب حديثة في الرواية العربية الخرافية-الفانتاستيكية. وهي هنا أكثر من تجريبية، بل هي بناء تشكيلي بكلّ معنى الكلمة، في مشروعٍ متكامل، لا يستمدّ مادته من المواضيع المطروقة والمستعادة، وينطبق عليه ما يقوله شعيب حليفي حول راهنية الرواية الفانتاستيكية في دراسته عن هذا النوع: "تكمن في تجريبيّتها ومكوناتها السردية، وما تخلقه من تعجيب يعبّر عنه كرونوتوب الكابوس وامتساخات الفضاء والزمن والشخوص، والأسئلة الوجودية المحمولة على لغة تسعى لأن تتحرّر من كلّ التباس مثلما تحرّر المعنى من قيود الطبيعي والمألوف"[2].
 


[1]. الضعيف، رشيد، ندم إبليس، دار الساقي، بيروت، 2025، 158 صفحة.

[2]. حليفي، شعيب، شعرية الرواية الفانتاستيكية، الدار العربية للعلومناشرون ومنشورات الاختلاف، بيرون والجزائر، 2009.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث