بانكسي في ستراسبورغ: أسطورة التخفي في عصر الاستعراض

علي سفرالثلاثاء 2026/05/19
افتتان الأجيال
حجم الخط
مشاركة عبر

أمام صالة La Cave à Vins في مدينة ستراسبورغ الفرنسية حيث عرضت أعمال بانكسي، صف طويل من الجمهور الذي جاء ليرى أعمالاً أصلية من لوحات الفنان الشهير. التدقيق في المشهد يأخذنا مباشرة إلى خلاصة غريبة، بعيدة عما هو معتاد في المعارض الفنية، فهنا الجميع ومن كافة الفئات العمرية يرغب في أن يحصل على حصته من المشاهدة.

 

نصل إلى المدخل الرئيس يرحب بنا شباب متطوعون مع منظمة SOS Méditerranée، التي اشتهرت بعمليات إنقاذ طالبي اللجوء العابرين من شمال أفريقيا باتجاه أوروبا. 

أمام صالة العرض
أمام صالة العرض

ندخل، ونبدأ التجوال في الصالة الواسعة، وتستوقفنا اللوحات الشهيرة، مثل فتاة البالون والجندي الذي يفتش طفلة، والقرد حمل لافتة سياسية... الجمهور، لا سيما الأصغر سناً، يتحدث عما يشاهده، البساطة تقود العيون، فاللوحة تُقرأ خلال ثوانٍ لكنها تفتح باب التأويل.، رغم أن بانسي يستخدم تقنية قريبة من الكاريكاتور السياسي، لكن مع حس شاعري وساخر في الوقت نفسه. 

ارشيف التمرد

نلتقط الصور، لا لنوثق ما نشاهده، وإنما لنسجل أننا حضرنا فعالية خاصة بفنان يحضر على المستوى العالمي، ليس من خلال العروض الفنية كهذه، بل عبر فعاليات غير متوقعة، لا أحد يعرف متى وأين تحدث. فبالتوازي مع انطلاق هذا المعرض في شرق فرنسا، كانت الميديا حول العالم تتحدث عن تمثال "الراية تعمي البصر"، الذي نصبه بانكسي في ساحة واترلو وسط لندن، ويمثل رجلاً يسير خارج حافة قاعدة التمثال، ممسكاً بعصا لرفع علم، وقد غطّى القماش وجهه.
 

الحاضرون هنا كأنهم مأخوذون بشيء أبعد من مجرد مشاهدة الأيقونات البصرية، الافتتان بالشخصية لا يمكن إنكاره، رغم مجهوليتها، كما أن الدهشة بالفكرة، تمر من خلال مشاهدة الأعمال، أي أن جودة الرسوم وكذلك الطرافة البصرية، يكرسان اجتماع عدة عناصر نادرًا ما تجتمع في فنان واحد. 

بانكسي

يضفي غموض شخصية الفنان أولى هالات الفتنة به، إنه مقيم في كل مكان تقريباً، وهو أيضاً غائب في اللامكان وذلك لأن أحداً لا يعرف هويته يقيناً، رغم الكشوف العديدة لصحافيين ومفتونين ببانكسي، لكنه طالما لم يعلن هويته بنفسه، يبقى هناك مجال للغموض، وبالتالي للفضول والافتتان. هذه أسطورة حديثة تُكتب في زمننا الحالي، قوامها التخفي، في زمن يقوم على الإفراط في الظهور وكشف الذات من خلال شبكات السوشال ميديا. الناس تأتي المعارض والفعاليات كي تلتقي بالفنانين، لا لتشاهد أعمالهم فحسب، لكن بانكسي فنان يختفي خلف أعماله وحدها، كأنه نقيض العصر نفسه، وكذلك نقيض التقاليد الراسخة للصناعة الفنية ذاتها، حين دخل عقولاً من خلال عرض ما يصنعه على جدران الأبنية والشوارع، تحت أضواء الأنفاق، وفوق الأسطح وعلى إسمنت الحواجز، وصولاً إلى الأمكنة القصية في مناطق  حروب ويتعرض سكانها للقمع والقهر كما في الضفة الغربية. 

الطفلة والبالون
حاملة البالون

لم تبدأ القصة في المتاحف وهذا منح أعماله إحساساً بالتسلل إلى الحياة اليومية، بدلاً من انتظار الجمهور داخل الفضاءات الثقافية. البعض يشعر أن أعماله تخاطبه مباشرة لأنها تظهر في أماكن العبور والاحتكاك اليومي. وهذا يقود إلى ملمح مهم في تكوين الانبهار الذي يصنعه بانكسي كل مرة، فهو يقدّم نفسه كفنان ضد السلطات، وفي مواجهة سلوكيات مؤسساتها التي تفضح تكوينها، ويقف في وجه حروبها، وضد تحويل البشر إلى أدوات في المطحنة العالمية الهائلة التي تدمرهم. 
 

هذه الرسائل في لوحات بانكسي تجبر منتقديه على احترام ما يفعله، رغم أنهم غير معجبين بلغته البصرية، كونها بسيطة جدًا وسريعة الالتقاط، ويختلفون مع رسائله! فهم يدركون أن أعماله تحمل موقفاً واضحاً، في حن باتت أعمال فنية كثيرة تميل إلى الغموض النظري والبرودة المفاهيمية.
 

لكن المفارقة الأساسية التي لا يمكن تجاهلها، تظهر في أن الفنان الذي يسخر من السوق الفنية، من خلال الابتعاد عن أدواتها التقليدية، أصبح جزءاً ضخماً منها. فأعماله الأصلية تُباع بملايين الدولارات، والمتاحف ودور المزادات تتنافس عليها. وحتى حين أظهر اعتراضه من خلال حادثة تمزيق لوحته الشهيرة بعد بيعها في المزاد، فقد تحولت القصة إلى حدث دعائي كبير عزز قيمتها في السوق.

 
كل ما سبق يجعل بانكسي مادة نقاش دائمة: تبدأ بالسؤال عما إذا كان فناناً متمرداَ فعلاً، أم مجرد فنان ذكي أدرك أدوات تسويق مختلفة، ونجح في تحويل تمرده نفسه إلى علامة تجارية!

بانكسي

الأخبار التي تتحدث عن أن البعض تمكن من معرفة من هو بانكسي وأعلنوا اسمه ومكان سكنه لم – وربما لن- تغير في المعادلة شيئاً. الناس سيُسقطون هذا الجزء من مبنى الأسطورة، فهم لا ينظرون إليه كما ينظرون إلى نجوم آخرين في عوالم الفن، بل يرونه صانع صدمة ذكية، خلاقاً في جعل الاستعارة البصرية المكثفة، قريبة منهم أو بين أيديهم، وهذا يجعله قريباً من جمهور واسع، حتى من أشخاص لا يهتمون عادة بالفن المعاصر. بانكسي يمنحهم شعوراً بأن الفن ما زال يستطيع التدخل في العالم الحقيقي، لا أن يبقى حبيس الصالات والنخب الثقافية. حتى الذين يرون أعماله مباشرة أو ساذجة أحياناً، يعترفون بأنه أعاد للفن قدرة نادرة على إثارة الجدل الشعبي العام.


كما أن أسلوب نشر اللوحات وبعد كسر الشكل التقليدي، يصبح متاحاً كصور منتشرة، فحتى حين يُقام له معرض كهذا، فإن الفعالية تكون مجانية وتضامنية، ذلك أن الترويج هنا للمنظمة الإنسانية وأنشطتها، إذ نقف عند قارب استخدمه الهاربون من الجحيم وهم يغامرون في اتجاه أوروبا. وُضع القارب وسط الصالة، فصار جزءاً من مشهدية عالمية تؤكد على رفض ما يجري، واسمها بانكسي.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث