اعتادت جمعية فنّاني البصرة التشكيليين إقامة معرضها السنوي، في مثل هذا الوقت من ربيع المدينة، ختاماً لرحلة عام من الرسم والنحت تحت ظروف متغيّرة، على المستويين: الديموغرافي المكتظّ بالسكّان، والمكان التراثي المنمذَج بشريحة منهم؛ وليس هناك من صلة وطيدة بين المستويين، إلا لحظة الاسترجاع لأفضل أساليب الفنّ التشكيلي الموروثة والمتجدِّدة. فالمكان بيتٌ هادئ ذو شرفات خشبية قديمة، يكاد يُفلِت من قبضة المناخ والجغرافيا المكتظّة بالبشر، ومحيطُ المعرض الخارجي شارعٌ شبه مظلم، يحاذي نهراّ مختنقاً بالملوثات البيئية- وما بينهما جسرٌ ثقيل أشبه بممرّ إلى ذاكرة فنّية تتراوح بين ذينك الاتجاهين: الاكتظاظ بالرموز الفنّية والإفلات من قبضة الذكرى الملأى بالآلام والحسرات، كما بالفرحة والوجوه الأليفة والسِّمات الفنّية المؤثّرة.
على هذين المستويين من الإرث الفنّي: المتسِم بالاكتظاظ والاسترجاع الذاكراتي لتقاليد الرسم المتتابع من جيل الرسّامين الاوائل، والتجديد البعيد في مياسم الأثر وسيميائياته، يأتي المعرض السنوي للجمعية (بتاريخ الثاني عشر من مارس/ آيار) ليؤكّد صلة قلقة بالحاضر، من جهة، وبالروح الهادئة التي تسكن بيت المعرض منذ سنوات العهد العثماني لمدينة البصرة، من جهة ثانية. وعلى هذه المتوالية الثنائية، أيضاً، اصطفّت لوحات المعرض أجمعها في نسقين فنّيين من أسلوبي التراصف والشتات، تتخلّلها مساحات متفاوتة من الشفافة اللونية والكثافة التعبيرية. ويكفي أن ندلّل على هذين النسقين/ الأسلوبين، بلوحتين لفنّانيْن من جيل الجمعية الشباب: أسامة نوري، وحسن عبد الشهيد.
تتراصف في لوحة الفنان حسن عبد الشهيد رموزٌ عميقة، على خلفية رمادية كامدة، من البيئة الريفية (قوارب وأحياء مائية ووجوه كئيبة تنتظم في جوّ سيميائي متراصف بالرموز السومرية). فيما تنتشر رموز لونية (بُقَع نافرة وخطوط فالتة عن مساحتها اللونية) في تناقض حادّ مع اللوحة الأولى للفنان عبد الشهيد، لترسم كلتاهما مناخاً انشطارياً من السيمياء التشكيلية المعاصرة. وعلى هذا المنوال من تناقض الخطاب التشكيلي البَصَري/ البَصريّ، تتشكّل رؤيةٌ ذاكراتية مستقرّة، وأخرى متمرّدة على الاستقرار والهدوء والتراصف البيئي للرموز والأشكال، في تقابل يكاد يشمل سيمياء الخطاب التشكيلي العراقي بأجمعه، وتعدّد معارضه، الموسمية والدائمية.
في لوحة حسن عبد الشهيد رجوعٌ لفترةٍ من استيحاء السيمياء التراثية، والمشاهد الريفية، وانشدادٌ لتقليد أسَّسَه جواد سليم في "بغدادياته" وماهود أحمد في ريفياته من أهوار "العمارة" ومحمد راضي وجبار العطية وفاروق حسن من "شناشيل" البصرة، وسار عليه تلاميذ لهم حتى يومنا هذا. أمّا لوحة أسامة نوري فقد لجأت إلى قابلية الاستمرار والتجدُّد والإفلات من ركود التقليد وتكرار ثيماته التقليدية، حسبما اختطَّه الفنّانون المجدِّدون لسيمياء لوحاتهم التشكيلية. وبقدر ما احتاج "عبد الشهيد" إلى التراصف مع موقف سالب، لروح التجديد والمغامرة التشكيلية، فقد اغترَّ "نوري" بسيميائيته، وقوّضَ مركزَ التقليد الموروث ونفرَ من تراصفه وتكراره.
ليس ثمة تمايز تفضيليّ في هذا الافتراق بين خطابين تشكيليين عراقيين، متتابعين ومتواترين بقوة واجتهاد. فالأثر السيميائي الريفي دخلَ المدينة وعبرَ جسرَ التراث بهمّة عالية وتودّد مثالي، وسكنَ اللوحات دونما قلق أو اعتذار. أمّا النسق التنافري فقد عافَ المكوث بين أضلاع البيت العثماني، وقفز من جسر التراث نحو الشتات السيميائي، الذي أصبح سمة العصر "الاغترابي" خارج العراق وداخله. وليس في كمود اللون الرمادي، وتراصف رموزه الباردة، ما يؤخّر فنّاني المعرض السنوي عن تشكيل سيمياء المضمون بعاطفة داخلية مستعرة. إذ يلتقي فنّانو التراصف التقليدي مع فنّاني التنافر الاغترابي، سوية على الحدّ المشترك/ النقيض، لمواسم الهجرة والامتثال، عند أفضل ما أنتجته معارض فنّية تشكيلية، في الداخل العراقي وخارجه.
(*) عن الفايسبوك




