مأمون الحمصي ضمير سوري

بشير البكر الاثنين 2026/05/18
64d2b550-c4c1-42b7-9ffb-9ee42bb20d91.jpg
مأمون الحمصي
حجم الخط
مشاركة عبر



كان الاعتقاد أن السلطة السورية الجديدة سوف تكرم عددا من الشخصيات التي واجهت الاستبداد الأسدي من مسافة قريبا جدا، ومن بين هؤلاء الذين خاضوا معركتهم مع حكم الأسد من النقطة صفر النائب السابق عن مدينة دمشق مأمون حمصي، الذي عانى من السجن والتشرد والنفي مع عائلته، ومصادرة أملاكه. وأهم التفاته كان يجب أن تحصل في الفترة التي تلت سقوط نظام بشار الأسد هي إعادة أملاكه التي صادرها النظام السابق.
 

الحمصي رمز مدني وقف بشجاعة ضد ديكتاتورية الأسد الأب، ولم يتردد حينما التقاه في دورة مجلس الشعب عام 1990 أن يقول له وجها لوجه أن نظامه فاسد. لا يحتاج إلى تزكية من أحد، هو صاحب سيرة في المعارضة، تعود إلى نصف قرن حينما كان عضوا في مجلس محافظة دمشق عام 1986، وبعدها عضوية مجلس الشعب السوري عام 1990 كنائب مستقل، وعلا صوته خلال فترة ربيع دمشق ما بعد عام 2001، حيث طالب برفع حالة الطوارئ وإطلاق الحريات وأعلن إضرابه عن الطعام، ليتم اعتقاله في أغسطس 2001 وإسقاط الحصانة البرلمانية عنه. وحكم عليه في آذار/ مارس 2002 بالسجن خمس سنوات من قبل محكمة الجنايات في دمشق، ليكون بذلك أول نائب سوري يحاكم في قضية سياسية، وتسقط عنه الحصانة السياسية، دون عرض القضية على هيئة المجلس بشكل كامل. وبعد الإفراج عنه عام 2006، توجه إلى لبنان ومن ثم إلى الأردن ثم إلى كندا. وبعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، انتقل إلى مصر، ليلعب دوراً سياسياً في حث الدول العربية على اتخاذ إجراءات لوقف القتل في سوريا. وانتقد في بيان له قمع المتظاهرين، وقانون مكافحة الإرهاب الذي حلّ مكان قانون الطوارئ.
 

كان من بين أوائل العائدين من المنفى بعد أيام قليلة من سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024. وفور عودته لمنزله بدمشق بارك التحول، وصدرت عنه تصريحات ومواقف تأمل خيرا بالعهد الجديد، وطالب باستعادة حقوقه وأملاكه. ورغم العديد من المبادرات والمناشدات والتصريحات والمطالبات بإنصافه، ورفع الظلم الذي ألحقه به نظام الأسد الذي صادر أملاكه وأمواله، لم تقابله السلطة بأي التفاتة تقدير لتاريخه ومكانته تليق بسجله الحافل ومواقفه الجريئة وتضحياته الكبيرة في مقارعة وفضح نظام الاستبداد والسجون والمقابر الجماعية.
 

لا يطمح الحمصي بمنصب في الدولة الجديدة، ولم ينتقد من موقع المعادي، أو يصدر عنه أي موقف يعبر عن سلوك خارج عن القانون، طالب أن تسقط الأحكام التي أصدرها بحقه قضاء الأسد، لكن مناشداته لم تجد من يصغي أو يتجاوب معها، بل من يجيب عليها ولو بالسلب. لقد كان الإهمال والتجاهل نصيبه، كأنه ينفخ في قربة مثقوبة، أو ينادي في برية مفتوحة، وذلك أقسى مما لو اعتقلته السلطات، ورمت به وراء القضبان.
 

ثمة من يرى في الموقف تجاه الحمصي بأنه نتاج تفكير محدود الأفق، ولا يرى أصحاب هذا الرأي في الحمصي حالة فردية، بل هو في عدد جيش من المناضلين قاوموا نظام الأسدين منذ وصول الأب للسلطة في انقلابه عام 1970، ولا يقتصر ذلك على تيار سياسي بعينه، أو فئات محددة من المجتمع، بل شاركت فيه القوى السياسية كافة من إخوان مسلمين وشيوعيين واشتراكيين وناصريين وبعثيين، ومن البديهي القول إن الثورة لم تبدأ عام 2011، حتى يسلم المجتمع السوري بمقولة "من يحرر يقرر"، فهي عبارة عن موجات متتالية على مدار أكثر من نصف قرن، كانت ذروتها في 2011.


الإقصاء الذي تعرض له الحمصي لا ينحصر به فقط، وهناك آلاف من السوريين يتشاركون الوضع ذاته، هم داخل الوطن وخارجه. وإلى حد الآن لم يحظ أحد منهم بأي تكريم لدوره. وهناك شعور في أوساط هؤلاء بأنهم مهمشون، ولم يبدر من قادة المرحلة الجديدة اهتماما بهم. وقد يتولد عن ذلك إحساس بالغبن، وحالة من الاستقطاب السياسي، بين السلطة وفئات سياسية، واقتصادية، وثقافية، واجتماعية. ومرد ذلك مواقف غير مدروسة، تصدر عن أطراف في الحكم أو محسوبة عليه، لا تقدّر جيدا أن مصلحة سوريا تكمن في توظيف رأسمالها الرمزي الكبير، من أجل تجاوز تركة الماضي الثقيلة، ومداواة الجراح، على طريق هدف السلم الأهلي المنشود.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث