تحدّي الفيلولوجيا

أسعد قطّانالأحد 2026/05/17
ترجمات قديمة
تحدد المعاجم الفيلولوجيا بوصفها العلم الذي يدرس لغةً من اللغات بالاستناد إلى تحليل النصوص تحليلاً نقدياً
حجم الخط
مشاركة عبر

تحدّد المعاجم الفيلولوجيا بوصفها العلم الذي يدرس لغةً من اللغات بالاستناد إلى تحليل النصوص تحليلاً نقديّاً. يعنينا الجزء الثاني من هذا التحديد. فالتحليل النقديّ لأيّ نصّ من النصوص يفترض، بادئ ذي بدء، الارتكاز على قاعدة موثوقة. والحقّ أنّ الانتباه إلى ضرورة القيام بشيء من تحقيق النصوص عبر مقارنة المخطوطات المتوافرة لا يمكن عزوه إلى الحداثة حصراً. فثمّة أمثلة من القدامة تحيلنا على أهمّيّة الانكباب على المخطوطات ودراسة ما تنطوي عليه من قراءات مختلفة، وذلك بغية الوصول إلى ما يمكن حسبانه النصّ الأصليّ كما خرج من يد مؤلّفه. ولعلّ أبرز مثل يمكن ضربه من مسيحيّة القرون الأولى على هذا الجهد العلّامة الإسكندريّ أوريجنّس، الذي انشغل بتدقيق نصّ التوراة، أو العهد القديم، عبر مقابلة النصّ العبريّ بالترجمات اليونانيّة الشائعة في عصره، وذلك في سبيل الوصول، قدر الإمكان، إلى نصّ موثوق يستعان به على تذليل الصعوبات التفسيريّة.

 

لئن كان الوعي الفيلولوجيّ ظاهرةً قديمة، إلّا أنّ الفضل في استنباط قواعد علميّة صارمة لدراسة المخطوطات وتحقيقها يعود إلى الحداثة. هذا الجهد لا ينفصل، بطبيعة الحال، عن الوثبة الكبرى التي حقّقتها العلوم الإنسانيّة عموماً، وعلوم اللغة على وجه الخصوص، إبّان القرون الأخيرة الماضية. ولا شكّ في أنّ اختراع الطباعة زوّد البشريّة بالوسيلة التقنيّة التي تتيح أن ينقل كتاب مطبوع واحد مضمونَ عدد وافر من المخطوطات إلى شريحة واسعة من الناس، وذلك عبر ما يُعرف بالجهاز النقديّ (apparatus criticus). قوام هذا الجهاز مجموعة من الحواشي تنطوي على قراءات نعثر عليها في المخطوطات تختلف عمّا يتمّ تثبيته في متن النصّ. أمّا ما نجده في هذا المتن، فإمّا مضمون مخطوطة واحدة تُعدّ أوثق من سواها لأسباب علميّة بحت، وإمّا نصّ موثوق يتمّ استخلاصه من المخطوطات بعد مقابلتها.

 

غنيّ عن القول أنّ دراسة النصوص الدينيّة المرجعيّة لا تستقيم من دون الاستناد إلى النصّ النقديّ الموثوق، في حال توافره، أو العمل الحثيث على إنجازه، إذا كان غير متوافر. إنّ عبور «أتّون» البحث الفيلولوجيّ لم يكن بالأمر اليسير على اللاهوت المسيحيّ. فقد كشف البحث العلميّ النقاب عن اختلافات لا يستهان بها بين مخطوطات الكتاب المقدّس العبريّة واليونانيّة يمكن عزو معظمها إلى هفوات النسّاخ أو سعيهم إلى تذليل بعض الصعوبات التفسيريّة. هكذا عمد بعضهم، مثلاً، إلى إضافة عدد من المقاطع إلى خاتمة إنجيل مرقس، مستعيناً بما جاء في الأناجيل الأخرى، وذلك لكون حكاية مرقس لا تشتمل أصلاً على أيّ ظهور للمسيح القائم من بين الأموات. ويمكن القول اليوم، بعد عقود من الجهد العلميّ المضني، إنّ الطبعة النقديّة لكتاب العهد الجديد التي بين إيدينا تنطوي على نصّ هو الأقرب إلى الأصل، الذي عاد غير متوافر بسبب اندثار المخطوطات كما خرجت من يد كتابها.

 

ربّما يرى بعضهم أنّ هذا العمل العلميّ لا ضرورة له لأنّ ثمّة معطًى إيمانيّاً فحواه أنُ الله يحفظ كتبه المقدّسة على الرغم من تقادم الزمن وتبدّل السياقات التاريخيّة والاجتماعيّة. بيد أنّ الإيمان الذي يحتقر المعرفة العلميّة غالباً ما يكون مصاباً بلوثة الخوف. ولا نبالغ في القول إنّ العلم الأصيل يعين على تشذيب الإيمان وتحريره من الأساطير والاتّكال المفرط على الغيبيّات. يضاف إلى ذلك أنّ النصوص الدينيّة حقول خصبة للتأويل والاستقراء والاستجلاء. هذا لا ينسحب على بعضها الذي ينتمي إلى عائلة اللغات الساميّة، كالتوراة والقرآن، فحسب، إذ تفتقر المخطوطات القديمة إلى التنقيط والتشكيل، بل على المخطوطات اليونانيّة أيضاً، التي تتّصل فيها الحروف والجمل بعضها ببعض، ما يستوجب تقطيعها وإضافة الفواصل والنقاط وعلامات الاستفهام والتعجّب. هذا كلّه يفضي بنا إلى الاستنتاج أنّ بناء تفسير النصوص على إسٍّ متين يحتاج إلى طبعات نقديّة لا بدّ من بذل الغالي والنفيس في سبيل إيجادها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث