دائماً ما يعود المرء إلى الأماكن القديمة التي أحبّ فيها الحياة، ثم يدرك مدى غياب ما أحبّه. "أغنية الأشياء البسيطة"
كلّ عمل روائي، في جوهره، سيرة ذاتية روائية. فكلّ قصّة تُروى، بغضّ النظر عن مصدرها، تتضمّن الراوي: تاريخه، عالمه، أفكاره، مواضيعه. هي، بمعنى ما، سيرة ذاتية روائية أيضاً، بناء ذاتي يُقدّم للعالم، وعلى الأرجح، للذات أيضاً. على أي حال -ربما من دون الخوض في تحليل مفرط- هناك أنواع مختلفة من السيرة الذاتية. فسرد قصة مُختلقة بالكامل، حيث يكون الكاتب مُتضمناً في أحداثها، يختلف تماماً عن استلهام الإبداع، بشكل مباشر، من التاريخ الشخصي، وخاصة من المحيطين بنا.
استكشف بيدرو ألمودوفار جميع هذه الأشكال من السيرة الذاتية المتخيّلة، بدءاً من أكثرها إسرافاً وانفصالاً عن الواقع، وصولاً إلى، ربما بدءاً من فيلم "فولفر" (2006)، أساليب أقل تحيّزاً في سرد قصّته. في هذه المرحلة الأخيرة، نجده في أسلوبه الأكثر مباشرة ووضوحاً. فيلمَا "ألم ومجد" (2019) و"أعياد ميلاد مريرة" (2026) كلاهما يدوران حول ألمودوفار: حول عمليته الإبداعية، وأزماته، وصحّته، ومخاوفه، وعزلته. هنا أيضاً، نجد مخرجاً يكافح مع حياته الشخصية، وعجزه الإبداعي، ومعاناته، وصراعاته الداخلية، فضلاً عن صراعاته مع مَن حوله. ولعلّ الاختلاف الأكبر يكمن في أن كلّ هذا هنا مُدمج مع سرد روائي يتلاعب بتلك التجارب، ويعيد تشكيلها، ويشوّهها.
لكن ما التجارب التي يرويها؟ يتناول "أعياد ميلاد مريرة"، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كانّ السينمائي في دورته الـ79 (12-23 أيار/مايو الجاري)، أيضاً نزعة الاستغلال الكامنة في كلّ كاتب، وكيف يستغلّ قصص مَن حوله ويستخدمها، غالباً دون سابق إنذار، متستراً وراء ستار العملية الإبداعية، ومتجاهلاً الألم أو الانزعاج الذي قد يسبّبه ذلك. هل يحقّ للكاتب أن "يمصّ دماء" جمهوره تحت ستار العملية الفنّية أو الإبداعية؟
تؤدي باربرا ليني دور إلسا، مخرجة أفلام "ذات طابع خاص"، تعمل في مجال الإعلان بعد فشلين تجاريين، وتعيش مع صديقها بونيفاسيو (باتريك كريادو)، وهو رجل إطفاء نهاراً وراقص تعري ليلاً. تعاني إلسا من صداع نصفي حادّ أدخلها المستشفى أكثر من مرّة، وبعد تناولها الأدوية، يستنتج الأطباء أنها تعاني من نوبات هلع، ربما يكون سببها وفاة والدتها مؤخراً. في محاولة للخروج من هذا المأزق الشخصي والجسدي والإبداعي، تسافر إلى لانزاروت (إحدى جزر الكناري، وموقع تصوير أفلام أخرى لألمودوفار) برفقة صديقتها باتريشيا (فيكتوريا لونغو)، التي تحمل معها هي الأخرى مشاكلها الشخصية. كلّ هذا يحدث - وهذه تفصيلة مهمّة - في العام 2004.
يوضّح الفيلم سريعاً أن هذه القصّة من تأليف راؤول (الأرجنتيني ليوناردو سباراليا)، والذي يكافح لإيجاد خيط سردي بينما يحاول في الوقت نفسه حلّ مشاكله الشخصية والإبداعية. متأثراً بوضوح بألمودوفار، يتذمّر من الجوائز والعروض الاستعادية التي لا يرغب في حضورها، ومنغمساً في عالمه الخاص لدرجة أنه لا ينتبه للآخرين (مثل صديقه سانتي)، كما أنه مصدوم من قرار مونيكا (أيتانا سانشيز خيخون)، مساعدته لسنوات طويلة، ترك عملها، لأسباب شخصية على ما يبدو أكثر من كونها نتيجة أي خلاف بينهما.
بين هذين الفضاءين، يتكشف فيلمٌ، على عكس فيلم "ألم ومجد"، يسمح لنفسه بالتلاعب أكثر بعالم ألمودوفار الإبداعي. يحتوي سيناريو الفيلم على إشاراتٍ آسرة إلى عالمه وهواجسه: يظهر روسي دي بالما، وتؤدّي كارمن ماتشي دوراً كوميدياً قصيراً، وهناك حفلات، ومخدرات، وعرض تعرٍّ رجالي شبه كامل، وأغنيتان لتشافيلا فارغاس (بما في ذلك الأغنية التي تحمل عنوان الفيلم)، وإضافةٌ سرديةٌ غريبةٌ لكنها ذات صلة عاطفية وموضوعية تتمثل في أداءٍ حيٍ بدون موسيقى للمغنية أمايا، وهي تؤدّي "أغنية الأشياء البسيطة" لسيزار إيسيلا، والتي اشتهرت بنسخة مرسيدس سوسا.
وبينما يبدو هذا العمل الروائي غير متناسقٍ بشكلٍ غريب، بل وحتّى غير منظّم، فإنه يعكس، بأكثر من طريقة، تقلّبات المؤلف الشخصية تجاه هذا النصّ؛ الذي أصبح بمثابة حياته. وفي العلاقة المتناقضة والمتغيّرة بين هذين العنصرين يكمن سرّ وسحر الفيلم، حيث ينقبّ كاتب في كنوز مختلفة حتى يجد الخيط الذي يمكّنه من ابتكار قصّة عظيمة. فعندما لا يستقي من أحد هذه المصادر - أفلامه الخاصة أو من مصادر إلهامه؛ حيث يستشهد هنا بإنغمار بيرغمان، أو دوغلاس سيرك ونيكولاس راي - يستقي من حياته الخاصّة، وقبل كلّ شيء، من محيطه. يكمن الصراع، إن صحّ التعبير، في ما إذا كان للكاتب الحريّة في فعل شيء كهذا، خاصةً عندما يغوص في تفاصيل الحياة الشخصية لأصدقائه أو معارفه.
لا ينشأ الإلهام عادةً بطريقة محسوبة، لكن ما يطرحه ألمودوفار بشكلٍ مقلق، هو ما يجعل الفيلم نقداً ذاتياً إلى حدّ كبير. أو أنه يمكن أن يكون كذلك. فكرة أن الإبداع ينطوي على ضرر، وأن هذا الضرر قد يكون لا يُمكن إصلاحه، تشكّل مفارقة معقدة للغاية يصعب حلّها. في مشهدٍ طويل ومؤثر بين راؤول ومونيكا، تُطرح هذه المواضيع بشكل مباشر، ربما أكثر من اللازم. هل ثمة نقطة يصبح فيها من الضروري التوقف عن "استنزاف" العالم المحيط لإنقاذ العلاقات؟ أم أن الفنّ أهمّ، شيء يتجاوز كلّ ذلك؟ "أعياد ميلاد مريرة" يدور في هذا العالم من التساؤلات دون إجابات واضحة تماماً، فيلمٌ عن قسوة الخلق/الإبداع وصعوبة التوفيق بين الحياة وما نسمّيه فناً.




