أحمد قعبور.. بعض الحياة لا يُروى يعاش كأنه الأبد

بثينة سليمانالأحد 2026/05/17
Ahmad_Kaabour-Beirut_2014.jpg
أحمد قعبور
حجم الخط
مشاركة عبر

إلى أحمد قعبور، الإنسان والصديق 
 

ذاك عمر في ذهاب، لا رجعة فيه ولا ندم، نحمّل الذاكرة صوراً من طفولة راحت ومن حروب لا تنتهي ومن أسى، وجوهنا تغيرت علينا، نداري خوفاً من الموت وخوفاً على إيمان بفكرة. ذاهبون نحو فناء تاركين الأفكار وأضدادها لأجيال تالية، لتحمل إرث الدين والعصبيات القاتلة.

 

في الأسبوع الأول لغيابك تنكّرت للأمر، تجاهلته. قلت لنفسي إن الموت احتمال وارد في كل وقت. محوت من كفي دفئاً أهديتني إياه حتى لا أبحث عنك بين الأحياء. انتظرت أن أسمع خبر موتك في أحاديث الأصدقاء. انتظرت، وحين سمعت الخبر أكملت دندنة أغنية كانت على مسمعي. ها أنت صرتَ الأغنية وصرتَ طيرًا على سفر.

في الأسبوع الثاني اعتراني غضب مُر. أردتك أن تعود لأخبرك عما تفعله الحرب بنا، كيف حوّلت الأرض رماداً والبيوت ذكريات. بيت أبي الذي بناه قبل نصف قرن لايزال قائمًا هناك، أصابه الوهن في كل مفصل من مفاصله، ومع كل صباح أتذكر تفصيلاً بسيطاً منه وأخاف عليه، لأنني أخاف على وجودي. هل توجب عليّ ان أودعك؟ أعتب على الحياة كيف تصير مُرة من دون أصدقاء.

 

في الأسبوع الثالث بكيت بكاء من فقد روحه. كان أسبوع البكاء. كان كافياً أن أبكي لأخفف من حزن لم يكن يتعلق بك وحدك، كان حزناً يفيض عن الأغاني ويفيض عن بلاد ما عادت بلاداً وعن أناس تخلى عنهم الناس. أنت حرفي ماهر في عملك. وأنا أغرمت بهذا الحرفي الذي أغرق قلبي حزناً.

في الأسبوع الرابع سامحت قلبي وسامحتك. العجز أبلغ ما يمكن أن تصله إنسانيتنا إزاء المرض. هل كنت سأخفف عنك ما تفعله قوارير الدواء والأمصال؟ هل كنت سأرد لك ابتسامة شاركتني اياها؟ الحياة تغلبنا. ستسامحني أنت هذه المرة.

 

في الأسبوع الخامس فتحت البوم الذاكرة. في البدء كانت لينا ثم كان أبي. كان لقاؤنا الأول صدفة تركت بصمتها فوق روحي كشاهدة نور. بعض الحياة لا يروى، يعاش كأنه الأبد. أتذكر صوتك حين تحكي يعادل ترنيمة عصافير الصباح في الجليل، وترجيع موج البحر في صور، ورفرفة الملائكة وابتسامات الأمهات أيام الأعياد.

 

النسيان آفة لكنها جيدة تخفف من ألم الغياب. 
في الأسبوع السادس تولّد الامتنان. أقول إننا محظوظون بمن نرافقهم ويرافقوننا، نسير معا في دروب تطول وتقصر. كانت هناك ياسمينة تحيي العابرين، وأحياء عتيقة بألوانها الخارجة عن زمننا تعود بنا إلى زمنها، نكون محظوظين بذلك الوقت الذي جمعنا، محظوظين بالصحبة وبفنجان قهوة على رصيف نسمع ما نحب ونقول ما نحب ونلمس ونشم ما نحب وعندما نختلف يكون خلافنا مفهوماً.

إن مسألة الموت لن تصمد حاجزاً بيننا، غداً أو بعد غد، بعد يوم أو سنة سوف نلتقي في حياة ثانية، من دون تدبير مني أو تدبير منك، من دون موعد مسبق، أنت بقميص أبيض ويدين دافئتين، وانا بكل فرحي ستسألني عن اسمي وسأسألك عن اسمك، ليس لأننا لما نتعارف بعد بل لتكون هناك بداية جديدة وأرصفة مكتملة لمدينة تحبها اسمها بيروت.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث