"ثمرة النار" لحنين الصايغ: النساء وإعادة تدوير الواقع

وداد سلومالجمعة 2026/05/15
313036901_10158457307442245_553565818605740954_n.jpg
تعود الروائية إلى حياة الأم نبيلة التي باركت بصمت خيار ابنتها أمل في رواية ميثاق النساء
حجم الخط
مشاركة عبر

لطالما منحت المرأة بشائر الأمل من قلب الألم، وكما يضيق جسدها بالجنين المكتمل فتدفعه للحياة، كان ثوب الواقع والمجتمع الأبوي الذي حط من مكانتها وجعلها مجرد تابع، يضيق بها، فتخرج عنه بما يمنح الحكاية أمثولة تتناقلها الأجيال، إذ علمتها عصور الظلم والمعاناة ابتكار بصمتها الخاصة لبناء الحكاية، مثل نبيلة في رواية "ثمرة النار" لحنين الصايغ الصادرة عن دار الآداب 2025.


تكمل الصايغ ما بدأته في روايتها الأولى "ميثاق النساء" من إضاءة على معاناة نساء الجبل في لبنان، حيث يتضافر الموروث الديني مع العادات والتقاليد في مجتمع ريفي محدود لرسم حياة السكان وتقييدها رجالاً ونساء، لكن الظلم الأكبر يقع كالعادة على النساء العنصر الأضعف، وتتحول صخور البيئة الريفية إلى قضبان تأخذ شرعيتها من تعاليم الدين، التي يتحكم بها رجاله وفق رؤيتهم الخاصة للتغيرات الحاصلة في المجتمع. 


يحمل الإهداء اعترافاً واعتذاراً لكل النساء والأمهات اللواتي غابت قصصهن في النسيان. 
 

بأسلوب مشوق ومؤثر تتدفق فيه الأحداث، تتنقل الصايغ بين جيلين من النساء حملا عبء الواقع كل بطريقته، وخط حياته بأسلوبه، بين أمل الابنة ونبيلة الأم، متنقلة بين ضغط الواقع الاجتماعي من عنف وتمييز ذكوري بين الأولاد إلى سطوة رجال الدين الذين يتدخلون في أدق التفاصيل، لوضع معايير التحليل والتحريم، بدءاً من استعمال النيلة في غسل الملابس إلى الزواج والسفر من دون محرم وطلب الرحمة للأموات، إلى ضغط الواقع الاقتصادي الذي انعكس على حياة الناس بعد الأزمة المالية الحادة في لبنان وتأثيرها في سكان الريف، مثل توقف شركات التأمين الصحي عن دفع تكاليف الطبابة، وانهيار العمالة حتى لم يبق لهم سوى الرحمة الخاضعة لعبثية تقدير رجال الدين.

ثمرة

الاستقلالية الاقتصادية شرط لتغيير المكانة الاجتماعية
تعود حنين إلى حياة الأم نبيلة التي باركت بصمت خيار ابنتها أمل في رواية ميثاق النساء، لتأخذ القارئ إلى حكاية مستقلة، إذ حملت نبيلة معاناتها مثل كل بنات جيلها برضى، واحتملت قسوة والدتها التي كانت تتحكم بمستقبل نبيلة واخواتها. فحكمت على إحداهن بوقف حياتها لخدمة إبراهيم الأخ الصغير الذي يعاني من قصور دماغي وحرمتها الزواج، كما حاربت خيارات أخرى بالزواج من شاب أحبته رغم أنه درزي، فقط لأنه يهتم بالأحزاب والسياسة ورمتها في تجربة زواج أغرقها في العذاب حتى ماتت، ومضت في تنفيذ حرمان ذوقان ابن زوجها من حضن العائلة ومن التواصل معهم بعدما وقع عليه غضب أهل القرية وشيوخها لزواجه من أرجنتينية، و لم يشفع له أنه عاد ليساعد أهله ويبني مدرسة في قريته.


تجاوزت نبيلة أحلامها في تجربة حب لم يكتمل لتقبل بالزواج من شخص لا تعرفه، مراهنة على ابتكار آليات جديدة للتعامل مع الواقع وتغييره، تضيء الصايغ من خلال سرد تجربة نبيلة على النساء اللواتي بحثن عن ذواتهن في قلب التيار، بتلقائية وطبيعية وذكاء فاستطعن قهر الظروف وتحقيق ذاتهن عبر الوسائل المتاحة والبسيطة والتحديات التي حفل بها كل زمن وصولاً إلى واقع يتفكك امام قوة الأجيال الجديدة ورغبتها. 


تقول فرجينيا وولف في كتابها "غرفة تخص المرء وحده" إن المرأة تحتاج إلى دخل مستقل ومساحة خاصة بها ولو غرفة لتتمكن من الابداع والازدهار، وهي الاستقلالية الاقتصادية التي يراها ماركس شرطاً لتحرر المرأة وتغيير مكانتها الاجتماعية. لم تكن نبيلة واعية لكل هذا، لكنها حين اختارت ان تتحدى التعاليم في متابعة تعليم بناتها، أدركت ان عليها ان تعمل وتمتلك دخلاً يمكنها من ذلك، وبدافع عاطفي لتجنيب بناتها الحرمان الذي وقعت فيه، عمدت إلى بيع الخبز وادخار المال اللازم لتعليمهن، كان هذا الحجر الأول في بناء وعيها واستقلاليتها لتحاول نقل اسرتها إلى مستوى أفضل. أما غرفة العجين التي فُصلت في ما بعد عن المنزل، وأصبحت مكاناً مستقلاً ضامناً لاستمرارية عملها، فكانت المساحة الخاصة بها حيث تقضي ساعات طويلة وحدها، فتتحد مع أفكارها الداخلية وعالمها الخاص معزولة عن الخارج، متصالحة مع غربتها عنه، مشبهة الحياة بالعجين الذي يجب تشكيله وفق رغباتنا وصنعه وفق معايير دقيقة. 
 

لكنها لم تتوقف عند بيع الخبز بعد ابتعاد بناتها في الحياة. بل أكملت مشروعها الاقتصادي وطورته إلى بيع المنتجات الريفية التي تصنعها وحققت رواجاً. ثم قامت بتقديم فقرة المطبخ في إذاعة محلية باسم مستعار وبشكل سري، هرباً من التعليقات وثنائية الحلال والحرام التي تحكم القبضة على تجارب النساء كما حدث لتجربة أم بيسان حين حوربت لأنها أسست شركة ألبان وأجبان بآلات كندية.  كانت فقرة الطبخ التي تقدمها مجانية لكنها نافذة لتحلق بعيداً من فضاء القرية المحدود.
 

منذ البداية ظهر تفوق وعي نبيلة على محيطها، حين كانت تلجأ إلى الشيخ طاهر لتطرح الأسئلة التي تشغلها، فيجيبها حتى يطمئن قلبها، ورغم معرفة اهل القرية، أن الشيخ طاهر الورع التقي قد اعتزل رفاقه لأنه يخالف أسلوبهم في إدارة الأمور، إلا أنهم لم يتبعوه واكتفوا بتقديره عبر تعليق صورته في بيوتهم.
 

هذا الوعي ساعدها في إيجاد حلول دائماً للمشاكل التي تصادفها والحفاظ على ألفة الأسرة، والتقرب من زوجها، وايصال أفكارها له، ولو عبر رسائل من حسابها على وسائل التواصل الاجتماعي باسم مستعار، علّه يرى الأمور من وجهة نظر بعيدة من الخلافات العائلية. 
 

اهتمت نبيلة بإعادة تدوير الأشياء التالفة وما يرميه الآخرون، وتحويله إلى قطع جميلة، وهو ابداع آخر توازي به الصايغ قدرة المرأة على إعادة تدوير الواقع ونقله إلى مستويات أخرى من التغيير الممكن.
 

يأتي عنوان الرواية من ولادة نبيلة قرب موقد مشتعل فكانت ثمرة النار، وما يحمله العنوان كعتبة أولى للنص، من ايجاز لكينونة المرأة التي تخرج من رحم نار المعاناة. 
 

ترى الصايغ ان كبت الألم والحالة النفسية المهترئة، سبب انحدار الصحة، إذ تنتهي نبيلة إلى الإصابة بالسرطان ثم الموت بعد رفضها العلاج الكيماوي. 
 

تشتبك قصة نبيلة بوعيها الفطري، في مفاصل كثيرة مع قصة أمل، التي انتقل صدامها مع الواقع، هنا، إلى مستوى أعلى من الرفض المباشر لهيمنة رجال الدين على الوعي الشعبي ومحاربتها علناً، والسعي لإعادة الاعتبار لأصحاب القصص التي خرجت عن الطوق، إذ تقدم برنامجاً متلفزاً عنهم، محتفظة بسيرة والدتها السرية لتضيء عوالم الإبداع داخلها. 
 

وعلى مدى 365 صفحة، يأتي السرد بأسلوب مشوق ولغة أدبية مشحونة بالمشاعر والأحاسيس غنية، تقترب من الشعرية في لقطات كثيرة، تدخل إلى أعماق الشخصيات وصراعاتها الداخلية متنقلة بين الحاضر والماضي لتقاطع الحكايات والشخصيات فتصبح الحكايات الثانوية في قلب الحكاية الأصلية ومؤثرة فيها، وتكتمل الصورة فيها. فشخصياتها من عمق الواقع ولهذا فهي قريبة ومؤثرة تستحوذ على مشاعر القارئ وتعاطفه. 
 

في روايتها "ميثاق النساء"، رأت حنين الصايغ أن ميثاق النساء الحقيقي هو آلامهن في معاناة ممتدة، لكنها في "ثمرة النار" تعيد إنتاج فكرتها فنرى أن هذا الميثاق يتحول إلى التجربة الأنثوية الفاعلة التي تستمر ويتم تناقلها كسباق التتابع جيلاً إثر جيل. 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث