تتّخذ الكاتبة اللبنانية لورا مقدسي من اسم الشخصية المحورية عنوانًا لروايتها الرابعة، "سامي هاني خواجة"، الصادرة مؤخّرًا عن دار الآداب في بيروت، فيشكّل العنوان مفتاحًا مناسبًا للمتن الروائي. ذلك أنّ الأحداث، بنوعيها المعيش والمتذكَّر، تتمحور حول شخصية سامي، وتتناول محطّات مختلفة من حياته، تعكس تحوّلات الشخصية، والظروف القاسية التي نشأت فيها، وتأثير تلك الظروف فيها، وتدفعنا إلى الاستنتاج أنّ سامي هو ضحية اللحظة التاريخية التي عاش فيها، يرزح تحت وطأتها غير المباشرة، وتقع عليه تداعياتها، حتى إنّ ما يقدم عليه من سلوكيات، يبدو، للوهلة الأولى، نتاج إرادة حرّة، هو، في الواقع، من تداعيات تلك اللحظة، وانعكاس متمادٍ لوطأتها الثقيلة، وبذلك، تكون الشخصية المحورية في الرواية صنيعة الظروف أكثر ممّا هي صانعتها.
انفجار مرفأ بيروت
تبدأ أحداث الرواية من واقعة انفجار مرفأ بيروت التي تشكّل ذريعة زمنيًّة وحدثيّة لاستعادة وقائع حياة كاملة؛ ذلك أنّ سامي يجد نفسه، عصر الرابع من آب 2020، في حفرة تحت ركام منزله في الأشرفية، يمكث في الحفرة ثمانية أيام، ينتظر أن يأتي أحد لإنقاذه، لكنّ أحدًا لا يأتي. وهذه الأيام هي زمن الوقائع المعيشة في الرواية، يستعيد فيها سامي تجربته الفاشلة مع الحياة، بمحطّاتها المختلفة. من هنا، لا تتناول الرواية انفجار المرفأ موضوعًا لها، بل تتّخذ منه إطارًا لاستعادة محتوى حياة كاملة، هي زمن الوقائع المتذكَّرة.
فوجود سامي في الحفرة تحت الركام، بين الحياة والموت، يشكّل فرصة للمواجهة مع الذات، على عتبة الموت، فيتذكّر محطّات من حياته، فيما يشبه فعل اعتراف متأخّر كثيرًا عن موعده، يتلو فيه فعل الندامة عن خطايا كثيرة ارتكبها بحقّ الآخرين. ولعلّ هذه المواجهة مع الذات شكّلت آلية دفاع له، بحيث تحوّل العكوف على الداخل إلى حبل نجاة من الخطر المحدق به من الخارج. والمفارق أنّ هذه المواجهة المتأخّرة عن موعدها لم تكن لتحصل لولا الإقامة الجبرية تحت الأنقاض، ما نستنتج معه وجود علاقة جدلية بين الخارج والداخل.
الخارج والداخل
يتمظهر الخارج، في إطار هذه العلاقة، فيما يتناهى إليه من أصوات من خارج الحفرة، أو ما تقع عليه عيناه في داخلها، أو ما يتوهّم حصوله على السطح، أو ما يتخيّل وجوده. فتستدعي الواقعة الخارجية، المسموعة أو المرئية أو المتوهّمة أو المتخيّلة، ما يتعالق معها، بشكل أو بآخر، من الذكريات الداخلية. ويتمظهر الداخل في هذا الكمّ من الذكريات المستعادة المتعلّقة بنشأة الشخصية، وظروف عيشها، وطبيعة علاقاتها، وتحوّلاتها المختلفة. مع الإشارة إلى عدم التناسب بين المعيش والمتذكَّر، من حيث الزمان والمكان والكمّ والنوع؛ فالمعيش يحدث في ثمانية أيام، في حفرة تحت الركام، ويتناول عددًا محدودًا من الوقائع المتشابهة، بينما المتذكّر يشمل حياة بكاملها، في فضاء روائي مترامي الأطراف، ويتناول وقائع كثيرة ومتنوّعة.
على أنّ الذكريات المستعادة لا تخضع في استعادتها للخطّية الزمنية، بل ترتبط بالوقائع التي تستدعيها، وقد تتمّ استعادة الذكرى نفسها بأشكال مختلفة تبعًا لسياق الاستعادة والواقعة المحرّضة عليها، ما يترتّب عليه عدم التناسب بين توقيت استعادة الواقعة المتذكَّرة وتاريخ حصولها، فربَّ محطّة متأخّرة في حياة الشخصية تُستعاد في مرجلة متقدّمة من السرد والعكس صحيح. ومن خلال هذه الآلية، نتعرّف إلى كمّية من المحطّات المؤثّرة في حياة الشخصية المحورية، وإلى كيفية تأثيرها فيها، ممّا ترد الإشارة إليه أدناه.
كمّيّة المؤثّرات
في كمّيّة المحطّات المؤثّرة، نشير إلى: ولادة سامي في العام 1975 الذي اندلعت فيه الحرب الأهلية اللبنانية. اختطاف والده أمام الجامعة الأميركية في العام 1990 واقتياده إلى سجن تدمر واختفاء أثره هناك. انخراطه في الحرب الأهلية وإصابته فيها. انقطاعه عن الدراسة. سفر أخته هنادي إلى باريس. موت أمّه وداد لاحقًا. انتحار صديقه عصام. فشله في الحب. تعثّره في التجارة. عدم إنتاجية رحلات العمل وغيرها. وبذلك، تتضافر عليه مجموعة من الخيبات المتتالية، الأسرية والعاطفية والدراسية والعملية، وتترك أثارها على شخصيته، وهو ما يعبّر عنه بالقول: "أشعر أنّ خيباتي المتتالية جعلت منّي رجلًا غضوبًا، بذيئًا، متوهّمًا أنّ أحدًا لا يحبّني لذاتي، بل لثروتي التي لم أجنها بعد" (ص 124). على أنّ هذه الصفات هي غيض من فيض ما تركته الخيبات المتتالية على الشخصية، ممّا يتعدّى الغضب والبذاءة والتوهّم إلى اليتم والحزن والوحدة والغربة والندم والسأم والشعور بالذنب والفشل وغيرها، وهو ما تتمخّض عنه الوقائع المسرودة.
خطف الأب
في كيفيّة التأثير، يقلب اختطاف الأب حياة الأسرة رأسًا على عقب؛ فتعكف الزوجة على حزنها، ويشعر الابن باليتم، وتسافر الابنة قاطعة الأمل من عودة الأب. يدفع تقلّب المزاج والفراغ العاطفي سامي إلى القيام بزيارات دورية إلى الكسليك، يواقع فيها المتعة الجنسية، حتى إذا ما شعر بالسأم، يقلع عن تلك الزيارات. يتزوّج بالشقراء الأوكرانية أولغا التي تعرّف إليها في إحدى الزيارات، غير أنّ الرجل الشرقي فيه، يستيقظ على حين غرّة، فيتذكّر عملها السابق، ويطلّقها رغم حملها بجنينه، ويتولّى أمر ترحيلها إلى بلادها، ليتردّى بعدها في حالة من الندم لات ساعة مندم، ويطوي النفس على شعور بالذنب. يلوذ بالويسكي وأخواتها حين تحاصره الوقائع القاسية. ينزلق من حيث لا يقصد إلى خيانة صديقه عصام والوقوع في شرك زوجته ما يؤدي إلى انتحار الصديق. يحاول الانتقام من الحياة بالسعي وراء المال وتبذيره على ملذّاته ما يؤدّي إلى إفلاسه. يطلب من أمّه رهن المنزل العائلي للمصرف كي لا يقيم عليه دعوى إفلاس، فترضخ له بدافع من الضعف الأمومي. يستدين من أخته ولا يعيد لها سوى الجزء اليسير من الدين، ما يجعل العلاقة بينهما تتقهقر من الحب إلى الصمت فالنفور.
وهكذا، تتضافر عليه حسابات الربح والخسارة وقصص الغرام غير المكتملة والدراسة الجامعية المتقطّعة والتجارة المتعثرة ورحلات العمل غير المنتجة لتجعله يتردّى في حالة من الازدواجية بين ما يحلم به وما يعيشه، يعبّر عنها بالقول: "أعيش في النفاق. أحمل سلاحًا للوجاهة، أتظاهر بالثراء وأنا مفلس، أمارس الجنس من دون لهفة، وأشرب الخمر إلى أن ينشقّ رأسي إلى نصفين، ثمّ أكدش سريري البارد كما أكدش سندويش اللبنة آخر الليل، وأنام نومًا متقطّعًا. ولا أبالي" (ص 231)، من جهة. ويتردّى في حالة مركّبة من الوحدة والغربة والعزلة والكره، يعبّر عنها بالقول: "أعيش من دون أب وأم وشقيقة، من دون زوجة وأولاد، من دون أقارب أو أصحاب" (ص 236)، من جهة ثانية. وتكون الطامّة الكبرى حين يجد نفسه، تحت ركام منزله، بين الحياة والموت. ولعل قوله في نهاية الرواية: "أغمض عينيّ استسلامًا" يشي بأنّه إلى الموت أقرب منه إلى الحياة.
مصائر قاتمة
وعود على بدء، إذا كانت الشخصية المحورية في الرواية ضحية اللحظة التاريخية، المتمثّلة بالحرب الأهلية وتداعياتها، فإنّ هذا التوصيف ينطبق، بشكل أو بآخر، على الشخوص الأخرى المتمحورة حولها، وإن كانت تمظهرات التضحية تختلف من شخص إلى آخر؛ فالأم وداد تتحوّل إلى مقيمة دائمة في خيمة مفقودي الحرب وتنتهي مدهوسة أمام تلك الخيمة. والأخت تختار المنفى الطوعي في باريس، بعدما تقطّعت الأسباب التي تصلها بوطنها. والصديق رمزي يسافر إلى أميركا. والزوجة أولغا تُجبَر على العودة من حيث أتت. والصديق عصام ينتحر. وهكذا، تتمخّض الحرب وتداعياتها عن مصائر قاتمة تخني على ضحاياها، وتتراوح بين الموت تحت الأنقاض، والموت دهسًا، والنفي طوعًا، والهجرة قسرًا، والانتحار قهرًا، وغيرها. وعليه، "سامي هاني خواجة" شهادة روائية على تداعيات الحرب المتمادية التي شكّل انفجار المرفأ ذروتها. ولورا مقدسي شاهدة عيان بامتياز.




