معارك إيليا أبو ماضي: من طه حسين إلى يوسف الخال

سليمان بختي الثلاثاء 2026/05/12
Image-1778569382
يقول الخال: "هاجمني بمقالات لا تشرف سمعته الأدبية، فلقبني بجرذ الهدى، ولقبته بدجال بروكلين"
حجم الخط
مشاركة عبر

يعتبر الشاعر إيليا ابو ماضي 1889-1957 أحد أكبر شعراء العربية في لبنان والمهجر. وأحد أركان "الرابطة القلمية" في المهجر الاميركي مع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة. وهو سليل الهجرتين اللبنانية إلى مصر وأميركا. لُقب بشاعر الفكر وهو الذي مزج الجمال والحب ليدرك المعرفة والحكمة والحيرة والتأمل. يقول: "أنا بالحب قد وصلت إلى نفسي/ وبالحب قد عرفت الله".

 

ولد إيليا ابو ماضي في المحيدثة، بكفيا. تخرج في المدرسة اليسوعية الابتدائية شاعراً. ولمدرسة بكفيا أن تفخر بأنها خرجت شاعراً كبيراً بالابتدائية والباقي على نفسه. يقول: "وفي الليل كنت أدرس النحو والصرف تارة على نفسي وتارة في بعض الكتاتيب". هاجر إلى الإسكندرية في العام 1901 وأقام في مصر ثماني سنوات وأصدر خلالها ديوانه الأول "تذكار الماضي" على نفقته الخاصة في المطبعة المصرية. ولأبي ماضي، إضافة لهذا الكتاب، "ديوان إيليا أبو ماضي"(1919) و"الجداول" (1927)، و"الخمائل" (1940)، وبعد رحيله أشرف الشاعر اللبناني جورج صيدح على إصدار ديوانه الخامس "تبر وتراب".


أحب أبو ماضي مصر وكتب يصف أهلها بأنهم "أحن على الحر من أم على ولد". وفي قصيدة "عيد النهى" كتب: "وطنان أشوق ما أكون إليهما/ مصر التي أحببتها وبلادي".

جبران خليل جبران.jpg
جبران: "إيليا أبو ماضي شاعر كبير يصعد الملاء الأعلى ولكن على سلم أبقى وأقوى من الجبال"

كان هم إيليا أبو ماضي التجديد في الشعر وهوجم بقوة بسبب هذا الاتجاه، وكان أشهر مهاجميه وناقديه عميد الدب العربي د.طه حسين الذي كتب في كتابه "حديث الاربعاء" عن ديوان "الجداول" قائلاً:" إن به شيئاً من فساد النحو... ونحن مضطرون الى الكثير من التحفظ، وإلى الكثير من السخط، وإلى الكثير من الضحك أحياناً... ومصدر هذا كله أن الشاعر لا يحسن علم الألفاظ والأوزان وهو يريد مع هذا أن يقول الشعر". وردّ إيليا ابو ماضي على نقد طه حسين رداً عنيفاً قائلاً: "لقد كتبت عني وكأنك تكتب عن أحد الشعراء الذين في محيطك، وانصرفت عن النظر في معاني قصيدة "الطين" التي لم تنظم ليغنيها عبد الوهاب ولا لتنشدها أم كلثوم بل للتعبير عن فكرة، وتقريبها إلى الإلهام، وقصيدة من طراز "الطين" يجب أن يكون لها عند أديب كبير مثلك شأن أكبر من مؤاخذة ناظمها. لأنه اختار الدال الساكنة التي ينقطع عندها النفس". ويضيف: "هل رأيت في كل ما رأيت من الدواوين الحديثة التي صدرت بالعربية قبل "الجداول"، ديواناً مثله يدوي فكرًا وشعراً وفلسفة في قصائد لم يسبق أن نزل مثلها في ديوان الشعر العربي كله".


لا شك أن هذا الرد بقدر قسوته، فيه شيء من الزهو والنرجسية. أو كان إيليا أبو ماضي كان يستند على ما قاله جبران في شعره وأنصفه إذ يقول: "إيليا أبو ماضي شاعر كبير يصعد الملاء الأعلى ولكن على سلم أبقى وأقوى من الجبال. يصعد بعزم الروح ويتمسك بحبال الفكر، ويملأ كأسه من عصير أرقّ من ندى الفجر ويملاها من خمرة الخيال. والخيال هو الحاذي الذي يسير أمام مواكب الحياة نحو الحق والروح".
 

هاجر أبو ماضي من مصر إلى سينسيناتي-أوهايو، مساعداً لشقيقه مراد في متجر الدخان. تعرّف هناك إلى الصحافي نجيب دياب، ونشر في جريدة "مرآة الغرب" قصيدة "أمة تفنى وأنتم تلعبون". ونشر أيضاً في "المجلة العربية"، ثم عمل محرراً في جريدة "الفتاة" لصاحبها شكري بخاش، وبعدها تفرغ لسنوات في تحرير "مرآة الغرب" قبل أن ينشئ جريدته "السمير". في العام 1920 أصبح أبو ماضي عضوًا فعالاً في "الرابطة القلمية" التي أسسها جبران وساعده نعيمة. وصحيح أن كتاب "ديوان إيليا ابو ماضي" الصادر في 1919 كتب مقدمته جبران. والصحيح أيضاً أن ديوان "الجداول" الصادر عام 1927 كتب مقدمته ميخائيل نعيمة، وكلاهما أغدق عليه الثناء والإشادة. لكن علاقته مع الرابطة القلمية شابها بعض الجفاء. علموه كيف يجفو فجفا. وردّها أبو ماضي إلى أنهم يظنون أنفسهم آلهة ويعرفون بعضهم قبل وصولي وقبل تأليف الرابطة. وكانوا معروفين في الوسط الأدبي قبلي وعاملوني باستعلاء. وهكذا أنا لم أفعل سوى مبادلتهم الشعور". لكن معركته مع الرابطة القلمية لم تفسد للود قضية ولا للإبداع باباً ولا للفرقة مجالاً. 
 

675045.jpeg
يوسف الخال: "لفق ضدي اتهامات معيبة ساقطة...لكن هذا لا يمنع تقديري لشعره"

وظل إيليا أبو ماضي جاهزاً لكل معركة، إذ خاض معركة جديدة مع جريدة "الهدى" لصاحبها نعوم مكرزل وهذه المرة مع الشاعر الشاب يوسف الخال (1917 – 1987). فقد أوكلت ماري نعوم مكرزل إدارة تحرير جريدة "الهدى" إلى يوسف الخال في مطلع 1954 وحتى منتصف آذار 1955، واندلعت المعركة بينهما بسبب نفوذ جريدة "السمير" على الجالية اللبنانية ومحاولة "الهدى" انتزاع هذه المكانة والهالة. ويوضح يوسف الخال في مقال بعنوان "سيرتي"، أورده مؤرخ مجلة "شعر"، الأب جاك اماتاييس في كتابه "يوسف الخال ومجلته شعر" 2004، يقول الخال: "هاجمني بمقالات لا تشرف سمعته الأدبية، فلقبني بـ"جرذ الهدى" ولقبته بـ"دجال بروكلين" ولفق ضدي شخصياً وتاريخياً، اتهامات معيبة ساقطة، وبعد هذا كله راح يفاوضني، بعد عودتي إلى الوطن على نقل جريدته "السمير" إلى الوطن ومساعدته في تحريرها". وأضاف: "الخصومة التي كانت "الهدى" و"السمير" مسرحاً لها ما زالت حديث الناس هناك حتى اليوم. لكن هذا لا يمنع تقديري لشعره، لا لشخصيته. فحين مات سعيت بمعونة جورج صيدح، إلى إقامة حفلة له في المنتدى الكبير في جامعة بيروت الأميركية العام 1957".
 

غير أن هذه الشخصية المشاكسة في التعامل، نراها تتناقض وطبعه المتفائل في شعره والحياة. فقد روى لي الصديق علي غندور، وهو من القلائل الذين عرفوا أبو ماضي في نيويورك من قرب وأحبوه وصادقوه، فقال إنه أثناء دراسته في نيويورك كان يطيب له السهر مع إيليا أبو ماضي و"الغرف من ثقافته في الشعر العربي قديمه وحديثه. أيضاً من حسه المرح وطبعه المتفائل".


حمل إيليا ابو ماضي في شعره، الغنائية الرقيقة العذبة التي دفعت بمحمد عبد الوهاب إلى اختيار قصيدة "لست أدري" لتلحينها ثم غناها عبد الحليم حافظ. وغنى له ناظم الغزالي قصيدة "أي شيء في العيد أهدي إليك يا ملاكي". وغنت له فيروز قصيدة "وطن النجوم" و"أيها الشاكي"، والأغنيتان من تلحين خالد أبو النصر. 


هذه صور من معارك إيليا أبو ماضي ووقفاته في الشعر والحياة. وعلى قدر ما تبدو متناقضة ربما أو قاسية، إلا أنها تعكس غالباً شساعة الضفاف بين الشاعر والقصيدة والحياة والشعر.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث