جميل ضاهر: عروس قصقص وعاطف نجيب

المدن - ثقافةالثلاثاء 2026/05/12
GettyImages-1146273422.jpg
الجيش السوري في لبنان (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

(*) هذه المدونة نرها الإعلامي جميل ضاهر في فايسبوك، بالتزامن مع محاكمة الضابط السوري عاطف نجيب في دمشق... والمقطع الثاني كتبه صديق جميل بعدما قرأ هذه المدونة.


أُصيبت والدتي بذبحة قلبية، ما استدعى نقلها من شبعا إلى بيروت.
أُدخلت مستشفى المقاصد، وبقيت هناك حوالي عشرين يومًا. كان لي صديق يعمل في قسم الأشعة، وكنت أمضي بعض الوقت معه ومع أصدقائه في القسم. معظمهم كانوا أناسًا لطفاء.


خلال تلك الأيام، بدأت أعتاد رائحة المطهّرات، وصوت عربات الإسعاف، ووجوه الناس الخارجة من الطوارئ. في المساء كانت تصل الحوادث تباعًا: محروق، مكسور، ضحية حادث سير، أو عامل سقط من ورشة بناء. تمر الوجوه سريعًا، لكن بعضها يبقى عالقًا في الذاكرة.


من بين كل ما رأيته هناك، بقيت قصة واحدة لا تفارقني.
كان موكب عرس خارجًا من الضاحية باتجاه الروشة. السيارات مزينة بالورد، والزمامير تملأ الطريق. وعند مرورهم في منطقة قصقص، حيث كان حاجز للجيش السوري، أطلق الجنود النار على سيارة العروس، لسبب لا أعرفه حتى اليوم.


وصلت العروس إلى الطوارئ بفستانها الأبيض. أتذكر جيدًا كيف كانت بقع الدم تنتشر على القماش الأبيض بسرعة مخيفة، كأن الفستان نفسه ينطفئ أمامنا. في تلك الليلة، بدا المستشفى كله وكأنه دخل غرفة العمليات. هرع الأطباء لإنقاذها، حتى بعض الجرّاحين حضروا من بيوتهم. عشرات الناس تبرعوا بالدم، وتجمهر آخرون أمام المستشفى بوجوه مشدودة، كأنهم ينتظرون نتيجة حرب صغيرة.

 

لكن العروس ماتت. بعدها، ساد صمت ثقيل في المكان. الحزن لم يكن داخل المستشفى فقط، بل امتد إلى الشارع كله. رأيت الغضب في وجوه الناس، والأسئلة التي لا تجد جوابًا: ما الذي يدفع جنديًا إلى إطلاق النار على عرس؟

عشت تلك الفاجعة مع الجميع. حتى أمي، التي كانت ترقد بقلب متعب ومكسور، بكت بصمت على العروس. 

****

كتب لي صديق بعد ما قرأ هذه القصة:
بيوم من الأيام، كنت سايق سيارة إسعاف شعبي تابعة لكمال شاتيلا. السيارة كانت معطّلة ومقطوعة بالطريق، فقمت ربطتها بحبل بسيارتي وسحبتها من الملعب البلدي لحد صيدلية النجمة بآخر الفاكهاني. مرقت من قدّام كراج درويش عادي، وما صار شي. وأنا راجع، وقفني الحاجز. العسكري قلي:
"بدي بدلة عسكرية متل تبع الدفاع المدني".
قلتلو: "أنا عم بخدمن بس للشباب، روح لعندن عالمكتب وخد بدلة منهن".
تركني ومشيت. بعد الحاجز مباشرة كان في محل فليبر لأبو وليد، كنا نقعد نلعب بايبي فوت. لعبنا وقضّينا الوقت وكل شي كان طبيعي.


تاني يوم بعد الضهر، رجعت لعند أبو وليد. صفّيت السيارة قدّام المحل، وبلشنا نلعب عادي. بعد شوي، بيجي نفس العسكري يضرب عالسيارة ويصرخ: "مين صاحب السيارة؟"
طلعت لعندو بالسيارة ووقفت عند الحاجز. أول ما وصلت، قلي: "ما قلتلك بدي بدلة؟"

رجعت قلتلو نفس الحكي. فجأة، وبكعب الكلاشن، ضربني ع وجهي. كان زجاج الباب مرفوع شوي، فانكسر الزجاج والكعب إجى مباشرة بوجهي. بهاللحظة فتحت باب السيارة ونزلت ضربتو من كل قوتي، وقع عالأرض.


فجأة التمّ عليي تقريباً عشرين عسكري. صار الضرب بالكلاشنات والرنجرات من كل الجهات… وين ما بدك، ع الراس، ع الضهر، ع الإجرين… خبيط بلا رحمة.
سحبوني عالمكتب بالطابق الأول. والله العظيم ما لمست الدرج من كتر الضرب والسحل. واحد ماسكني من شعري، وواحد من إجري، وواحد عم يضربني ع رقبتي… وصلت لفوق كأني طاير من بين إيديهن.


فوق، كان في دولاب معلّق بحبل. شلحوني تيابي بالغصب، وأنا بعدني عم آكل كل أنواع الضرب والإهانة. شي عشرة كانوا فوق راسي، مزّقوا تيابي تخزيق من كتر الضرب. بالنهاية صفيت واقف بالكيلوت بس. بعدها حطّوني بالدولاب، وجابوا سلك كهربا مجدول… وبلش التعذيب الحقيقي.
ويا معلم، الضرب كان بكل محل بالجسم، بلا رحمة ولا توقّف.
بس بتعرف؟… ما قلت "آه".


والله يا جميل، من كتر ما أكلت قتل، وصلت لمرحلة بطّلت حس. الألم صار فوق القدرة، لدرجة إنو الجسد كلّه صار مخدّر من كتر الضرب. بعد فترة، إجا الضابط تبعهم، وقف قدّامي وصار يقلي: "ابكي… حتى فلّتك".

بس من القهر والغيظ، ما نزلت عيني من عينه. ضليت ساكت، وضليت آكل قتل. لحد ما استويت بالكامل… ما كان في محل بجسمي إلا وأكل ضرب. وكل شوي يرجع يقلي: "ابكي… فلّتك".


بهالوقت، كانوا يفتّشوا السيارة. لقوا هويتي جوّاها. واحد من العسكر سمعته عم يحكي للضابط: "سيدي، فلّت هيدا… من جبل الشيخ. هدول عايشين مع القساوة، ما رح يبكي".
مع هيك، ما وقف الضرب. سحبوني من شعري، وركضوني بالشارع وأنا ما عاد قادر وقف ع إجري. كنت شبه ميت من التعب والقتل. العالم كانت تطلع، بس ما حدا كان يقدر يسترجي يقرب أو يحكي شي.


بعد شوي، وصل الخبر للمرحوم بيّي. إجى لعندن ومعه واحد سوري كان ساكن بلبنان من زمان. كان في عسكري يعرفني ويخدمني، هو اللي حطّني بالسيارة وودّاني ع (مستشفى) المقاصد.
وقتها، يا معلم، ضليت شي 15 يوم ما بقدر امشي من كتر القتل والضرب.
وبتعرف؟ أول ما بلشت الثورة السورية، والله من القهر والحقد يلي كان جوّاتي، ولما سقط النظام، حسّيت حالي رح انفجر من الفرحة. كأنو شي قديم جوّاتي أخيراً انكسر وراح.
بعدها قررت اترك لبنان. رحت عالسعودية، وصارلي 33 سنة ما رجعت.
خلص…
هيدي القصة من سنة الـ91.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث