"ملكة القطن"...السودان عالقاً بين ثورة ونوستالجيا

محمد صبحي الاثنين 2026/05/11
Image-1778479649
رحلة نضج مؤثرة ذات أبعاد سياسية واجتماعية
حجم الخط
مشاركة عبر

للوهلة الأولى يُخيّل للمرء أن اختيار فيلم سوداني للعرض ضمن برنامج مهرجان سينمائي كبير عائد بالضرورة إلى تناوله الحرب الدامية الدائرة حالياً في البلد الإفريقي، والتي أودت بحياة عشرات الآلاف وشرّدت الملايين خلال عامين ونيف. لكن "ملكة القطن"، المعروض أولاً في "أسبوع النقاد" ضمن الدورة الـ82 لمهرجان البندقية، للمخرجة السودانية الروسية سوزانا ميرغني (أول مخرجة سودانية تُنجز فيلماً روائياً)، يُغفل القضية تماماً ويركّز على أنواع أخرى من الصراع، أقل وضوحاً، لكنها معبّرة عن بلدٍ مُنقسم أيديولوجياً واقتصادياً واجتماعياً، حتى قبل هذا الصراع العسكري-السياسي.

 

في الفيلم، المتوّج بجائزتين في مهرجاني "الدوحة" و"سالونيك"، تُعيد مهاد مرتضى، بالإضافة إلى رابحة محمود وطلعت فريد وحرم بشير وآخرين (جميعهم غير محترفين)، تمثيل أدوارهم من الفيلم الروائي القصير "الستّ" (2021)، للمخرجة ذاتها. الأغلب أن المخرجة رأت في فكرة "الستّ" إمكانات لم تُستنفد، فأعادت العمل عليها لتطويرها، بإضافة مدخلات أخرى للقصّة، تستطيع حمل فيلم طويل يُفسح المجال لآراء وأفكار وشخصيات، ويحشد - مثل أغلب الأفلام الأولى - خليطاً من المخاوف والهواجس والتعليقات ضمن أساليب سينمائية متباينة.

 

تدور القصة حول نفيسة، فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، مغرمة بمزارعٍ شابّ من قريتها المعتمدة على زراعة القطن، والتي رتّب والداها زواجها من نادر، رجل الأعمال الثري. تكبر نفيسة على أساطير جدّتها عن مقاومة الاستعمار البريطاني. وبين إرث البطولة وواقع قريتها المهدّدة اليوم بانهيار زراعة القطن، تنطلق نفيسة في رحلة بحث عن خلاصٍ، تتقاطع فيها الأسطورة مع السياسة ومع هشاشة قرية ريفية تحاول النجاة.

الانتقال بقصّة فيلم قصير إلى آخر طويل يستتبعه اختلاف في الاشتغال والبناء. تُبقي المخرجة قصّة نضوج الفتاة محور الفيلم - قصّة كلاسيكية تماماً وخالية من أي مفاجآت كبيرة - لكنها تُعيد صياغتها وتوسّعها، مبقيةً مثلث الحبّ في الخلفية أو حتى في المرتبة الثالثة، تاركة مساحة أكبر للعلاقة بين الفتاة وجدّتها (الست)، المعروفة بـ"ملكة القطن" لأنها قتلت ضابطاً بريطانياً في سنّ المراهقة، لتصبح بذلك مُنقذة القرية، قبل أن تصير الآن زعيمتها المُسنّة والعنيدة. هذه، ظاهرياً، قصّة الستّ، التي تستدلّ بالندوب على يديها لتأكيد أسطورتها. 

 

الحقيقة، إن وُجدت، قد تكون قصّة أخرى، أكثر مرارةً واتساقاً مع "تاريخ" أوسع، ألا وهو تاريخ السودان في ظلّ الحكم الاستعماري البريطاني. ماضٍ يبدو الآن غريباً تماماً على عقول الشباب، مثل نفيسة وزميلاتها، ولم يبقَ منه إلا شظايا قليلة: المبنى القديم المهجور الذي كان يسكنه الضابط البريطاني، وصفحة جريدة مُصفرة، وذكريات الستّ. شخصيتها (بأداء رائع من رابحة محمد محمود) مُتجذّرة في عقلية عفا عليها الزمن في أنحاء أخرى من العالم، بل إنها تجلس طوال الفيلم في المكان نفسه، كما لو جُمّدتْ في ذكرياتها.

 

إلى ذلك، يروي الفيلم المتجذّر في تقاليد قطاف القطن، ماضي السودان الاستعماري البريطاني وحاضر مجتمع لا يزال متمسكاً بالتقاليد. هذه التقاليد، التي تشمل ممارسات عنيفة أحيانًا، مثل ختان الإناث، والزواج المبكر أو حتى القسري، تشمل أيضاً حباً لقطاف القطن التقليدي، والطقوس والأغاني المصاحبة له، والتقاليد الشفهية نفسها. تُظهر لنا المخرجة التغلغل الدقيق للتقنيات الجديدة في المجتمع، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي بفضل الهواتف المحمولة، ولكن أيضاً التعرّض لتهديدات أكثر خطورة، مثل استخدام الكائنات المعدلة وراثياً.

 

بلا ذاكرة، يُكتب للتاريخ أن يُعيد نفسه. وهكذا فهذا السودان، الذي لم يحسم أمره بعد فيما إذا كان سيظلّ يؤمن بالسحر أم لا، بتقاليده الخاصة - التي عفا عليها الزمن الآن، كما يداوم الفيلم تسليط الضوء عليها - يدخل في اتصال (وصراع) مع الغرب، متخفياً وراء المظهر المخادع لنادر، الذي يصل لبيع بذور مُعدّلة وراثياً جديدة لمزارعي القطن. تحوّل المخرجة دوره بمهارة من عقبة بسيطة أمام بلوغ نفيسها هدفها إلى ممثلٍ لتهديد أسوأ، شكل جديد من أشكال السيطرة على القرية والبلد بأكمله: المال.

 

ليس من قبيل المصادفة أن ينتقل رجل الأعمال ويعيش في القصر البريطاني، وليس من قبيل المصادفة أن يكون هذا المنزل نفسه حاسماً في النهاية المحرّرة والحتمية، التي تذكّرنا بمشهدٍ مبدع من مسلسل "لعبة العروش" Game of Thrones، حيث تقوم شخصية أنثوية أخرى - أو بالأحرى، ملكة أخرى - بإشعال النار في قيودها حرفياً. وهكذا، بقصّته الجامعة بين النقد البيئي ودراما النضوج، تتحوّل نفيسة بطلة نسوية جريئة في قلب فيلم يظل عالقاً في منتصف الطريق بين الرغبة في التنديد بتقاليد بالية ورؤية نوستالجية وريفية لسودان زراعي مسالم.

 

(*) يُعرض حالياً في ألمانيا

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث