محمد خضير: على منحدر النهر.."سكيتش" من أجل صادق الصائغ

المدن - ثقافةالاثنين 2026/05/11
Image-1778504529
اللوحة للشاعر صادق الصائغ
حجم الخط
مشاركة عبر

 صورة باهتة، معلَّقة على جدار مقهى صيفيّ في شارع أبي نؤاس، أواسط سنوات العقد السابع من القرن الماضي، وحدها ما  تؤرخ للحظة انفضاضٍ وشيك (هجرة، اشتباك، اعتقال، تخلّ، نشر آخر أعمال جيل العقد الستّيني، موت بطيء وانهيار آمال وتوقف زمن). حادثٌ مأسوي- كوفاة صادق الصائغ- سيرتّب موعداً تراجعياً لجلسة صيفية في مقهى، على منحدر دجلة، في شارع أبي نؤاس. هذا ما يرجع إليه هذا التخطيط السرديّ.


المقهى- أحد الأكشاك المصطفَّة على ضفة دجلة، قسماه داخليّ حارّ ومقفر، وخارجيّ ضاجّ بالأصوات؛ وثمّة صورة متروكة في القسم الداخليّ، باهتة تجمع نقائضَ ذلك الزمان- أخطارَه الوشيكة: عربة مكشوفة تنحدر - هي الأخرى- في ممرّ شارع الرشيد- عربة موديل رولز كلاسيكيّ، مملوكة لسيّد من طبقة الأثرياء، ابنٍ لرئيس دائرة جمرك الرصافة أو ملّاكٍ لبساتين الكرخ. الأمر سيّان، الاختراع الجديد يستقرّ في منحدر الوعي الناجي، غير المتضرّر من قرارات الثورة، يدهمُ الحاضرَ المتباهي باختراعات ما بعد الثورة، ويُعلن عن بقايا سهرات كباريهات وفنادق وحانات فاخرة، قبل أن تزيحها جلساتٌ شعبيّة في مقاهٍ ونوادٍ ومنحدرات نهريّة، كمنحدر دجلة، تلك الليلة. العينان المتنقّلتان بين الفضائين المتجاورين، الملكيّ والجمهوريّ، تعيدان ترتيبَ تاريخ المقهى، بدلالة العربة في الصورة المعلّقة، والنقاش المحتدم حول جيل الغضب (الجيل العراقي الذي يوشك على إعلان انسحابه). 


عيناي تهربان من القسم المكشوف، وتنفذان إلى جدار القسم الداخليّ المقفر، تتبعان عاملَ المقهى، ينتقّل بدأب بين القسمين، حاملاً أقداح الشّاي في الصينيّة المتذبذبة بين ذراعيه. الحركة دائبة بين القسمين، والصورة ثابتة على الجدار، وثرثرة الرجال المحيطين بطاولة لاعبينِ بنرد الطاولة، في ساحة كشكِ المقهى، متواصلة؛ وانسفاح الليل وانحداره نحو المياه المحجوبة وراء أعمدة الإنارة يزيد من اتساع الغابة المحجوبة بالبنايات العالية حول المقهى والشارع والجماعة اللاعبة بنردها. انفضّت الجلسة بعودتي إلى فندقي بمنطقة (المربعة)، مهجوساً بتثاقل شديد لخطوات مجهولة، تتبعني وتنحدر معي في توافق وانتظام. أسرعتُ قليلاً أمام ما هجستُه ظلاً ثقيلاً، كاسراً زجاجَ الصورة المعلَّقة في القسم الداخليّ لكشك المقهى، ويرافقني بخطواته المتمهّلة، في ممرّ الشارع شبه المظلم. 

 

لم يتبدّل الموقع. لم يخفت النشيد. لم يهفت النشيج. لكنّ الانفضاض المتأخّر للجلسة، أخلى المكانَ لتبدّل الصورة وتوازي العناصر التاريخية والطبيعية في تفاصيلها: الشارع/ الغابة، والعربة/ الحيوان الراكض في غابة مظلمة، واللاعب بنرد الطاولة/ روسو الجمركيّ، المتحرِّر من لعنة ساحرة الأفاعي، والقصيدة الناشئة مثل برعم بين أنامل صادق الصائغ. (الاسترجاع مستمرّ، غير آبه بمخاطر الزمن).


 اللحظة المتأخّرة من منتصف العقد السبعينيّ، رتّبَتْ هذا اللقاء: اللاعبان بنرد الطاولة، كانا صحافيينِ في صحيفة يساريّة، والجمْع المحيط كان خليطاً من أدباء العاصمة، يتطفّل على جلستهم زوّارٌ طارئون، قدِموا لشأنٍ عاجل، أو لقضاء وقتٍ مستقطَع من مُدنهم المنسيّة في الشمال البعيد، والجنوب الأبعد من البعيد. والثرثرة نفسها تدور حول جيل ال "beat" الأميركيّ، يستقطبها حديثٌ متصاعد الاعجاب بقطب الجيل المتمرّد جاك كيرواك، وروايته "على الطريق". بينما الشاعر الصائغ ساهمٌ في مطاردة حيواناته السرّية، يقابله فاضل العزّاوي، المتفاخر، على طبيعته، بصدور ديوانه الجديد: "الشجرة الشرقيّة". كانا يحاولان أن يُثبِّتا بجدالهما تاريخ هذا الاجتماعَ الفريد، على تقويم الزمن المحاصر بالتحوّل (كتلك الصورة التي تحوّلت من عهدٍ لعهد، حتى صارت ذكرى غير قابلة بإمساك عناصرها الغابيّة الباهتة).
 

 انتقلت تأثيراتُ الجلسة برمّتها (صورة العربة الفارهة، طاولة النرد، هواجس الجيل الغاضب، أسماء عرفتُها للمرّة الأولى) ورافقتْ استقراري على سريري بالفندق الصامت، صمتَ الموتى، في ليلة سبعينيّة. كان بودّي أن أسِرَّ لأحدِ أعضاء تلك الجلسة بهاجس ما تخيلتُه فالتاً من صورة المقهى، ولعلّي فضلّت بالسرّ أحدَ الشاعرين المتقابلين: الصائغ والعزّاوي- المخترعينِ البارزينِ لحركة الشعر "الكونكريتيّ" أو "الغابيّ". (وددتُ لو أفضيتُ إليهما بسرّ وحوش السّيرك، التي احتوتها قصتي- الصرخة- المنشورة حديثاً في مجلّة الآداب اللبنانيّة. وددتُ أن أدخل لعبةَ الفرار مثلهما، لكن الاشتراك فيها كان سراباً، مجرد أمنيّة. خوف دفين).


 ظلَّ هاجسي متحوّلاً من جلسة لأخرى، ومن نصّ إلى نصّ، ومن صورة إلى صورة، ورافقني سنوات طويلة حتى وقتنا هذا، حينما قرّرت أن أكتب سكيتشاً خُطِّطت أحداثُه في متحف شمع. والحقيقة أنّ تخطيط النصّ المكتوب عن المتحف، يختلف تماماً بشخصياته وعُقدته عن عقدة مقهى منحدر النهر، وما آلَ إليه الحال، بعد الانصراف من الجلسة. ويغمرني الأسف لأنّي لم أبُح بعقدة السكيتش الأصليّة لأحد من أعضاء الجلسة، وظلَّ التخطيط الأصليّ طيّ الكتمان، وحانت إباحتُه.
 

 ما أن وضعتُ خطواتي في ممرّ شارع الرشيد، شبه المظلم،  كدربٍ في غابة، حتى احسستُ باقتراب سيّارة على الجانب الآخر، عكس اتجاهي، وسمعتُ احتكاك توقّف عجلاتها عبر الشارع. انحرفت السيّارة سريعاً واقتربت مقدمتها من موقفي على الرصيف المقابل. كان الموديل قديماً، لكنّها كانت فارهة، مرفوعة السقف. احتلّ السائق الجانب القريب من المقعد الأمامي،  إلى جوار سيدة كثيفة الشعر على الجانب الآخر من المقعد (لا أتخيّل هنا مشهداً من فيلم "غاتسبي العظيم" فلديَّ ثقة بروايتي للحدث المفاجئ، وبكلّ ما سيدور فيه من حوار). 
 

 كدتُ ألتصق بمقدمة الهيكل الفاره للسيّارة، وأحفّ بجانبها الساخن، الغاطس في الظلام، وانعكست التماعاتٌ خاطفة من مادة النيكل التي صُنع منها مقبضُ الباب الأماميّ (ولا دليل على وجود أبواب ومقابض كثيرة في العربة المكشوفة. وظهرَ لي مقبضُ الباب الوحيد كمطرقة كبيرة، أو كنابٍ كبير في جمجمة حيوان مفترس). لفتَ نظري بقوّة، قناعُ السائق الشبيه برأس حيوان ضخم ذي قرن وحيد في جبهته. رفع يده الضخمة بالتحية، فشاهدتُ ساعة لامعة تطوق معصمه. التفتَ نحو المرأة بجانبه، وسمعته يسألها: "هل تمانعين في أن نحمل هذا الفتى الضائع معنا؟".
وقبل أن تجيب المرأة، قلت: "أعتقد أنّي أقصد وجهةً مغايرة. ذاهب إلى فندقي".
 احتجّ السائق بصوت كالخوار: "لا بأس يا صديقي. سنستدير معك حيثما تستدير. الزمن ليس مهمّاً كما تعتقد. فهو في صالح متسكّعي آخر الليل"
 قلت يائساً: "أرجو أن تحرّراني من قبضتكما"
 زعق السائق: "أتظنّ ذلك مقبولاً. أن نترك فتى يافعاً لحاله؟ لا أعرف مَن طردَك وأخلى سبيلك. أكانت غانية تعساء تخلّت عنك؟ أخبِرنا أيّ ملهى أغلق أبوابه دونك".
 قلت: "كنتُ أرتاد دار سينما. كان الفيلم طويلاً، وظننتُ أن لا نهاية له".
 سألني السائق المقنع بقناع وحيد القرن: "وما اسم فيلمك؟"
 قلت: "متحف الشمع"
 قال وحيد القرن: " هذا من الأفلام المدمِّرة للإحساس. ألم تلحظ إنّنا هاربين من إنسانيتنا؟ لو قبضوا علينا لتحوّلنا إلى تماثيل من الشَّمع. أتظنّنا زوجين خطرين؟".
 قلت بحذر: "لا. لا أعتقد ذلك. لستما خطرين مثل أبطال الفيلم. كان أولئك أكثرَ خطورة من أن يُتركوا طلقاء".
 هتف وحيد القرن: "ها أنت اعترفتَ على نفسك. اقفز إلى المقعد وراءنا. وسنقلّك إلى فندقك. أنخيفكَ يا صديقي؟".
دوّت ضحكة السائق المقنَّع في فضاء الشارع الخالي، وارتطمت بالجدران الصامتة، ثم ارتدّت إلى رأسي كالرعود.


 ابتعدتُ بهدوء من مصيدة الرجل الغابيّ، ثم جريتُ بما أملك من قوّة في قدميّ المتعبتين (أيجب أن أقول المخدَّرتين من طول جلسة المقهى؟) وكان جسدي يتداعى كجذع شجرة منخور، ويتهاوى في الممرّ الموحش. (هل توجّبَ أن أتذكّر تفاصيلَ أوسع مما ذكرتُ عن جلسة مقهى منحدر النهر، وأفضي بها إلى الرجل وحيد القرن، بدلاً من فكرة فيلم متحف الشمع؟). أردتُ التخلّص من وضع نهايةٍ لمصادفتي رجلاً من عهود ماضية، ملكيّة أو شمعيّة. مَن يمتلك الحقّ في زجّ الاشخاص في متحف؟ من يحقّ له تسمية الأشخاص، واسترجاع أقدارهم التي لفّتهم في لحودها، هنا أو في أيّ مكان من العالم؟ مَن لي بإمساك زمام قصتي التي أفلتُّ زمامَها. هل أسدلتُ بنفسي فضلةً من ستارة ذلك الجيل، جيل الغضب، أو جيل متحف الشمع؟ شاركوني في مهمتي، أرجوكم!

 

(*) عن فايسبوك
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث