عن ترجمة الأدب من العربية

بشير البكر الاثنين 2026/05/11
Image-1778478915
مجلة بانيبال
حجم الخط
مشاركة عبر

 دور النشر التي تقوم بترجمة الأدب، ليست مؤسسات خيرية تصرف أموالها بلا مقابل، من أجل نقل عمل كاتب من لغة إلى أخرى، وترويجه ليصل دائرة جديدة من القراء. ما يمنحه حياة ثانية، ويعود على صاحبه بالمنفعة المادية والمعنوية، بل هي قبل كل شيء شركات تجارية تتوخى الربح المادي، أو على الأقل عدم الوقوع في الخسارة. وهذا ما يفسر توقف بعض مشاريع الترجمة، أو تخفيض عدد أو نوعية الكتب التي تقوم بنقلها من هذه اللغة إلى تلك، وذلك لأسباب اقتصادية بحتة.


حصل ذلك في مشروع مجلة "بانيبال" الفصلية، الخاصة بترجمة الأدب العربي إلى الإنكليزية. لقد أصدرتها الناشرة البريطانية ماغي أوبانك، وزوجها الروائي العراقي صموئيل شمعون لمدة 25 عاما بجهود ذاتية، وعلى نفقتهم الخاصة. وقد توقفت عن الصدور في نهاية المطاف، لأنها لم تجد في العالم العربي وخارجه من يساعدها على حملها الثقيل، بالرغم من الدور المهم الذي لعبته على مستوى التعريف بالأدب العربي، وبفضلها تم نقل أعمال أدبية لأبرز الشعراء والروائيين والقصاصين العرب للإنكليزية، كما ساهمت بتحريض دور النشر على ذلك، ومن المؤسف أن المجلة أوقفت مشروعها بالإسبانية، بعد الإنكليزية.
 

وفي فترة سابقة، نصح مستشار دار "أكت سود" المتخصصة بترجمة الأدب الأجنبي للفرنسية الكاتب فاروق مردم، المؤسسات الثقافية العربية، بدعم ترجمة الكتاب العربي للغات الأخرى، واقترح إنشاء صندوق عربي لهذا الغرض، لأن الترجمة مكلفة ماديا، ولا تستطيع دور النشر الأجنبية القيام بها من دون المساعدة في تغطية نفقات المترجم، التي تمثل القسط الأكبر من الأعباء، لكن الدول العربية ووزارات ثقافتها، التي تصرف مبالغ طائلة على نشاطات بلا مردود مفيد، لم تضع في حسابها هذا النشاط النافع الذي يستطيع أن يغير الصورة النمطية السلبية للعربي في العالم.
 

لا تقوم عملية الترجمة على جودة كتاب ما بالضرورة، بل على مدى نجاح تسويقه في اللغة المترجم إليها، وهناك أمثله على رواج كتب وكتاب في بعض اللغات، في حين أنهم لا يلقون نفس الاهتمام في اللغة الأم. وهذا يعود في جانبه الأساسي إلى القدرة على التسويق، وهذه عملية مستقلة بذاتها، تقوم على شبكة علاقات عامة واسعة، ودعاية إعلامية، وتنظيم مقابلات للكاتب مع الصحف والتلفزيونات، ولقاءات مع الجمهور، وحفلات توقيع تقترب في بعض الأحيان من إشهار العطور، وتقديم نجوم الرياضة والسينما.
 

هذا الوضع يجيب على العديد من الأسئلة: لماذا يجد كاتب اهتماما للترجمة إلى لغة معينة مثل الفرنسية والإسبانية، ولا يلقى من يكترث به بلغة أخرى كالإنكليزية؟ وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، خاصة على مستوى الفرنسية والإنكليزية، ومنها ما يصلح حيال بعض الكتاب العرب من المغرب العربي. وقد جرى نقل عدد من أعمال بعضهم من العربية الى الفرنسية، في حين لم تهتم بهم دور الترجمة الإنكليزية.


هذا المثال يدل على أن معيار نجاح عمل عربي مترجم إلى الفرنسية مختلف عنه في الإنكليزية، ويتدخل بذلك العامل الثقافي المتين بين الثقافة الفرنكوفونية ومنطقة المغرب العربي التي تحوز على نخبة لا تقرأ باللغة العربية، وهي تحتفظ بعادات ثقافية متوارثة تستمد فيها ثقافتها من نمط حياتي وثقافي ينسحب على عادات أخرى اجتماعية في الطعام واللباس وحتى العلاقات الاجتماعية في الزواج وما شابه.
 

لا نجد معايير الترجمة الفرنسية في نظيرتها الإنكليزية التي هي أكثر مهنية من دون إغفال عامل الربح المادي، وفي الأحوال كافة لن تقوم دار نشر بريطانية بترجمة كتاب لتخزنه في المستودعات، وقبل أن تقرر ترجمة العمل، تقوم بوضع خطة تسويق تضمن فيها عدم الخسارة. 

 

وعلى هذا، تبدو الترجمة الإنكليزية اكثر مهنية، وهذا لا يعني أن دور النشر تتعفف عن اللجوء إلى أساليب غير ثقافية للتربح من وراء الكتب، لكن اختياراتها أضيق من الفرنسية في التوجه إلى جمهور خارج حدودها على أسس محلية، وعلى هذا الأساس لا نجد كتّاباً هنوداَ أو باكستانيين لقوا شهرة باللغة الإنكليزية على أساس توظيف هويتهم الأصلية وتسويق منتوجهم من منظور فولكلوري غرائبي، كما نجد ذلك في حال كتاب عرب لقيت رواياتهم انتشاراً واسعاً بالفرنسية لأنها تقدم صورة سطحية نمطية عن العربي والمسلم، تطابق تلك التي حفلت بها روايات فرنسية في القرون السابقة.


هناك نقطة مهمة تتعلق باستغلال مسألة الانتماءات الأقلية أو الجندرية، وهذا ملحوظ في فرنسا أكثر منه في بريطانيا، وذلك يعود إلى طبيعة النظرة الثقافية للغة نحو ذاتها. ففي حين تبدو الإنكليزية ذات رحابة قادرة على استقبال الأعمال الأجنبية بودّ، يضيق مجال الفرنسية أمام ذلك، التي يبدو أنها لا تمتلك تجربة ومزايا الإنكليزية في التعايش مع الأدب المكتوب باللغات الأخرى.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث