أبعد من "سيريا شفت": السخرية واختبار الحرية في سوريا

علي سفرالأحد 2026/05/10
Image-1778395433
مشهد من أعمال مسرح الشوك في نهاية ستينيات القرن الماضي
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست ثقافة السخرية أمراً يمكن إحالته إلى الأدوات الإعلامية كالتلفزيون والإذاعة وحتى الأدوات المعاصرة كشبكات التواصل الاجتماعي، فالسخرية كمفهوم وتاريخ وممارسة أقدم بكثير من الوسائط التي تحملها، وهي جزء من علاقة البشر باللغة والسلطة والخوف. نشر النتاج الساخر أمر مختلف عن طبيعته، وهذا مثبت من خلال مراجعتنا لتاريخ علاقتنا مع النصوص الساخرة التي كان يكتبها الأدباء السوريون والعرب والعالميون على الورق، وكانت تبهجنا، وتعطينا الإحساس بقدرتنا على أن نسخر من كل شيء بأدوات الكوميديا، بالتورية أو حتى بالتصريح.

 

ذات يوم شغلتنا قصة تقول بأن نصف كتاب "فن الشعر" لأرسطو مفقود، وأن هذا الجزء هو ذاك المختص بالكوميديا، لا بل إن أمبرتو إيكو استند إلى الفكرة ذاتها في روايته "اسم الوردة"، وكان لفكرة غياب هذا الجزء جانبها الموحي، حيث بدا إخفاء الكتاب وكأنه محاولة سلطوية قديمة لإخفاء أسرار الضحك نفسه، لأن السلطة تعرف دائماً أن السخرية تُسقط الهالة التي تحيط بالحاكم.


الإثارة في هذه السالفة مهمة في عالم البحث عن الأسرار الدفينة في التاريخ، لكنها ليست مهمة الآن، والبعض يرى أنها كانت جزءاً من مشاغلة العقل للبحث في الماضي والاستغراق فيه، والإيحاء أنك لن تستطيع أن تسخر طالما أنك لا تعرف القواعد. ولكن أي قواعد تلك التي ستعطل العقل؟ بينما لم يتوقف صناع الكوميديا عن السخرية طيلة مئات السنين بعد أرسطو؟
 

في هذه الزاوية، ثمة فجوة يتسلل منها الرافضون لمبدأ السخرية، تقول بأن هناك أصولاً للسخرية، وأن هناك من يسخر من دون انضباط، ويجب إيقافه، وكل هذا القول محمول على فرض قداسة من نوع ما للشخصية العامة، التي يريد هؤلاء من الجميع أن يحيدوها عن أن تصبح قصتها أو ممارساتها وكذلك أقوالها تدور على ألسنة الناس وقهقهاتهم!

 

ثم إن السخرية نفسها تخضع لاختبار الناس، فأي مادة ساخرة تحتاج لأن تكون جذابة وذكية وقادرة على الوصول إلى الجمهور، وإلا فإنها ستسقط وحدها ولن يتابعها أحد. الكوميديا الرديئة لا تحتاج إلى رقابة، لأن الجمهور كفيل بتجاوزها، بينما تبقى الأعمال الساخرة القادرة على لمس الناس هي وحدها التي تستمر وتتحول إلى جزء من الذاكرة العامة.
 

التداخل هنا بين المفاهيم لا يفيد، فالقصة أقل من البحث في أصل الكوميديا وفصلها. فكل ما كان يفعله الساخرون على مسارح أثينا، وما فعله من لحقوا بهم وهم يعيدون تشكيل ذرى و"إفيهات" الضحك، يقوم على معرفتهم بأن الشخصية التي يتم السخرية منها، بشكل موارب أو بشكل واضح، لديها حلان: إما أن تغضب فتجعل من المضحكين هدفاً لانتقامها، وإما أن تتحاشاهم فتضحك معهم على نفسها، وبالتالي ستجعل الضحك مادة مريحة، وليست قضية تغص بها في سياق تحكمها بالدولة والمجتمع!

 

لا يجد البعض طريقة للرد على نبرة السخرية في عصر السوشال ميديا سوى إحالة الساخرين إلى ضفة "العدو" المتآمر، وهذا أمر يصنع الأذية لمبدأ الحرية الذي يطمح له المجتمع السوري. فبعد 14 سنة من الثورة، وبعد سنة ونصف من تحرير البلاد من النظام البائد، يجد السوريون أنفسهم أمام مفترق طرق في مسألة تتصل بالحريات مباشرة، فإما القبول بالسخرية حتى وإن مست شخصيات رئيسة في السلطة الجديدة، وإما أن تعاد آليات تحصين هؤلاء ومنع تعريضهم للانتقاد، والإيحاء بأن هناك نقداً مقبولاً ونقداً آخر غير مقبول!
 

هذا فعلياً قوام مسألة منصة شارع وتقرير سيريا شفت عنها، والقصة هنا تحيلنا إلى كل ما سبق ذكره من تجارب تاريخية. فهل يرتدع القامعون الذين يتنطحون لممارسة دور الرقابة على الآخرين، من غضب الأوساط الإعلامية وحتى الرسمية مما فعلوه، حين عرضوا العلاقة الوشيجة بين الفلسطيني والسوري للخطر، بناء على معالجة ورؤية خاطئتين؟

 

هنا نجد أنفسنا أمام تفكير يتجاوز الحدث ليعالج أساس الموضوع: إما أن تصبح الكوميديا مادة حاضرة في المجتمع ومن دون أخطار حين تتصل بالسياسي، وإما أن ينسى السوريون الحرية التي حلموا بها في ثورتهم، بسبب فئة تريد إعادة تصنيم السياسيين.

 

ربما يكون من المفيد اليوم الالتفات إلى مفارقة سورية شديدة الدلالة؛ فالكثير من الشخصيات التي مارست السخرية خلال سنوات حكم الأسد، وقدّمت نقداً لاذعاً للاستبداد عبر الكوميديا والتهكم والإشارة الذكية، تبدو الآن صامتة أو مترددة أو بعيدة عن المجال العام. بعضهم انسحب بسبب الخوف من حملات التخوين، وبعضهم شعر بأن المزاج العام لم يعد يحتمل الضحك حين يقترب من السلطة الجديدة، وبعضهم ربما وجد نفسه أمام جمهور يريد من الكوميديا أن تؤدي وظيفة التعبئة فقط، لا وظيفة النقد الحر.
 

لهذا تبدو الحاجة ملحّة لأن تعيد المؤسسات الإعلامية والثقافية استنهاض تلك التجارب، لا بوصفها مواد أرشيفية تخص مرحلة انتهت، وإنما باعتبارها جزءاً من الذاكرة السورية الحديثة ومن فكرة التحرر نفسها. فالسخرية التي واجهت عبادة الفرد لا يجوز أن تتحول إلى سخرية انتقائية، تجرؤ على الماضي وتصمت أمام الحاضر.


إن استعادة أصوات الساخرين الحقيقيين، بكل ما حملوه من جرأة وخفة وقدرة على كسر الخوف، قد تكون واحدة من العلامات الصحية القليلة على أن السوريين لم يغيّروا أسماء السلطة فقط، وإنما غيّروا أيضاً علاقتهم بها.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث