ريم نجمي: عبد الوهاب الدكالي حالة كاملة تسكننا

المدن - ثقافةالسبت 2026/05/09
Image-1778307350
ريم نجمي وعبد الوهاب الدكالي
حجم الخط
مشاركة عبر

التقيتُ عبد الوهاب الدكالي للمرة الأولى سنة 2000، حين كان ضمن ضيوف برنامج "في الواجهة" الذي استضاف والدي يومها، بصفته رئيسًا لاتحاد كتاب المغرب. كنتُ سعيدةً كطفلةٍ تتهيأ لمصافحة أسطورة؛ سعيدة لأنني سأرى الدكالي للمرة الأولى، لا كإسمٍ يخرج من المذياع، بل ككائنٍ حقيقي يمشي بين الناس.


بالنسبة إلينا، نحن المغاربة والمغاربيين، لم يكن الدكالي مجرد مطرب أو موسيقار كبير. كان حالةً كاملة نسكنها وتسكننا. كان جزءًا من ذاكرتنا الحميمة، ومن تفاصيل لحظاتنا الكبرى. عبقرية موسيقية استثنائية جاءت لتأخذ الأغنية المغاربية من محليتها الكلاسيكية إلى أفقٍ كوني رحب، من دون أن تفقد روحها الأولى.


في استديو البرنامج، ورغم امتلائه بشخصيات سياسية وفنية ورياضية مرموقة، لم أكن أرى سوى الدكالي. أردت أن أجلس إلى جواره تحديدًا، لولا أن والدي منح ذلك الامتياز لصديقه وزميله محمد بهجاجي. ومع ذلك، ظللت أختلس النظر إليه؛ إلى بذلته البنفسجية، وإلى ذلك الشال الصغير الملون حول عنقه، كأني أتأمل مشهدًا خارج الزمن.


ومنذ ذلك اليوم، صار الدكالي جزءًا من حياتنا الخاصة، بحكم صداقته بوالدي. وليس غريبا أن تكون صورته مع والدي، رفقة الراحل العظيم عبد الهادي بلخياط، صورة أساسية في صالون بيتنا في الرباط. 


على امتداد ربع قرن تقريبًا، كنتُ أسعد دائمًا بتحياته الهاتفية، وباللقاءات القليلة التي سمحت بها غربتي في ألمانيا. كما سعدتُ يوم منحني شرف محاورته، في لقاء قال عنه هو نفسه إنه كان مختلفًا… ربما بدافع التشجيع، وربما بسبب ذلك الصدق الحاد الذي عُرف به دائمًا.


آخر مرة التقينا كانت في المحمدية، قبل نحو سنتين، في رمضان، حين اجتمع فنانون ومثقفون مغاربة للتفكير في تأسيس ملتقى يجمعهم. كان الدكالي، رغم تجاوزه الثمانين، أول الحاضرين. حضر بكامل أناقته المغربية الروحية، وكأنه ما زال ذلك الشاب الذي يغني للحب وللوطن وللإنسان.


لا يسعني الحديث عنه باختصار كفنان وإنسان عظيم. لكن ما سأذكره دائمًا هو اعتزازه العميق بنفسه وبقيمته، قلقه الدائم كفنان، حرصه الشديد على فنه وتاريخه وصورته… وعلى شبابه الذي لم يكن عمرًا، بقدر ما كان حالة داخلية تدفعه دائماً إلى التعلم والتطوير. وسأذكر أيضًا إيمانه العجيب بالجمال وبالحب، باعتباره القيمة الأساسية في الحياة وفي الأغنية معًا.


في تقديري، ورغم أن الدكالي كان عميد الأغنية المغربية، شديد الحرص على مكانته الفنية، فإنه لم ينل دائمًا ما يليق بعبقريته من تقدير ودراسة. يكفي أن نتأمل كيف كان يشتغل على ألوان موسيقية مغربية متعددة داخل أغنية واحدة مثل "تسارى بلادنا"، أو كيف أدخل المقطع الإسباني وهو يتحدث عن المحتل في "أنا الصحراوي العظيم"، أو تلك الضحكة الساخرة الخالدة في "هذه هي أنت"، أو ذلك السرد الغنائي الآسر في "الدار اللي هناك".


اليوم، حين قرأت خبر وفاته، تمنيتُ من كل قلبي أن يكون مجرد إشاعة، كما قيل في البداية. وحين أُعلن الخبر رسميًا، بقيتُ مختبئة داخل الإشاعة… وسأظل. لأن سي عبد الوهاب، أو السيد العميد كما يناديه والدي، بالنسبة إلينا، لا يموت. الفنان الحقيقي لا يرحل، بل فقط يغيّر العنوان.
 
(*) عن فايسبوك

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث