"يحدث التغيير بسرعة تفوق سرعة إنتاج الأفكار والسياسات الموضوعة للتعامل معه".
الاقتباس أعلاه من كتاب "تعليم المصريين: القيم المدنية والصراعات الأيديولوجية"، ينطبق على الكتاب نفسه، لمؤلفته الباحثة الأميركية ليندا هيريرا، وترجمة أيمن الحسيني (دار المرايا، 2026). حيث أن الفترة الزمنية التي يغطيها تمتد من العام 1990 وحتى العام 2021، مما يجعل بعض من دراساته الأنثروبولوجية أبواباً في التأريخ، وبوضعها جنباً إلى جنب، تتضح بأثر رجعي صورة بانورامية لحقل التعليم في مصر منذ ثورة يوليو وحتى مطلع القرن الحالي.
وصلت هيريرا إلى مصر العام 1986، في برنامج دراسي قصير، وانتهى بها الأمر للإقامة فيها بصورة شبه متواصلة حتى العام 2003. تلك المعرفة الحميمية بموضوعها، مكنتها من تقديم صورة حية ومتعاطفة لأحشاء منظومة التعليم المعقدة والمتشابكة، وذلك على لسان أبطالها ومن خلال العلاقات بينهم، وربط ذلك بأفكار وخطابات وسياسات وطنية وعالمية. على تلك الخلفية، يجمع الكتاب فصولاً أصلية وأخرى منشورة سابقاً أنجزت خلال العقود الثلاثة الماضية.
الفرضية الأولى التي ينطلق منها الكتاب، هي أن التعليم المدرسي هو مرآة لاتجاهات سياسية واقتصادية وثقافية كبرى تشكل "المجتمع الصالح" و"المواطن". وعلى تلك الخلفية، يطرح أسئلة حول المواطنة والانتماء والمشاركة في الحياة العامة بوصفها ميادين للصراع وإعادة التخييل، وأسئلة أخرى عن كيفية تطور الأفكار والسياسات وطرق التمويل والتقنيات والممارسات التعليمية، ولمصلحة من، ولصالح أي أهداف. تعتمد فصول الكتاب على منهج متعدد التخصصات تتم مقارباتها بمرونة منهجية. ويضم، علاوة على الأنثروبولوجيا، علم الاجتماع والاقتصاد السياسي والتاريخ الاجتماعي ودراسات الشباب والتنمية الدولية والنوع الاجتماعي والتكنولوجيا.
في المقدمة، تشير هيريرا إلى الثنائية التي تحكم مفهوم "التربية والتعليم" في البيروقراطية العربية الحديثة، حيث يطرح "التعليم" وعداً بمعرفة جديدة وبالتقدّم الإصلاح. أما "التربية" فترمز في المقابل إلى الاستقرار الاجتماعي والحفاظ على التقاليد. وعلى إيقاع ذلك التوتر بين التغيير والاستقرار، تتوالى أقسام الكتاب الأربعة.
القسم الأول، المعنون "داخل مدرسة إعدادية للفتيات"، يقدم توثيقاً أنثروبولوجيا للعام الدارسي 1990-1991 في مدرسة الفلكي بمنطقة وسط البلد بالقاهرة. من طابور الصباح الذي يجيب على سؤال كيف تصنع المدارس المواطنين، تبرز طقوس الوطنية وغرس الانضباط بطريقة منهجية، وفي مادة الاقتصاد المنزلي حيث تطبخ المعلمة مع التلميذات وجبة سمك، تتكرس التصورات حول الأدوار الجندرية. ويتفاعل المنهج الرسمي مع المنهج الخفي حيث تتجلي تأثيرات الطبقة والمكانة الاجتماعية في السلوكيات والتوجهات.
في المجمل تظهر المدرسة كمساحة للتنشئة السياسية والاندماج في المجتمع الحضري للطبقة الوسطى، ويؤدي البالغون فيها دور السلطة وسط بيئة تشبه العائلة الممتدة. وكما أن هناك منهجاً خفياً، فهناك أيضاً نظام تعليم موازٍ هو الدروس الخصوصية، ويتم استعراض تشكيلة سادية من العنف ولإهانة والإيذاء البدني للطالبات، لإرغامهن على الاشتراك فيها. وفي خاتمة ذلك كله، تمثل الامتحانات عملية مقدسة، ويقوم المدرسون بدور الكهنة الذين يعدون الطلاب لطقوس العبور من بوابات معابد الاختبارات النهائية حيث تتحدد مصائرهم وفرصهم في الحياة.
اللافت هو وصف عملية الامتحانات السرية بمعايير عالية من النزاهة والصرامة، ومن ثم يجري في النهاية تلفيق النتائج. هكذا يكون التعلم مسألة إجراءات إدارية وهوس بالأرقام. ووراء السعي المحموم خلف هذه المؤشرات الكمية، يفقد النظام رؤية أهدافه المفترضة.
في القسم الثاني، يناقش الكتاب التعليم بوصفه مسألة "أمن قومي"، كما وصفه وزير التعليم السابق الدكتور حسين كمال بهاء الدين، وساحة للصراع بين الحكومة والإسلام السياسي، وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين. علاوة على تناول "حملة تطهير المدارس" من الأساتذة ذوي الميول الإسلامية في العام 1992، والتي تضمنت نقل ألف مدرس إلى وظائف إدارية، تتناول هيريرا ظاهرة صعود المدارس الخاصة الإسلامية بوصفها عرضاً غير مقصود لاقتصاد السوق وخصخصة التعليم من جانب، وكونها "تجارب مضادة للقومية" من جانب آخر. إذ اعتمدت تيارات الإسلام السياسي على تقنيات سلطة الدولة لتقديم بدائل لها وتنمية أفكار مغايرة حول الانتماء المدني والهوية الجماعية، وفي هذا السياق قدمت المدارس الإسلامية الخاصة ساحة لممارسة طقوس المواطنة البديلة. بشكل أكثر تحديداً، يناقش فصل بعنوان "تخفيف الحجاب" كيف أصبح زي الفتيات المدرسي ساحة للصراع في الحرب الثقافية بين الإسلاميين وأطراف حكومية.
وعلى خلفية قرار توحيد الزي المدرسي ومنع الحجاب في المدارس الابتدائية، تناقش ظاهرة تخفيف الحجاب في منتصف التسعينيات بوصفها ظاهرة ديناميكية وغير خطية، مدفوعة بالأساس باعتبارات عملية، وتعتمد على أطراف مختلفة من بينها الوزارة والمحاكم وأجهزة الأمن ومديري المدارس والفتيات المراهقات. وفي ذلك، يتجاوز الكتاب تناول هذه الظاهرة بلغة الخيارات الشخصية وتصويرها كدرب من التحرر، كما هو شائع في بعض الأدبيات النسوية حول الجندر والإسلام.
أما في القسم الثالث من الكتاب، والمعنون "الشباب في نظام عالمي متغير"، تدرس هيريرا التدخلات التنموية في مصر بين العامين 1990-2010، في مجال التعليم، وتسائل العلاقة بين القوة العالمية وأولويات الدولة والسياسات التعليمية. والأهم أنها تفحص مفهوم "الشباب" نفسه، بوصفه محوراً رئيسياً في عقيدة التنمية. وفي العلاقة بين العصر الرقمي والشباب وبالأخص جيل ثورة يناير، وظفت الكاتبة علم نفس الأجيال لتطرح أسئلة حول الظروف التي يصبح فيها جيل ما واعياً بوضعه الجماعي وينهض ليمسك بزمام التاريخ. بهذا المعنى لا يعد الجيل مسألة تتعلق بالعمر بل هو موقع مشترك ضمن البعد التاريخي للعملية الاجتماعية. وبالاستعانة بكتاب "الطبقة الهشة: الطبقة الجديدة الخطرة" للكاتب جاي ستاندنغ، يطرح القسم في فصله الأخير ضرورة النظر إلى الشباب في الشرق الأوسط بوصفهم طبقة هشة، أي "بركاريا"، وهي الطبقة الناشئة حول العالم وتعمل في ظروف يغلب عليها انعدام الأمان الهيكلي، وحياتها عابرة وسائلة وتفتقد لشبكات الأمان.
يأتي القسم الرابع، المعنون "هل المدرسة كما نعرفها اليوم في طريقها إلى الزوال؟"، لينظر في ما تصفه الكاتبة بالاندماج السلس والسريع في مصر في التعليم الرقمي، وفي سياسات التعليم من بعد التي عممت أثناء جائحة كوفيد، ومن ثم سياسات التعليم الهجين التي تلتها، بالإضافة إلى واقع التعليم الموازي حيث يتلقى الطلاب معظم معارفهم خارج المدرسة. وبحسب هيريرا، فإن القرار المتعلق بذهاب طلاب الثانوية إلى المدارس ليومين فقط في الأسبوع، يُعدّ المرة الأولى التي تتماشى فيها سياسة الحضور المدرسي مع الواقع الفعلي للتعليم. وهكذا ينتهي الكتاب بما يشبه نبوءة متأخرة بنهاية المدرسة.




