(إلى عباس بيضون)
أذكُرُ موتَ أحبّائي، فاتحةَ سِيرِ دموعي التي كانت ممرًاً قاسياً، ولم أكن قادراً على أن أمسحَ عينيّ وأطرافَ وجنتي الحمر. كان ذلك في أواخر الثمانينات، بعدما أَصابني مجهولٌ في تلافيف دماغي وشلَّ حياتي وعمري. حيث إنّه ذات ليلة، اندلعت اشتباكاتٌ مسلّحة، وكان أبو عمار جالساً في مقعده المعتاد، يتأمّل بين ضوء الـلوكس الخافت والنجوم المعلّقة في السماء السوداء، محاولاً أن يحلّ مسألة رياضية شائكة لها علاقة بخططه ونظرياته الجبرية والحسابية. كان يرتاح أحياناً على وقع ضرباتٍ متقطعة من القذائف والرصاص، بينما ظهره يؤلمه من يومٍ حافلٍ أمضاه في تأمين ما استطاع من مياه الغسيل والشرب لعائلته. إذ، وعلى غير العادة، تفضّلت شركة المياه بتزويدنا بكميةٍ ليترات قليلة من المياه لفترة قصيرة. في تلك الأثناء، كان يعمل بتركيز شديد وإن بدا متكاسلاً ومتوارياً خلف التعب.
تذكرتُ عندما جاءني والدي بهويتي اللبنانية القديمة الصادرة سنة 1969، وسلّمها لي بصمت. كان قد خبّأها طوال تلك السنين الطويلة في جاروره المقفَل. أذكر أني لم أكن قد قرأتُ هويتي بعد. كنت مندهشاً لرؤية هذه الوثيقة، وبلغ ذهولي أقصاه، حين شدّت انتباهي الفقرة المتعلقة بالمذهب الديني. قرأتُ بالحبر الأسود: «مسلم شيعي». أنا الذي كنت ملحدًا وما زلتُ، والذي كان يخلط دائماً بين «شيعي» و«شيوعي» و«شيوع» و«يشوع» و«تشييع»... مرّت في خاطري كل تلك الحروب، ونظرتُ إلى هويتي وضحكت باكياً.
اعتاد والدي أن يطلب كل سنة إخراجات «القيد الفردي» لكل فردٍ من أفراد أسرته، وأحيانًا كان يُجدّدها لدى المختار في بيروت لتعذر الذهاب إلى الجنوب. لا أذكر أنّ فيها أي ذِكرٍ للمذهب. وعلى الرغم من ذلك، كنت لا أحب كلمة «الفردي» و«الأفراد»، لأنها كانت تذكّرني بكلمة «إنفرادي»، في الثمانينات ومعها أخبار وحشة ووحشية الزنازين الفردية التي ذاقها رفاقٌ لي اعتُقلوا في سجون الاحتلال.
تذكرتُ مراهقتي، حين قرأت تلك الكتيّبات الحمراء من السلسلة السوفياتية، ظانًّا أني فهمت شيئًا منها. كنت أظنّ أن عائلتي أبعدتني عن الأديان كلها، لكن البلد فلا... لم يفعل ذلك.
في أيام حصار 1982، قرر أبو عمار أن يتخلّص من تلك الكتيّبات الحمراء، ومن مجلداتٍ ضخمة لِـلينين وماركس وإنجلز والفكر الشيوعي الثوري وما شابه، متخوّفًا من الخطر الذي قد ينجم عن ذلك إذا دخل العدو إلى بيروت وفتّش البيوت فوجدها في بيته. يومها حملها في صناديق مع إخوتي وذهبوا مسرعين إلى إحدى دور النشر التابعة لليسار لتسليمها. وبقي منها صندوقٌ واحد قابع في ركن الشرفة. كانت فيه بعض الروايات العربية والدواوين الشعرية. هل نسيه والدي أم احتفظ به؟
كانت في داخل الصندوق دواوين عباس بيضون. وكانت قراءتها تفتح جرحي المحفور في رأسي بين الصمت والصدمة، حتى تكاد تقودني إلى الغيبوبة.
عندما تدور السهرات ويطول فيها السمر بين اللحظات اللطيفة والجدّية والمرحة، يحدث أن تمرّ ذكرى إحدى «نهفات» شاعرنا الحبيب، الذي فُتحت الأبواب العالمية أمام شعره ودخل رحابها الواسع، وكيف أنه في مرةٍ صار يتنقّل بين أروقة المطار ونسي جواز سفره في بيته، أو في مرةٍ أخرى تاه في شوارع بيروت وغشاوة لياليها، باحثاً عن بيته الذي ضاع بين ثناياها.
وذات يوم، أخبرتني صديقتي عبر الهاتف النقّال (السِلولير) أن حادثاً وقع لعباس عند جسر الرينغ، بعدما صدمته سيارةٌ مسرعة. ثم انهت المكالمة. من هو عباس؟ لم تذكر صديقتي اسم عائلته. بدأت أستعيد كلَّ العبّاسين الذين عرفتهم في ذاكرتي البطيئة، وفجأة شعرت بثقل الصدمة: عباس بيضون، ومن غيره؟ شعرت بالخوف والقلق. هرعتُ إلى مستشفى الجامعة الأميركية لأتبرع بالدم.
هناك، التقيتُ بعددٍ من أقاربه وأصدقائه. قال الممرّض بسرعة: «يللا، من هنا، اقعد على الكرسي، شمِّر عن قميصك، مدّ إيدك». شمّرتُ عن قميصي ومددتُ يدي اليسرى استعداداً لانغراس الإبرة في شرايينها وسحب الدم منها. وبينما كان يعقد الرباط المطاطي على ساعدي، راح يسألني: ما اسمك؟ كم عمرك؟ هل تتعاطى مخدرات؟ هل تأخذ أدوية؟ لاحظ نظراتي المرتبكة، فأجبته: «أتناول دواء Tegretol CR 400 يومياً منذ إصابتي، وسيبقى معي مدى الحياة».
كانت عيناي تتابعان الكيس الشفاف المعلّق، فيما واصل الممرّض عمله ببرودٍ آلي. لكنه ما إن سمع عن دوائي الأبدي حتى توقّفت يداه عن العمل، ثم نزع الرباط المطاطي من حول ساعدي بتأفّف، وانصرف إلى عمله من دون أن ينبس ببنت شفة.
وفي صورةٍ أخيرةٍ ممتدّة، ومن خلال الحرب والأوضاع الممزّقة، رأيتُ صورَ تدمير القرى في جنوب لبنان، ومنها بيتي وحاكورتي وأشجارُها ونباتاتها وحيواناتُها الأليفة وشارعي الذي ألفتُه في بلدة الخيام، في تلك الصور، تحوّل كلّ شيءٍ إلى أطلالٍ موجعة.
بين صدمتي وصراخي الداخلي، فهمتُ أن التدمير لم يكن في الأرض فقط، بل في النفس أيضًا. كانت الحرب تأتي من السماء. بين الركض ورعشات الاختباء والرعب من المراقبة المحكمة من فوق إلى تحت، حيث تلك الطائرات الاستطلاعية (MK) التي لا تتعب ولا تكلّ عن مراقبتنا وتصويرنا، حتى ونحن في «الحمّام عم ن,,را». كان أزيزها يزعج النيام، ويخترق فروة الرأس والجمجمة كأنّها تفتّش في دواخل عقولنا. لا أمان لنا حتى في التفكير.
نزح أناسٌ، وفَقَدَ آخرون أطرافهم، في حين لا يزال البعض تحت الأنقاض ينتظر، فيما قلّةٌ تتقوقع في الأنفاق. لكننا جميعًا نتحرّك تحت المجهر. اجتاح العدو ببطء، فتداخلت مصائرنا وسالت فوق خريطة العالم.
لعمري، كانت حياتي مقسّمةً إلى أشلاء وأجزاء ومراحل، وقصتي الطويلة أخذت تتبلور، محفورةً عبر عشرات السنين. خُطِّط لها طويلًا، كأن العالم كلّه شارك في رسمها، ونفّذ تفاصيلها العدوّ اللدود: القريب، والصديق، والمتربّص، والشقيق... كم من عدوٍّ نال من حياتي!
ومع ذلك، ما زال هذا العدوّ الحاقد يلاحقنا بما استطاع من قوّةٍ وبطشٍ وعنجهية. حتى في محاولاته الفاشلة لإحكام السيطرة علينا، لم تتوقّف أدواته: الهجوم، الحصار، الاغتيال، والاحتيال، مدعومةً من اللوبي الدولي. كأنها «سُنّة الإبادات»؛ منذ الأزل، وإلى الأبد وأهلُ جنوب لبنان بلا ملاجئ تؤويهم، فيما انسدلت على الدويلة القوية - الممتدة قديمًا من منظمة التحرير الفلسطينية وحديثًا إلى حزب الله – "غيبوبةٌ مديدة" و"عمىً استراتيجي"، من اجتياحٍ إلى آخر، ومن مغامرةٍ إلى مقامرةٍ فاشلة. (ولو بُنيت الملاجئ للأهالي لكان ذلك أولى من اختبائهم تحت الأرض).
يا ليتني أذكر موت أحبّائي كما هو، فاتحةَ سَيْرِ دموعي، ممرّاً للدمع والدفع والدفق والهباء، من دون أن أمسح عينيّ وأطراف وجنتي المتعبة. لا أن أكتفي بالتبرّع بوحداتٍ من دمي لرفاقي ورفيقاتي المحتاجين فحسب، بل يا ليتني كنتُ قادراً على أن أتوقّف لحظةً واحدة لأفكّر بكم، يا أحبائي.
