من حيث المبدأ، فن الخزف، أو ما يسمى الخزف الفني، يتمحور حول صناعة أعمال باستخدام مواد مثل الطين، ومن ثم يُمنح المنتَج شكلاً فنياً، الذي قد يكون بلاطات خزفية، أو تماثيل، أو منحوتات، وأدوات مائدة، وغيرها.
يُعد الخزف فناً بصرياً، وبشكل أوسع فناً تشكيلياً، ويمكن أن يكون أعمالاً فنية خالصة، أو قطعاً زخرفية، أو منتجات صناعية، أو أدوات تطبيقية، أو حتى تحفاً. والخزف الفني هو من نتاج فرد أو أكثر، حيث يُصمَم ويُصنَع ويُزين في مصانع الخزف أو في ورش العمل الخزفية.
ليس مجرد ديكور
هذا النوع من النتاج الحرفي، القديم في الزمن، تحوّل تدريجاً من المجال الوظيفي إلى نطاق الفن التشكيلي، مع حفاظه على دوره القديم، فيما يخص الأدوات الصالحة للإستعمال المنزلي أو للزخرفة. بدأ الخزف، او كما يسمى أيضاً السيراميك، ينحو صوب الوجهة الفنية المحضة مع ظهور الفن الحديث، مع ما يعنية ذلك من تجييره وسيلة للتعبير، وليس لمجرد الديكور.
ضمن هذا المنحى يندرج ما يعرضه الفنان التشيكي، جيري بوسفا، لدى LT غاليري (مار مخايل) في المعرض الذي اتخذ عنوان "سيرك". فقد طور الفنان، طوال مسيرته الفنية الطويلة في فن الخزف، لغةً بصريةً تتسم بالإفراط المتعمّد، حيث يمكن رصد الأشكال ذات التعابير المتأرجحة بين مختلف أنواع الشعور الإنساني، إضافة إلى التشريح المبالغ به في بعض الأحيان، والإيماءات المتصاعدة بين الإغراء والكاريكاتير. وإذ يُرسّخ إتقان الفنان التشيكي هذا العبث المسرحي بدقةٍ متناهية، من حيث الإحاطة بالحركة وتجسيدها، فإن الأسطح أتت مصقولة بحرفية مُتقنة، ما يُبرز، أيضاً، التعبير الجامح لشخصياته، مُجسّدةً ذاك الصراع الذي يعتري الإنسان، على أثر المواقف غير المتشابهة، لينعكس هذا الصراع مادة تجسّد ضبط النفس من ناحية، كما الإفراط في ردة الفعل من ناحية أخرى.
على هذا الأساس، سيكون ممكناً تلمّس موضوع الأضداد المتكاملة في معظم أعمال الفنان. فجيري بوسفا لم يغرق قط في قوالب نمطية متباينة، بل ظهر وكأنه يسعى إلى استكشاف تعقيد الهويات. رجل أو امرأة، رجل وامرأة وقط يجلس قبالتهما، امرأة فاتحة ذراعيها، وأخرى يحيط بها ثدياها: لقد سعى الفنان إلى التوازن وتجاوز الخلافات، وذلك بالرغم من أن موضوع السيرك قد يكون بعيداً من التوازن المفقود في أداء الحركة والشقلبة المتعمّدة (كما في أحد أعمال الفنان)، لكن الشخصية تستعيده، أي التوازن، في النهاية.. كي تبقى على قيد الحياة، أو كي لا تتعرّض لأذى، على أقل تعديل، أمام جمهور متطلّب.
الناظر إلى تلك التماثيل قد يضطر أحيانًا إلى الانحناء للدخول في حوار مع العمل الفني. ثمة ما يذكّرنا بأكيو تاكاموري (1950 - 2017) الذي كان نحاتًا ومعلمًا يابانيًا أميركيًا متخصصًا في الخزف. لقد أولى تاكاموري اهتمامًا بالغًا للازدواجية، ليس فقط في التصوير، بل في المادة أيضًا. يُمكن ملاحظة ضربات فرشاته الخطية الحسية وألوان مائية دافئة على الخزف الحجري الصلب. تتكامل سرعة وحيوية الموضوع لدى تاكاموري مع الخزف المصنوع بعناية والمُحروق ببطء، وكثيرًا ما كان يدمج الأشكال البشرية في إبداعاته لخلق هويه حائرة بين عالمين متناقضين بحساسية بالغة. قال الفنان: "اهتمامي ينصب على الإنسانية"، مُظهرًا نفسه كوسيط شعري في مجتمع يزداد استقطابًا، وهذا الأمر يمكن ملاحظته لدى الفنان التشيكي بدوره، ولو بأسلوب شخصي، كما تقتضي الحاجة.
استمد بوسفا أعماله من تراث أوروبي في التجسيد الغرائبي والكاريكاتير السياسي، حيث يُستخدم التضخيم كأداة للنقد. تعمل أشكاله المتضخمة وتشوهاته الإيروتيكية كآليات لكشف الحقيقة، وزعزعة استقرار السلطة، وإظهار عبثيتها. في عالمه المُصطنع، لا يُستهان بالرغبة أبدًا، بل تُعرض وتُضخّم وتُظهر وعيًا ذاتيًا، لتتكشف كسلسلة متصلة من الإيحاءات. تمثيلات النساء قد تبدو أكثر عدداً لدى الفنان من نظيراتها الذكورية، وكذلك كان الأمر في فن العصر الحجري. لقد شئنا العودة إلى ذاك العصر السحيق بعدما تواردت إلى ذهننا أشهر منحوتة نسائية، وأكثرها إثارة للدهشة، وهي "فينوس ذات الأرداف الدهنية"، حيث تشير التسمية إلى تراكم الأنسجة الدهنية في منطقة الأرداف والحوض.
ما بعد الحرب
يُقام معرض "سيرك"، الذي نُسج بين براغ وبيروت، ضمن إطار تاريخي عابر للثقافة البصرية لما بعد الحرب، حيث يُصبح الجسد ساحةً للإيديولوجيا والإفراط. تُعبّر كلتا المدينتين عن أزمنة وأزمة مختلفة، فإحداهما تحتفظ بذاكرة الأنظمة الاستبدادية بينما تُواصل الأخرى مواجهة واقع الانهيار الاجتماعي والسياسي، وفي كلا الطرفين، تُحافظ السلطة على نفسها من خلال الاستعراض. في السياق اللبناني، يتحول هذا الخطاب من المجاز إلى البنية، وتتكشف الحياة السياسية كتكرار وأداء دائمين، مما يُنتج حالة مستمرة من الأزمة المُصطنعة، حيث لا يُمثل السيرك استعارة بل أداة.
وإذ تأسر المنحوتات الطينية الأنظار بتعبيرها وحسيتها وقدرتها على إيصال مشاعر عميقة، فإن كل قطعة هي ثمرة عملية إبداعية معقدة يقوم فيها الفنان بتشكيلها ونحتها ليُجسّد رؤية فريدة. هكذ، يجسد فن النحت الطيني الحديث، كما نراه لدى جيري بوسفا، شكلاً فنياً حياً يشهد على الحوار الدائم بين الماضي والحاضر، بين التقاليد والابتكار. إنه يذكرنا بأن الطين، هذه المادة المتواضعة والقوية في آن واحد، لا تزال مصدر إلهام لا ينضب للفنانين في أنحاء العالم.
(*) يستمر المعرض حتى 13 أيار/مايو2026 في غاليري LT (مار مخايل - بيروت)




