عنجر وعوكر: حين نكتشف الوصاية!

محمد حجيريالخميس 2026/05/07
C:\Users\Rainbow10\Desktop\201504\pic\رستم غزالي.jpg
رستم غزالي في زمن عنجر
حجم الخط
مشاركة عبر

غداة الحرب الأميركية على العراق وسقوط صدام حسين العام 2003، كتبتُ مقالاً في إحدى الصحف بعنوان "عنجر أميركية في العراق"، مفاده أنّ الوصاية الأميركية في العراق، ستكون على شاكلة الوصاية السورية في لبنان، والتي كان مركز استطلاعها في بلدة عنجر البقاعية، وقد كانت (أي الوصاية السورية) تتدخّل في الشاردة والواردة وغرف النوم وزيجات البعض وانتخابات المخاتير والسائقين في لبنان، بل تحكمها بالرنجر. يومها، أزعج المقال صاحب الجريدة التي يقال إنها كانت تتلقى الدعم من ممول أميركي. والنتيجة، منعنا من الكتابة في القضايا السياسية، ولم يقتصر الأمر علينا، فضمن الموجة نفسها أطيح رئيس تحرير الجريدة، على خلفية هل ينشر صور أطفال العراق بعد الغزو أم يهلل لـ"دبابات الحرية"؟


في تلك المرحلة، كانت المعارضة العراقية الشيعية، تتغزل بأصوات الطائرات الحربية الأميركية التي تقصف مواقع نظام صدام حسين وتعتبرها موسيقى. أمين عام حزب الله السابق، حسن نصرالله، في البداية كان متوجساً من الاحتلال الأميركي وطالب بـ"طائف عراقي"، ولاحقاً صار سنداً للفصائل العراقية في تحشيدها الطائفي. ولم يطل الوقت، بسبب أصحاب نظريات "الفوضى الخلاقة" من المحافظين الجدد في أميركا، والغباء المديد لجورج دبليو بوش، حتى أصبح العراق تحت الوصاية الإيرانية. وقد جعل الكاتب والأكاديمي العراقي، كنعان مكية، مقتل رجل الدين الشيعي مجيد الخوئي في 10 نيسان2003، ويوم سقوط الطاغية صدام حسين، العمود الفكري والأخلاقي لروايته "الفتنة"، فبعد هذين الحدثين دخلت العراق في مرحلة أشد بؤساً من الزمن البعثي.

 

في تلك المرحلة، كان كثر من الشيعة في لبنان ومعهم كثر من الطوائف الأخرى، السنّة والمسيحيين والدروز... ممن يدورون في فلك نظام عنجر، يلحون على تسمية الوجود السوري الأسدي في لبنان بـ"الشرعي والضروري والمؤقت"، ويغنون لـ"وحدة المسار والمصير" و"سوريا الأسد" ودمشق قلب العروبة النابض، وكانت "أيديهم طايلة" في إقرار قوانين انتخابية على مقاساتهم، ووظائف ومجالس و"مناهبة" تخصّهم، بينما كانت المعارضة المسيحية في دائرة التهميش والتنكيل أو السجن والمنفى.
 

كانت الوصاية السورية ملعقة ذهب في أفواه بعض السياسيين اللبنانيين من أمراء الحرب الأهلية. ذهبت الوصاية السورية، وحلت محلها بشكل أو بآخر الوصاية الإيرانية، أو حزب الله على الأرض، وحصل فرز آخر. انقسم البلد بين 8 و14 آذار، وكي لا ندخل في التفاصيل المعروفة وطول الكلام، ظلت كما هي استفادة جزء من السياسيين المكيافيليين اللبنانيين أو البراغماتيين، كما في الزمن العنجري السوري. لم يتزعزع المشهد في لبنان إلى أن وقعت حرب الإسناد وسقط النظام الأسدي، ومعهما موجة مختلفة من الوصايات.


المغزى من الكلام أعلاه، هو ثنائية "عنجر/عوكر" التي راجت في الأيام الأخيرة. لنتذكر أن نظام عنجر الأسدي كانت الداعم الأبرز لإسقاط مشروع "عوكر" أو 17 أيار الذي انتهى بعد انتفاضة 6 شباط 1984، بقيادة حركة أمل و"التقدمي الاشتراكي" وتوابعهما، وقد أصبحوا المنظومة الحاكمة منذ تلك الأيام.


الآن لا يتردد بعض اللبنانيين في القول إن 17 أيار كان أرحم من اليوم، والبعض الآخر بشكل غير معلن، يريد الانتقام لإسقاط "17 أيار الجديد" وسياسيات تلك المرحلة، خصوصاً أن الواقع اللبناني اليوم فيه شيء من "العَود الأبدي"، بينما ينتبه الآن بعض ممن كانوا رأس حربة لنظام عنجر، لكوارث تلك المرحلة وبعبعها الأسد، مع سطوة نظام عوكر الذي يتحفنا سفيره بالقول: "شو نتنياهو بعبع؟".


هي بلاد لا تنجو من الوصايات، وحيثما غابت الوصاية نتوسل عودتها.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث