في الفترة المتأخرة وتحديداً سنوات كورونا، ذهبت مع عائلتي الى البوسنة والهرسك وجوارها من المدن المتاخمة التي كانت ذات يوم يوغسلافيا الموحدة، ولم يكن يعرف اللغة الروسية فيها إلا ذلك الجيل الذي عاش تلك المرحلة. أما الجيل التالي فلا يعي ولا يريد جملة من اللغة الروسية. صارت الانكليزية هي الغالبة وبعض لغات غربية كالألمانية المجاورة. وكراهية لا توصف لأي شيء روسي تاريخاً وراهناً.
انقلاب التاريخ في وعي وتصور العالم وطرق المعيش رغم ما قدمه الاتحاد السوفياتي من سخاء يتجلى في البنى التحتية بتنوعها وتعقيدها جبالاً ومدناً وأريافاً. وكان من الخليج والجزيرة العربية الحضور الأكبر لليمنيين الذي يوازي حضور الشامي والفلسطيني واللبناني والعراقي. وبصورة أقل كثيراً كان هناك طلبة من البحرين شباناً وشابات وقد جاءوا عبر جبهة التحرير الوطني البحريني آنذاك والتي غيرت اسمها حين عاد منفيوها وكوادرها الى كنف الدولة البحرينية التي أفسحت لهم مجال العمل السياسي المعارض تحت سقف قوانينها والتزاماتها، فظلت جبهة التحرير تحت مسمى (المنبر الديموقراطي) وهي التي كانت لها حظوة أكبر لدى المعسكر السوفياتي وأتذكر كثيرين منهم أمينها العام عبدالله راشد والكاتب الصديق حسن مدن، الذي ذهب الى موسكو لإكمال دراساته العليا. وهناك الجبهة الشعبية في البحرين التي انضوت هي الأخرى تحت مسمى (وعد) وكان منذ السبعينيات أبرز قيادييها سعيد سيف واسمه الحقيقي عبدالرحمن النعيمي وحسين موسى (العكري) وليلى وبلقيس فخرو والأخوين عبيدلي الذين أسسوا ما سمي بمدارس الثورة في ظفار إبان توحد الجبهة العُمانية البحرينية في إطار واحد.
ولم يكن من عُمان سوى طالب واحد عرفته من الشام اسمه سعيد ناصر واسمه الحقيقي أحمد الوردي عرفت انه من أهالي حلة (العور) في مسقط وكان الوردي المنتمي الى الجبهة قد درس الطب أو التمريض قبل بلغاريا الى موسكو وذهب فترة الى ظفار أيام الحرب الدائرة هناك للعمل والإسعاف. كان يسكن في صوفيا بعيداً عن المكان الذي أسكن فيه (دار فينيتسيا) وكان مستوحشاً حزيناً على الدوام لكن لا تفارقه الشياكة والأناقة حتى أن بعض الطلبة ومنهم خالد درويش يظنونه قنصلاً أو رجل أعمال. كان مستوحشاً رغم معرفته اللغة الروسية التي يتحدثها الجميع. ثم عاد قبلي الى سوريا وحين عدت عرفت انه ذهب مشمولاً بالعفو عما سلف الذي أصدره الراحل السلطان قابوس بن سعيد آنذاك. وأنا أتنزه في حقول الذاكرة بكثير من القلق والحيرة والارتباك، ها هو العام يقترب من نهايته في صوفيا والكتاب الأصفر للغة البلغارية يقترب من نهايته. ضربت أخماساً بأسداس كما يقال. هل أدخل (الفيتز) أو معهد السينما والذي تستغرق الدراسة فيه سبع أو ثمان سنوات فترة ضوئية بالنسبة لمسكون بقلق الترّحل وصدع المكان، الذي بدأ منذ فترة مبكرة من العمر وصار يتلبسني جسداً وروحاً ويطبع معظم سلوكي اليومي ووعيي خصوصاً أن المبنى الجسدي والرغبوي ما زال لم يفُلّ الزمانُ عضده ونزوعه بعد.
بدأت أحشد المبررات لنفسي قبل الآخرين إذ أن هؤلاء لا تهمهم الأمور وإن همتهم من باب العابر والثرثرة فقط. ومما أقنعت نفسي به وعلى الأرجح لتبرير عجزي عن البقاء طوال تلك المدة، أن الكثير من المخرجين الذي أهوى أفلامهم وسيرتهم لم يتخصصوا حصراً في السينما بمعاهدها وأكاديمياتها بل جاؤها من جهات الأدب والرسم وغيره وتربعوا على عرشها علاماتٍ لا تنمحي من الذاكرة والزمان.
غادرت صوفيا على أن أعود وعلى طريقتي المبكرة في كراهيتي الوداع والأيام الأخيرة بدموعها وميلودراماتها التي تفجر أحزان الفراق المتراكمة في الأعماق… هكذا ذهبت وفي مطار صوفيا راحلاً باتجاه الشام لأدبر حالي من هناك نحو أي بلد تحملني الرياح هذه المرة إليه وربما نحو الغرب هذه المرة. في مطار صوفيا وفي نقطة التفتيش الدقيق سألني المفتش إن كنت أحمل العملة البلغارية معي (الليفة) أجبت بالنفي فما كان منه إلا ِأن فتش جيوبي فوجد ورقة (العشر ليفات) غضب وأدخلني مكتب البوليس الداخلي للتفتيش الأدق والاستجواب. أمرني مسؤول المكتب الذي يضج بأكثر من شخص أن أخلع البالطو وغيره من طبقات اللباس الشتوي ومن ثم البوت الذي يصل غلافه السميك الى نصف الرجل مانعاً تسلل البرد والصقيع وقد اشتريته من السوق الحرة (الكروكوم) وفق اللغة البلغارية الذي فتح لأسبوع. فكان خلعي للحذاء أو البوت بطوله وتعقيده استدعى سخرية رئيس البوليس الذي شبه المشهد بطريقة شارلي شابلن وضحك على أثره رجال البوليس الآخرين. ومن دون أن أخلع الفردة الثانية أمرني بالذهاب.
ونقطة أخرى قبل المطار حين ذهبت مع خالد درويش الى مركز المدينة لقطع تذكرة السفر وكان هناك أبورعد مسؤول مكتب الطيران السوري شخص ودود ومتعاون مع الطلبة خاصة، وبما أني أحمل بطاقة صحافي من سوريا كان التخفيض في سعر التذكرة الى نصفها والبطاقة كانت منتهية الصلاحية، لكن أبورعد يمشي الحال. وفي الأثناء جاء رجل يبدو أنه نافذ على نحو متعالٍ يطلب ما لا تسمح له قوانين الطيران فأجابه أبورعد أن هذا لا يجوز فغضب قائلاً: ما تعرف أن سعادة السفير صديقي وهو الذي أرسلني إليك، أجابه ابورعد: طيب يا أخي روح للسفير وخليه ينجز لك طلبك. وهو سلوك نادر في سوريا وبلاد عربية. لكن أبورعد الذي وفق الرواية درس العسكرية في دفعة حافظ الأسد لكن معرفته للغات أجنبية اختار مسؤولية في الطيران المدني وجانب كل منصب سياسي أو عسكري، فكانت له شخصيته وملامحه وسط حشود القطيع التي هي الصناعة الثقيلة الأولى لكل ديكتاتوريات العالم.
حين عدت بعد سنين الى عُمان أواخر الثمانينات سألت فيما سألت عن أحمد الوردي أجابني الشخص الذي ينتمي الى تلك المرحلة من الشتات بأنه رحل بشكل مأسوي، حيث أنه كان يمخر عباب الليل المسقطي ماشياً حتى وصل الى (بيت الفلج) وكان هناك ما يشبه الحفرة أو البئر حيث سقط زائغاً الى أعماقها المظلمة. رحمه الله وأمثاله من أنقياء السريرة ممن دفعتهم ظروف البلاد الصعبة آنذاك الى المغامرة حالمين بمستقبل أفضل.
أحمد الوردي من ذلك الجيل الحالم الباحث عن أفق حين كان الظلام والعزلة المطبقين على عُمان وكان الخنجر في الوريد، لم يستسلم الحالمون صوب البلاد العربية الأخرى التي أصابت قسطاً من مدنية وتقدم ونحو العالم البعيد وكان من ضمن الخيارات المطروحة آنذاك الفلك السوفييتي الشاسع. من مسقط العاصمة الغائصة بين الجبال والغبار ومنارة بحر توقظ الحنين الى الحياة وفك العزلة القسريّة كانت عُمان وكأنما خارج الزمن والتاريخ. من مسقط وحدها، مسقط القديمة الممتدة من (عقبة ريام) الى (عقبة سداب) ومن حارة (الطويان) الى (فرضة مسقط) مركز الحكم وبيت البرزة ومؤسسات الدولة بمعايير تلك الفترة وليست مسقط المحافظة الآن التي تمتد الى مساحات واسعة وسكان يشكلون ثلث العُمانيين أو نصفهم من مسقط تلك وحدها دعك من عموم البلاد الواسعة رحل الوردي وكذلك جابر مرهون ويعقوب يوسف، كمال مكي، وداوود، أحمد خان، سالم مكي وحمد الريامي وآخرون نحو موسكو وكلهم عادوا أطباء ومهندسين واقتصاديين وهناك المئات والآلاف فروا من المضيق الخانق باحثين عن المعرفة والحرية، عن مصادر الرزق والعيش.
منذ أسبوع وأنا أقف الآن على حافة انقضاء عام 2025 أقرأ تقريراً مطولاً لزميلنا العريق محمد العلي في موقع "الجزيرة نت" الذي يشرف عليه عن بلغاريا الراهنة وكيف أن الفساد يضرب بعنف خلايا مؤسسات الدولة والمجتمع وجيل (زد) الذي ثار وأسقط الحكومة القائمة. تذكرت فترة التسعينيات حين قرأت مقالاً لـتيودروف لفيلسوف البلغاري الولادة والنشأة، الفرنسي الجنسية والاقامة والرحيل حين كان يتحدث عن تلك الانعطافة المفصلية في تاريخ العالم المعاصر الذي انتقلت فيها بلغاريا ومعها المعسكر السوفياتي من الاشتراكية بين مزدوجين الى الرأسمالية بين أكثر من مزدوجين وكيف ضربت الفوضى وألا أفق البلاد كمحطة دامية لابد من المرور بها ربما وكمخاض بانتظار ما ينجلي عنه مناخ التخبط وفقدان البوصلة والوضوح من استقرار ووصول الى الحد المنشود الذي حلمت للوصول إليه تلك الشعوب التي استعبدت بمفاهيم متعالية وآمال فردوسية لم يتحقق إلا نقيضها.
لكن يبدو من خلال ذلك التقرير الوافي أن بلغاريا طال بها المخاض والانتظار.
(*) مقتطف من كتاب سيصدر قريباً.




