جثث قيد الدرس

فوزي ذبيانالخميس 2026/05/07
Image-1778146838
"مجد الحرب" (1871) للرسام الروسي فاسيلي فيريشاغين
حجم الخط
مشاركة عبر

إن الجثث التي لم يمتصها التراب هي جثث مكشوفة، حتى وإن كانت تحت الأنقاض وركام البيوت المهدمة. فهي علامات الكارثة والفجيعة والهزيمة وهي محل تحديق دائم من قبل عيون الآخرين وإن كانت غير ظاهرة للعيان.


يبيح بعض العقائد لنفسه استملاك الجثث والتصرف بها وفقاً لمصالحه، وذلك عطفاً على غطرسة تصورات هذه العقائد وحديدية ولاءاتها. إلا أن المآل الكارثي للجثث التي تحت الركام ينسف صدقية هذه العقائد وبؤس كلام قادتها. كأني بأصحاب هذه العقائد التي لا تكفّ عن الاحتفاء بمراكمة الجثث، تريد تحويل المدن والقرى والضواحي مسلخاً هائلاً، ليس للموت فقط إنما أيضاً لأرواح من ظلوا أحياء.


يحمل الموت الكثير من التخمينات المشروعة إنما عبر الجثث المشرّعة تحت الركام وبين الأنقاض ترى الموت وقد تحوّل إلى جواب ممل، جواب يثير كل ضروب الغثيان، لا سيما مع تلك الأصابع التي ترفع شارات النصر الكئيب. إن الجثث بحسب بعض مآرب الأرض، هي ملح هذه الأرض، لكنها سرعان ما تتحوّل إلى سموم لدى تحويلها من قبل العقائد الحديدية إلى ملح هذه العقائد. 
 

لا يمكن للموتى تجنّب عدم استثمارهم من قبل سادة الحروب ومشعليها، إنما هذا الاستثمار بالذات يرمي بهؤلاء السادة في آبار الابتذال والسفالة وما هو أكثر. إن استغلال الجثث، بصرف النظر عن كيفية هذا الاستغلال، هو احتضار آخر لها، احتضار ما بعد الموت.
 

إن تسرّب الجثث إلى طاولات المفاوضات الدولية والمصالح الكبرى وأسواق النفط والنووي وتلك المضائق الضيقة يعادي إلى حدّ لا يطاق سلاسة تسرّبها الطبيعي إلى ما تحت الأرض. استجداء النصر عبر دعوة العالم للتحديق في جثث القرى المهدمة، هو بمثابة بسط هذه الجثث في أسواق البيع والشراء. إنه استجداء يسوق هذه الجثث المغبرة لأن تكون رهن انتصارات سائبة، انتصارات لا تعرف وجهتها... انتصارات تقوم أكثر ما تقوم على حطام البيوت وما تحوي من جثث معلومة ومجهولة.
 

ليس للجثة أن تكون واقعة بيروقراطية في الدوائر السرية لإدارة الحروب أو في غرفها المغلقة، لكنها بالفعل تتحوّل محض واقعة بيروقراطية لدى دعوة سادة الحروب وعبيدها ما تبقّى من أحياء للانغماس في موتهم المقبل عبر التباهي بالانتصارات القائمة على امتطاء الجثث. إن الجثث في هذا المقام هي معاملات إدارية وليس على القائد الفذ سوى وضع توقيعه عليها ورفعها إلى القائد الأعلى.
 

يخبرنا الروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو في رائعته "انقطاعات الموت" أنه لا وجود في الدنيا لما هو أشدّ عرياً من الهيكل العظمي، من الجثث بعامة. على الرغم من فطنة ساراماغو وقوة ملاحظته فضلاً عن كونه عايش بزمنه عديد الحروب، ثمة ما يدعوني لتجاوزه وبالتالي القول: إن استثمار الجثث والهياكل العظمية في قبل قادة الحروب وصولاً لتوظيفها في معارك التصدّي والبطولات الزائفة، يشكّل قمة عريها. إن هذا الاستثمار المذل للجثة هو موت إضافي لها. 
 

الموتى ليسوا أبطالاً على الإطلاق، إنهم موتى وكفى. وليس سوقهم لأن يكونوا أبطالاً ثم مثالاً يحتذى، إلا بمثابة تحويلهم مشاعات مفتوحة على كل الاستعمالات، بدءاً بالدعوات إلى الصبر، وصولاً إلى جلجلة الحناجر فوق المنابر الخائبة.

Image-1778134857
لوحة لتغريد درغوث

من المذل للموتى أن نخبرهم أن موتهم لا يخصّهم بالمرة، ومن المعيب بحق ناس الركام هؤلاء القول لهم أن قصة التصدي والصمود هي رهن أشلائهم. ليست تلك اليد الظاهرة من تحت التراب إشارة فخر على الإطلاق، وليست تلك القدم المبتورة دعوة صارخة لرفع شارات النصر. أما رأس ذلك الطفل المتدحرج من فوق الحطام فليس دليلاً على ارتقائه أو سعادته الأبدية، كلا. تلك الأمور كلها مجرد تشريح لجسد الهزيمة. فالجثة في بعض مضامينها هي أداة التشريح الأولى لكل خطابات النصر وتلك الإطلالات التلفزيونية البخسة. إن تلك الأشلاء هي في بعدها الأقصى ذلك النصّ النهائي أو العبارة المدوية أو السطر الأخير في كتاب الفجيعة.


يبثّنا تاريخ بعض الجماعات البشرية أخبار تعليق جثث المجرمين في الساحات العامة ليكونوا عبرة للأحياء. لكن ماذا عن تعليق جثث الأبرياء من النساء والشيوخ والأطفال في غرف المفاوضات القائمة على قدم وساق وفي لعبة المصالح الدولية؟ يبدو أن ثمة في هذه البلاد من يريد عبر تعليق الجثث، طمس حقيقة العالم. يبدو أن ثمة من يريد عبر الدعوة المجازية إلى التحديق في الجثث، زجّنا في تلك المسافة بين الحياة والموت، زجّنا إلى الأبد في تلك المساحة الحرجة. فأن تعمد عقيدة ما إلى تحويل مجموعة بشرية بأمّها وأبيها إلى جثث قيد الدرس على الدوم، فإن في الأمر عندئذ مكابدة لا تضاهيها مكابدة. 

 

ليست الجثة في هذا السياق المذل إلا عبارة عن ندوب بارزة في الجسد الضخم للهزيمة. ليست الجثث في هذا المقام المغبر إلا ابتكارات كارثية في دروب الانتصارات الإلهية المزعومة. إنما الطامة الكبرى تبقى أن جثث الحطام، تلك الجثث المسكينة، قد فقدت سيادتها على سبل تحللها، بل والأنكى أنها أضحتْ بمثابة ملكية خاصة، فلا يحقّ لأحد مساءلة من أودى بها إلى هذا المآل الجهنمي، وحيث ثمة أصبع مرفوع يهدد بعلو الصوت وصخبه آمراً الجميع بالصمت، فللمرشد في جثثه شؤون.  
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث