-1-
موتوسيكل مجنون يعبر الأوتوستراد.
الغربان تنتفض في شجرة الكاوتشوك، والحارس أيضاَ.
صمت بوزن الإسمنت: أشتاق لسيجارة في الفم.
القيلولة تدبِّق روحي.. نصفها هلك الآن.
بعينين ناشفتين، أنتظر جلطة دماغية أو سرطاناً في الأمعاء.
ليل بحري تستنفده ثرثرات الشبِقة في الطابق العلوي.
أسود كان الشاطئ، وسمك أعمى يرتطم بحوافي المرسى.
بعد أعمار الحرب وأعوام الكمامات والإقفال العظيم،
بعد موت بالأطنان فوق عمائم سوداء ممزقة،
بعد نزوح المليون، بعد تبخر العظام والحديد،
بعد ليل القاذفات ونهاية الأوكسيجين،
بعد اختفاء الأجانب والجرائد، وطلوع الشمس أكثر من المعتاد،
بعد أيام العتمة الشاملة والبرغش وبكاء الرضّع..
سأتأخر، وبلا اكتراث، عن التعاطف.
وسأسحب وجهي بفظاظة من المأتم والعرس والتظاهرة.
البحر يرتجف بزوارقه البيضاء، يا مجد اللامبالاة،
يا مجد بلاهة الكرسي.
زبائن المطعم يشاطرونني حريتنا الحزينة،
لهفتنا "المسيحية" المطوَّقة.
بنايات ورافعات ومظلات وملصقات غاضبة حول شجرة يابسة، تشبهني.
التلفزيون مكرس للنيران والجثث والماكياج.
الطاولة ستبقى للخبز.
وطاويط صغيرة ترافق الغروب،
كظلال مجنونة تنط في الأفق البرتقالي.
في تلك اللحظة، الفتاة تفلت يدها من العاشق المزوَّر:
الحب المنهدم -لا الحرب- هو الذي يقطعني.
***
-2-
عند منعطف "عمشيت"، ورودٌ وصهاريج. باخرة نفط تبتعد.
نساء الفرن يكسرن البيض.
باص "فولسفاغن" ملون بألف زهرة لـ"هيبيين" لم يتوبوا بعد.
السوريات، حاصدات البقدونس والنعناع والبصل،
كنّ الوحيدات هدف هذا النهار ومعناه.
***
-3-
اللمبة الأخيرة. المسمار الواقعي.
ذبابة الشاعر الكذّاب.
بيت الجد الذي حمل بكاءه في طاسة.
الوجود المؤقت لأي خبر عن الإنسان.
المساء المحشور في التلفون.
هسيس البحر بعد التاسعة ليلاً.
البحّار العائد للتو، وحيداً كما ينبغي.
وأنتِ على انفراد تنتفين هذا الحب.
***
-4-
تعال أيها البحر إلى تشرين، مع سمك الغُبّص،
والسلحفاة الضخمة الضرورية للخاتمة الشعرية،
إذ تجمع كروم البلدة وحصى الشاطئ
والينبوع المختبئ تحت شجر الصبار حارسِ المنزل المجنون.
تعال قبل العاصفة التي تجبر النساء على الصوف.
تعال فوضى بلا أزرقك كي أعرفك رائقاً أيها الجوهرة المنسية.
***
-5-
الجسد الشبابي، العنب المرفوض جهلاً،
قاسٍ ومتوهج أثناء النوم.
في الثمانينات كان الرقص أجمل أخطائي.
ورغم الحرب كان عرقي يؤكل حاراً.
جسدٌ نارٌ كاختراع الطيران.
جسد فتي، وعيون عسلية كدغل مشتعل، وفم يصارع تعاسته.
المايوه مكرٌ هائل منذ الصباح وإلى سقف المساء.
النعمة القديمة للينبوع أستردها كما الثورة تخلع الملك.
لستُ رجلاً بلا أخطاء.
***
-6-
من أجل:
حافة البيسين،
والنخلتين شبيهتا تلك في لوس أنجلوس، سارقتي الريح.
السروات على امتداد السور، موطن أسوأ كوابيسكِ.
السيدة البيضاء شفيعة الصيادين، رغم نحتها الرديء.
المصنع الخيالي للرغبات وولائم السمك والعمليات السرية لفراشات آخر الربيع.
المجهولين الكرماء، رعاة أطفال الآخرين.
السرير الذي بإخلاص يومي يضاعف نومكِ رغم هبوب الأسلحة.
الجريئة على امتداد الكورنيش تجرّ في العتمة كلباً متوهّماً.
نواطير الشاليهات، الذي خسروا بلداً وزوجات ودروب أجدادهم.
.. من أجل كل هذا
سأقايض ضميري وأساومه.
برشفة ماء أو رصاص ذائب في معدتي.
بالكلمات التي أبيعها الإثنين، واستردها الجمعة.
هنا، في بداية الشمال والصيف والنسيان.
***
-7-
بأي ثمن هذا الهواء البارد، الخفيف الممازح،
يدفنُ الصيفَ في بستان الليمون الفاجر الوحشي؟
ثم هذه الحرب بين القبلة والثوم،
بين خزانة الكحول وغرفة النوم،
بين التلفزيون والحقيقة...
إلى حد أن الخريف المشتت المذهول،
يقف في ذروته ويمتنع عن أي معنى.
***
-8-
جارور للملاعق والسكاكين.
وجارور مقفل للذكريات السيئة.
جارور أغراض البحر المثيرة للشهوة.
وجارور نظيف لمخططات المستقبل.
جارور فارغ من أجل التوازن.
وجارور أخير للكائنات التي لم نعثر على أسمائها.
على هذا المنوال، تؤثثين البيت البحري،
الذي يسخر من الأبدية والمحرمات والأمواج التي تهدده،
لا أمجاد باطلة حواليه،
لا شفيع ولا حتى مكنسة.
***
-9-
في "مارون الراس"،
إذ اختلطت نفايات الجنود بفساتين نسوة البيوت المترمدة،
بالتراب الأحمر والديدان،
بحطام شجرة وحطام سيارة وحطام جيلين من الموتى،
بصور عرس، بعظام كلب، بشظايا صاروخ..
تلك النفايات وخليطها الأقصى فناً وجمالاً،
هي بالضبط ميكانيك التاريخ الذي يذلني.
***
-10-
الذين يحبون راجمات الصواريخ لا يشربون نبيذاً أبيض.
لا يسمعون فيروز، وبالتأكيد لا بيلي هوليداي ولا ليد زبلين.
في النفق حيث يجلسون بثيابهم الصدئة،
شاي وسجادة وصواعق وحمى
وأعنف التهويمات المؤودة.
أصواتهم في الليل المتأخر، كصرير شيطاني، عبر الصخر والعروق المتجمدة.
القائد يوزع أراملهم بالجبروت العادل عند العشاء.
عتمتهم رغم الصاعقة التي في أعناقهم، وابتهالاتهم المخنوقة..
لا تليق بنضارة فتوتهم ولا جمالهم المخبوء بالأيديولوجيا واللحى.
أيها الموت –رغم شهوة الثأر- ترأف بهم.
***




