مع نشوب الجولة الجديدة من القتال بين حزب الله والجيش الإسرائيلي برزت ظاهرة جديدة في خضم المعارك بين الطرفين، تمثّلت في نعي الحزب على وسائل التواصل المقرّبة منه عدداً من الشبان المنتسبين إليه، من ذوي التعليم العالي، أطباء ومحامين ومهندسين وأساتذة جامعيين، سقطوا وهم يقاتلون في صفوفه. ولعل هذه الظاهرة تثير عدداً من الأسئلة، تستحق الوقوف عندها، والتمعّن في دلالاتها. فالمفترض أنّ من حصّل قسطاً راقياً من التعليم، ينحو تلقائياً إلى الاعتدال واللين، في المسلك والتفكير. وإلى امتلاك عقل نقدي يجعله ينأى عن الولاء المحض، أو تبني أي قضية مصيرية مطروحة من دون مناقشة أبعادها ومآلاتها بالعمق. ومن البيّن أنّ ثمة تناسباً طردياً بين ارتفاع مستوى التحصيل العلمي، وتدنّي النزوع إلى العنف، وخوض المجابهات الجسدية.
ومن الشائع أيضاً أنّ المثقفين عادة ما يعارضون الحرب. واعتُبر تسليح المثقفين، وانخراطهم في الحروب أمراً ساقطاً أخلاقياً، ومنطقاً يصعب فهمه. بيد أنّ أمثلة تاريخية عديدة أثبتت أنّ كُتاباً وشعراء ومفكرين عاشوا بين الحرب العالمية الأولى والثانية، سخّروا أقلامهم في خدمة الأحزاب المتطرفة الحاكمة، مثل الفاشية والنازية. في حين أنّ بعضهم، مثل جان بول سارتر، الذي لم يكن يأبه لحياة السياسية، قبل الحرب العالمية الثانية، خلص لاحقاً بعد العام 1945 إلى القول بأنّ المثقف الملتزم هو الذي يستحق لقب المثقف الحق. وقد ندّد آنذاك بموريس ميرلوبونتي، وألبير كامو لرفضهما الانضمام إليه، في لحظة الانخراط السياسي إلى جانب الحزب الشيوعي الفرنسي. واشتدّت حدة النقاش بين المثقفين الأوروبيين إبّان ثورات كوبا، والجزائر، وفيتنام، وعقب انهيار الاتحاد السوفياتي، وغزو العراق، ودار النقاش حول ضرورة أن يقوم المثقفون بواجباتهم نصرةً للشعوب المضطهدة.
فتعبئة المثقفين في خدمة الحرب ظاهرة مشهودة في العالم الحديث. ومن كانوا يُحسبون في الغرب من الطليعة المثقفة شاركوا ميدانياً في العديد من الحروب، بما فيها الحروب الأهلية، وفي طليعتها الحرب الإسبانية التي نشبت بين القوميين والجمهوريين. وذكر بعض المؤرخين الذين دوّنوا أحداث الحرب بين دول الحلفاء ودول المحور، تجنيد المثقفين من قِبل دولهم، برغم اختلاف أحزابهم يميناً ويساراً. فانضم على سبيل المثال اندريه مالرو إلى وحدة الدبابات، ولويس أراغون إلى فرقة آلية، وجُنّد ريمون آرون، وجان بول سارتر، في وحدة الأرصاد الجوية. وإذا كان هؤلاء المثقفون لبّوا نداء الواجب الوطني للتطوع في صفوف جيوشهم، فلكونهم رعايا في الدولة الأم.
أما ما يشهده لبنان راهناً، فيبدو متبايناً في طبيعته السياسية ومبرراته الإيديولوجية، حيث سياقات الحرب وأدواتها ومآلاتها بعيدة عن أيدي الدولة، وعن مشاركة معظم أطياف اللبنانيين غير المنتسبين لمنظومة الحزب. وإذا كان المفترض أن تكون الحرب التي تجري على أرض لبنان، وتحت سمائه، حرباً وطنية، فإنّ عدم توافر، أو تحقّق هذا الإجماع جعلها خياراً ذاتياً أو فئوياً، يندرج تحت مفهوم الدفاع عن الطائفة باسم الدفاع عن الوطن. ولا تنقص من أذكى أوار الحرب، ذرائع تبرر له هذا الاستفراد، بادعاء عجز الدولة اللبنانية عن درء الخطر عن مواطنيها، من صلف العدو وغدره، ووهن جيشها وقواها الأمنية، وخضوعها لمحاباة قوى دولية خارجية. وبذلك تقدّم المنظومة الحزبية نفسها، بديلاً، أو حامية للمجتمع اللبناني بكل تلاوينه الدينية والسياسية، بزعم الوقوف في وجه إسرائيل التي تستدرجها اليوم لمنازلتها على أرض لبنان، تحت عناوين المساندة حيناً، والثأر حيناً آخر.
وتفضي عسكرة، أو استنفار المتعلمين المنضوين تحت جناح هذه المنظومة الدينية السياسية العسكرية، إلى توسيع نطاق التأثير في عقول بناء الطائفة، كون هذه النخبة أقدر على إعادة خلق سردية أخلاقية إيديولوجية متماسكة، تُحوّل العلم إلى أداة تعبئة، وتعلي من شأن الحرب (المقدسة) التي تفرّد بها الحزب ليرد غائلتها عن مجتمعه وبلده، بوصفه مدافعاً عن القيم الوطنية التي أهدرتها الدولة اللبنانية، عندما تخلّت عن مهمتها المفروضة عليها لحماية رعاياها.
وتؤدي الشعارات الرنّانة مثل: الواجب، والشرف، والدفاع عن النفس، والسيميائيات المتداولة من صور، وكليشيهات، واستعراضات جماعية، وتمثيلات رقمية، دوراً في تدعيم ركائز المشروع الذي يضفي على الحرب التي يخوض غمارها الحزب، اعترافاً مبدئياً بأحقيته، ويمنحه المصداقية عند جمهوره، واليقين المطلق بصحة ما يفعل، من دون الحاجة إلى المراجعة والنقاش، أو البحث في جدواها، أو استمرارها، رغم الطقس الدموي المرئي والمحزن يومياً، والخسائر الفادحة التي نزلت في البشر والحجر. وتُعدّ هذه الأضرار في حسابات المنظومة، ضريبة، لا بد من تكبّدها عاجلاً أو آجلاً.
المقاتل هنا مهما علت مرتبته العلمية، فإنّ وعيه السياسي منضبط ومؤطر بحدود المنظومة التربوية، وسياقها الإيديولوجي العقائدي، وإن خرج عن حيثيات المصلحة العامة، وعن حسابات العقلانية الباردة. وعي مؤسس على يقين لا يزعزعه حدثان، الدهر ونوائب الزمن، قائم على مفهوم المظلومية التاريخية الموروثة منذ فجر الإسلام حتى اليوم، كأساس لهوية سياسية، شكّلت الدولة الإيرانية الحالية الحاضنة والداعمة والمروّجة لها.
المقاتل الديني الحزبي المتعلم، يتوسّل اليوم التكنولوجيا التي يعمل بها لضخ الإيديولوجيا. في حين يشهد مسار الأحداث وتداعياتها المتسارعة، منحى دينياً طائفياً، يهدد البنيان بالتصدّع، ويتجاوز حقوق الدولة الوطنية المستقلة المعترف بها دولياً، حيث تهيمن عليه إيديولوجيا، أو عقيدة تمثّل في نظر الموالين لها واجباً دينياً يعيد إنتاج انتمائهم عبر التشبّث بسردية موروثة. وهذا ما يشكّل وفق نظرية بيار بورديو، رأسمالاً رمزياً يُعاد تأويله، وتوظيفه كإطار، أو مسار يقوم على مفهوم الاستشهاد الذي يرى في الانخراط في الحرب، رغم اختلال الموازين لمصلحة العدو، قضية ملحّة ينتدب إليها مهما ترتّب على ذلك من أعباء ثقيلة، وكلفة بشرية ومادية باهظة، من تهجير، ورُهاب، واستياء، وقلق.
سردية حرب متبناة من جمهور، من دون فحص مقدماتها ومبرراتها وجدواها. ورغم كل ذلك يظل هذا التصوّر في نظر المعتقدين بصحتها معياراً أخلاقياً، يحتكمون إليه، ويتشبّثون به، مهما كانت تداعياته كارثية على مصير البلاد والعباد، ما دام قد صدر من لدن الولي الفقيه.




