ينطلق إيلي كمال في مسرحيّة "حنّة" من المستشفى، حيث تتحوّل التفاصيل اليومية إلى مرآة تعكس القلق والانتظار والخوف. في تجربة تنتمي إلى الكوميديا السوداء التي تزاوج بين الضحك والوجع دون افتعال.
تحكي "حنّة" قصة امرأة تدخل المستشفى بلا هوية، لتبدأ رحلة بحث عن ذاتها بمشاركة شخصيات أخرى، في عمل ينطلق من الحكاية الفردية ليطرح أسئلة أوسع عن الهوية والانتماء، في بلدٍ تتبدّل تعريفاته باستمرار.
في هذا الحوار، يتحدث إيلي كمال لـ"المدن" عن مسرح يُبنى جماعياً، حيث تتكوّن الشخصيات بين الكاتب والممثلين. وعن السخرية كأداة تفكير، والضياع كحالة مشتركة، يفتح العمل باباً لأسئلة تبقى معلّقة تماماً كما بطلة المسرحيّة.
***
- تبدأ المسرحية بصورة امرأة ممددة ومعلّقة بين الذاكرة والنسيان. لماذا اخترت أن تدخل من باب الجسد المعطّل والغائب والحاضر في الوقت نفسه؟
لا أخفيكَ أنّ هناك شيئاً مقلقاً في النوم الذي يشبه الموت، خصوصاً لدى الأشخاص الذين هم في مقتبل العمر(الأطفال) أو الذين يختتمون عمرهم. دائماً ما نذهب للاطمئنان عليهم وهم في نومهم وإذا ما كانوا بلا حركة أو نفَس نميل للتأكد أنهم ليسوا أمواتاً. الآخرون لا ينامون بسلام كهؤلاء. على عكس الجثث، ما يُقلق في هذه الفرضية هو أن تتحرّك الجثث. عندها يكون النوم مدخلاً لحياة مثلما هو مَخرجاً منها، وبالتالي مناسبٌ لعالم المسرحية.
- تبدو لنا شخصية "حنّة" فرداً، لكنها مع التقدّم في العمل، سرعان ما تتحول إلى استعارة أوسع. هل كتبتها كامرأة بعينها؟ أم كصورة عن مجتمع كامل فقد تعريفه لنفسه؟
كتبتها كشخص وأنا على يقين أنّها "حدا منو حدا" كما نقول في المسرحيّة. في المسرحيّة "حنّة" هي شخص واستعارة في الوقت نفسه. من جهة ثانية، رأيتها أمامي كما رأيتموها أنتم، كما هي، بلا أي تغيير أو تعديل. وعلى الأرجح هي تشبه شخصيات أعرفها، ربما لذلك كتبتها.
- الشخصيات ضائعة طيلة الوقت، ضائعة إلى حدّ نرى جلياً الحضور الواضح لسؤال الهوية. هل تقصد الهويّة الشخصيّة أم هوية البلد أم الاثنتين معاً؟
بالنسبة إلي، البلد له هوية، والناس تحمل هوية، لكن ليس بالضرورة أن يكون لديها انتماء، والعكس صحيح أيضاً. هناك أشخاص مكتومو القيد، لكنهم يشعرون أنهم ينتمون إلى مكان ما، ويواصلون الكفاح ليحملوا هويته، كما أنّ هناك من يحمل هوية بلد معيّن، لكنه لم ينتمِ إليه يوماً. الشخصيات في المسرحية على هذا النحو، تائهة وتبحث. لبنان له أكثر من انتماء، وقد تغيّرت الانتماءات وتبدّلت مع السنين والظروف السياسية. الهوية بالنسبة إلي موجودة، لكن ربما كشيء كل أبناء الوطن متفقون عليه، لست متأكداً كثيراً.
- النص يلامس نقداً للدولة والخطابات السائدة من دون مباشرة. هل بات الترميز اليوم أكثر قدرة من الخطاب المباشر؟
القصة ليست هروباً، ولا أن يختبئ المرء لأنه غير قادر على الكلام بشكل مباشر، لكن الاستعارات أحياناً توصلُ الفكرة بشكل أفضل، خصوصاً إذا كنا نتحدث عن الكوميديا. المباشرة في بعض الأماكن تتحول إلى وعظ، وكأن لديّ حقيقة ما، وأنا لا أملكها طبعاً. أنا أنقّب، وفي رحلة التنقيب أطرح أسئلة.
- أخبرنا عن اختيارك للكوميديا لمعالجة مناخ ثقيل ومشحون. لماذا ترى الضحك مدخلاً صالحاً للوجع؟
لأنها أصعب كلغة، وأقرب كوسيلة. السخرية تحتاج إلى تفكير، وتشغيل العقل مدخل إلى حوار جيد يُبنى عليه. أمّا العنف فلا يحتاج إلى تفكير، هو ينبع من غريزة.
- في رأيك، أين هو الخط الفاصل بين الكوميديا التي تكشف الألم، والكوميديا التي تستهلكه؟
لا أعرف. أريد أن أفكر في ذلك أكثر. شخصياً، أفضّل أن أخلق الأشياء لا أن أستهلكها.
- بما أنك الكاتب والمخرج معاً، كيف تمنع النص من أن يفرض سلطته على الخشبة، أو الإخراج من أن يخون النص؟
عندما أكتب، أكون كأنني أرى مشاهد وصوراً وأسمع النص، وبالتالي تكون هذه بداية الإخراج. لكن من جهة أخرى، عندما صار النص مع الممثلين وبدأنا القراءات والعمل، بدأت الشخصيات تعيش، وصارت تتكوّن بيننا، وعندما لم تعد فقط في رأسي، أصبح من الضروري أن أكون منفتحاً على الاقتراحات وأن أحاول أن أرى بعَين أخرى، وهكذا حصل، فالعمل تَخَلَّقَ مع المجموعة، حتى لو بدأ في رأسي وعلى الورق لديّ.
- العمل يبدو بسيطاً بصرياً، بل ربما يمكن اعتباره مشهداً واحداً، لكنه محمّل بإيقاعات داخلية. هل توافق؟
لا أعرف، ممكن.
- كيف اشتغلت على إيقاع الانتقال بين الكوميديا والقلق من دون كسر وِحدة العرض؟
لا أعرف إن كان ذلك عن قصد أم لا، لكني عندما أشعر أن الأمور جيدة ومتقنة، وأرى أن الممثلين يتألقون، وأننا جميعاً نتفاعل مع النص وكأننا نشاهده للمرة الأولى، أعرف أن هذا الأمر جيد.
- إلى أي حدّ تسمح للممثل بإعادة كتابة الشخصية فوق الخشبة أثناء البروفات؟
لا أسمح. أنا أطلبُ منهم هذا الأمر. أجعل نفسي وإياهم نكتشف الشخصية معاً، وكيف قرأوها ورأوها، ثم نعود لنصل إلى صيغة أجمل مما هو على الورق. نحن نتحدث عن ممثل وليس عن ربوب. نتحدّث عن شريك أساسي في العمل، ومن هنا فإن اختيار الممثلين لا يقوم فقط على شكلهم أو موهبتهم، إنما أيضاً على من هم، وكيف يستطيعون بناء شخصية معيّنة معي.
- لماذا ندى بو فرحات خيارك الطبيعي لشخصية "حنة"؟ ماذا تملك هذه الممثلة تحديداً؟
كممثلة، هي من بين الأكثر موهبة واحترافية، وكشخص أثق فيها كثيراً كحليفة ومساندة ومحترفة قادرة على بناء شخصية أفضل من تلك التي كتبتُها، لأنها تعرفني جيداً، وقادرة على قراءتي وقراءة ما كتبته، وقراءة ما هو مني ولم أكتبه، وليس فقط ما هو موجود في النص، ربما لذلك.
- يمكننا أن نرى ندى وهي تجمع بين الخفة والعمق في آن. هل هذا التناقض كان ضرورياً للشخصية؟
طبعًا، وريادة، لأنها تؤدي شخصيتين في المسرحية.
- كيف بنيت الكيمياء بين الشخصيات الأخرى كي لا تتحول "حنة" إلى مركز يبتلع الجميع؟
تجذبني الأعمال التي يكون فيها بطل أو بطلة، وتكون بقية الأدوار لضرورات العمل. ومهما كان الدور صغيراً، أعتبره أساسياً. في هذه المسرحية، الأبطال الأربعة متساوون في المساحة، لأن هذه الشخصيات أيضاً تتكامل وتتشابه في الضياع والانكسار.
- "حنة" التي أعطيتنا إياها فاقدة للذاكرة، ما الذي نسيه اللبنانيون عن أنفسهم؟
هذا سؤال كبير. لا أعرف، هناك أشياء كثيرة. ربما نسينا أنه ليس لدينا سوى هذه الحياة، وهذا التاريخ، وهذه القطعة الصغيرة من الأرض.




