"ضاع شادي": الذات أكثر من موضوع...أداة إنتاج مسرحي

ربيع شاميالثلاثاء 2026/05/05
Image-1777965170
الاشتغال على الذاكرة يظل، في بعض اللحظات، أقرب إلى الاستعادة منه إلى إعادة التمثيل الدرامي
حجم الخط
مشاركة عبر

يشهد المسرح اللبناني عودة ملحوظة إلى اشتغالٍ كثيف على الذاكرة الفردية بوصفها مدخلاً لفهم التاريخ الجماعي، خصوصاً في سياق ما بعد الحرب الأهلية. ضمن هذا الأفق، تندرج مسرحية "ضاع شادي"، لشادي الهبر، التي تُقدِّم نموذجاً لكتابة ذاتية تُعرّي التجربة الشخصية وتضعها في مواجهة الفضاء العام. غير أنّ هذا الانكشاف، على أهميته الإنسانية، يطرح إشكالية جوهرية تتعلّق بحدود تحويل الألم الفردي إلى بنية درامية مكتملة.

 

مسرحية "ضاع شادي" من انتاج مسرح "شغل بيت" في منطقة فرن الشباك-بيروت، تنطلق من فرضية أنّ العمل ينجح في تأسيس خطاب ذاتي صادق ومكثّف، وفي تحويل هذا الخطاب إلى فعل مسرحي متماسك يحافظ على توتّره الجمالي والإيقاعي طوال زمن العرض.

 

تتأسّس المسرحية على حضور المؤلف/ الممثل/ المخرج في آنٍ واحد، إذ يقف شادي الهبر على الخشبة بوصفه ذاتاً كاتبة ومُمثَّلة في الوقت نفسه، ويضاف اليها المكان – البيت المنزلي الخاص كمكان للعرض والبوح. هذا التداخل بين المستويات يُحيل إلى ما يُعرف في الدراسات النقدية بكتابة الذات، حيث لا تعود الذات موضوعاً للتمثيل فحسب، بل أداة إنتاج عمل مسرحي متكامل.

Image-1777965706

الذاكرة المضطربة 

تبتعد مسرحية "ضاع شادي" عن شكل الاعتراف التقليدي الذي يقوم على استعادة الماضي بوصفه حكاية مكتملة، لتقدّم الذاكرة كحيّز مفتوح ومضطرب، غير قابل للهضم أو الإغلاق. هنا، لا تُستعاد الطفولة كزمن منتهٍ، بل كجرح مستمر، يتقاطع مع عنف الحرب داخل الفضاءين الخاص (العائلة) والعام (القرية والمدينة). يتقاطع هذا الطرح مع تصوّرات نقدية ترى أنّ الذات ليست معطى ثابتاً، بل بناءً يتشكّل عبر السرد والمواجهة. فالهبر لا يروي ذاته بقدر ما يعيد إنتاجها أمام الجمهور، في لحظة أداء حيّ، ما يجعل المسرح فضاءً لكتابة الذات بقدر ما هو فضاء لعرضها.

 

يقدم شادي الهبر الذاكرة في العمل بوصفها صادمة ومتشظية. فالمشاهد يتلقى العرض كخط زمني مرتبط بزمن وتواريخ الحروب، تضاف اليها ذاكرة المؤدي أو الراوي الفردية الحميمية والخاصة المتداخلة مع المجازر وأصوات القذائف والتهجير والقسوة الأبوية والخوف الطفولي.

 

غير أنّ أهمية العمل تكمن في قدرته على تجاوز حدود السيرة الفردية نحو أفق جماعي. إذ تتحوّل تجربة الهبر إلى مرآة لذاكرة أوسع، حيث تتكرّر عناصر الخوف والفقد والتصدّع، وإن اختلفت تفاصيلها. بهذا المعنى، تُنتج المسرحية نوعاً من الذاكرة المشتركة التي تتجاوز خصوصية التجربة من دون أن تلغيها.

 

إلا أنّ هذا الاشتغال على الذاكرة يظلّ، في بعض اللحظات، أقرب إلى الاستعادة منه إلى إعادة التمثيل الدرامي. فالأحداث التاريخية الكبرى (الاجتياح الإسرائيلي، مجازر الجبل، الاغتيالات السياسية) تُستحضر بوصفها إشارات أو علامات، من دون أن تتحوّل دائماً إلى لحظات مسرحية مُجسَّدة تمتلك كثافة حسّية قادرة على إعادة إنتاج الصدمة.

 

الذاكرة الفردية والجماعية

يشكّل حضور أفراد العائلة عبر الشاشة أحد أكثر العناصر حميمية في العرض. العمة والعم، الأب والأم، لا يظهرون كشهود محايدين، بل كذوات حاملة لأثر الزمن والذاكرة بأجسادهم وتجاعيدهم ونبراتهم القلقة والمترددة، تُنتج ما يمكن تسميته شهادة حيّة، حيث تصبح الذاكرة داخل أكياس الرمل المحيطة بالمؤدي كسينوغرافيا وحيدة في العرض، وتتشكل مراراً حواجز أو ممرات أو متاريس مواجهة. 

 

يمكن قراءة "ضاع شادي" ضمن تقاليد المسرح العلاجي أو مسرح الاعتراف، حيث يستخدم المكان - الفضاء كمساحة لمواجهة الصدمات الشخصية وإعادة صياغتها. في هذا السياق، ينجح العمل في تحقيق وظيفة علاجية واضحة لصاحبه، إذ يتحوّل العرض إلى فعل مواجهة مع الذات والذاكرة والعائلة.

 

ويمكن اعتبارها تجربة صادقة وجريئة في كتابة الذات واستحضار الذاكرة الصادمة في المسرح. وتكمن أهميتها في قدرتها على تحويل التجربة الفردية إلى مساحة تلاقٍ مع ذاكرة جماعية أوسع، مع تأكيد المسرح كمساحة بوح صادق مهموم وشغوف بالسؤال الوجودي: من نحن؟ 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث