يشهد لبنان في الآونة الأخيرة موجة انقسام واسعة في ظل تداعيات الحرب الأخيرة، إذ ينقسم الرأي العام بين مؤيّد ومعارض. تلعب وسائل الإعلام، ومنصّات التواصل الاجتماعي دوراً أساسياً في هذا السياق، اذ يسهم بعضها في بث خطاب الكراهية والعنصرية بين مواجهات تُعنى بالشباب اللبناني، فيما يسعى البعض الآخر بتقديم صورة مغايرة تُبرز لبنان القائم على الوحدة الوطنية والألفة والتضامن بين الطوائف كافّةً.
يعد لبنان نموذجاً لدولة تقوم على التعددية الطائفية، حيث لا يقوم نظامه السياسي على نظام مدني موّحد. هذا الواقع يدفع الأفراد على اختلاف انتماءاتهم، الى البحث عن صيغ تلاقي وتحالف بين مجموعات دينية وثقافية متعددة في محاولة لتأسيس مفهوم الهويّة الجامعة. غالباً ما تستند هذه المبادرات على الاعتدال، نشر قيم المحبة والسلام، وتعزيز قبول الآخر، بهدف الحد من الانقسام الداخلي وترسيخ أشكال من التعايش المشترك عبر مراجعات فكرية ونقدية تمثّل الأسمى في الطوائف.
إلّا أنّ هذه المحاولات، تواجه تحدّيات متزايدة، لأنّها تتعرّض مؤخّراً لغزو إعلامي ومنصّاتي يقوم على التحريض وتأجيج الانقسامات بين الطوائف، من خلال محتوى يعتمد على استضافة آراء، غالباً ما تكون شبابية ضمن مواجهات خطابية حادّة تروّج لأفكار التجزئة والانقسام، وتحصد في الوقت نفسه نسب مشاهدة مرتفعة وتداولًا واسعًا، لا سيّما بين فئة الشباب، وهو ما يكشف عن الخطر الحقيقي في إعادة إنتاج الانقسام على نطاق أوسع.
من هنا، يبرز دور القادة الدينيين لا سيّما في سياقات الحروب والأزمات، باعتبارهم من أكثر الفاعلين تأثيراً في توجيه الرأي العام داخل مجتمعاتهم. ففي لحظات الانقسام، يميل الأفراد إلى التمسّك بهوياتهم الطائفية والاحتماء بمرجعياتهم الدينية، ما يمنح هذه القيادات سلطة رمزية مضاعفة. وعليه، تصبح مسؤوليتهم مضاعفة أيضًا، إذ يُفترض أن يمارسوا دورًا واعيًا في احتواء التوترات، والعمل على إعادة توجيه الخطاب نحو قيم التعايش وقبول الآخر، بدل الانخراط في تأجيج الانقسامات أو تكريسها.
في هذا السياق، تُعدّ مؤسسة أديان من أبرز الجهات المعنية بإدارة التنوّع وتعزيز التضامن وصون الكرامة الإنسانية، إذ تعمل على المستويات المحلية والإقليمية والدولية لتحقيق المواطنة الشاملة، وتطوير التربية على العيش المشترك، وتفعيل المسؤولية الدينية والاجتماعية، فضلًا عن تعزيز التضامن الروحي. وانطلاقًا من هذا الدور، نظّمت المؤسسة ندوةً عبر الإنترنت تناولت فيها دور القادة الدينيين في أوقات الحروب، متّخذةً من الحالة اللبنانية نموذجًا، وذلك ضمن برنامج "المسؤولية الاجتماعية الدينية في خدمة الخير العام". أدارت الندوة د. نايلة طبارة رئيسة الهيئة الإدارية في مؤسسة أديان بمشاركة كل من الشيخ ربيع قبيسي، الأب هاني طوق، القسيسة ليندا مكتبي، القسيس نايثن باسكر، والشيخ مروان الميس.
استهلّت المحاضرة د. نايلة طبّارة بلفت النظر إلى أنّ دور القادة الدينيين لا يقتصر على الوعظ، مع تأكيدها على أهميّة هذا الدور، إلّا أنّه يتعدّى ذلك بكثير، لا سيّما في أزمات الحروب، حيث تتجلّى مسؤوليتهم الحقيقية على أرض الواقع. بدورها، أكّدت القسيسة ليندا مكتبي، التي تُعدّ رابع امرأة تتولّى منصبًا دينيًا كقسيسة في لبنان، على ضرورة أن يُخفّف القائد الديني من الخطاب ويُكثّف من الأفعال على أرض الواقع، إذ تؤكّد أنّ زمن الحرب هو اللحظة الأمثل للتحرّك، وأنّ ذلك يُجسّد جوهر المسؤولية الاجتماعية.
بدوره، أكّد الشيخ ربيع قبيسي، الذي لم يغادر مدينة صور طوال فترة الحرب وشهد على أحداث دموية ولا إنسانية، أنّ القائد الديني يجب أن يكون إنسانًا أولًا، لأنّ سائر العناوين تتجلّى من خلال هذه الإنسانية. وأضاف أنّه لا يمكن الوعظ في السلم إذا لم يكن القائد حاضرًا وفاعلًا في الحرب، داعيًا إلى ممارسة إنسانيته دون تمييز أو تفرقة، والنظر إلى الجميع كأشخاص يستحقّون الحياة بغضّ النظر عن الدين.
في مداخلته، يرى الأب هاني طوق أنّ الأزمات تُظهر بُعدين أساسيين متداخلين: بُعدًا فلسفيًا لاهوتيًا فقهيًا، وبُعدًا اجتماعيًا. ويؤكّد أنّ هذين البعدين مدعوّان إلى نوع من التوازن، إذ إنّ الانحياز الكامل إلى البعد الاجتماعي قد يقود إلى شعارات إنسانية أو سلمية عامة لا تترافق مع أي فعل إنساني أو مساعدة فعلية، وقد ينزلق أحيانًا إلى التحريض أو التجييش. في المقابل، لا يمكن الاكتفاء بالبعد اللاهوتي النظري بمعزل عن الواقع الاجتماعي.
من هنا، يشدّد على أنّ الدين يشكّل عنصرًا أساسيًا في تكوين هوية الإنسان الفردية والجماعية، وبالتالي فإنّ الخطاب الديني يؤثّر مباشرة في الوعي الفردي والوعي الجماعي. وهذا ما يضع القائد الديني أمام مسؤولية كبرى، إذ يمكن لخطابه أن يُستخدم إمّا لتبرير العنف والتحريض، أو لتعزيز قيم السلام والتوازن. وفي هذا السياق، ينتقد طوق بشدّة تبرير الحروب باسم الله، معتبرًا أنّ استخدام النصوص الدينية لتبرير العنف أو القتل هو تحريف لمعناها، ولا يجوز توظيف الآيات في سياقات انتقائية بين السلم والحرب. كما يرفض منطق الانقسام الحادّ بين "مع الحرب" وبضد الحرب"، حيث يُختزل الجميع إلى طرفين متقابلين دون مساحة وسطية. لذلك، يدعو إلى البحث عن "المنطقة الوسط" عبر الحياة اليومية والممارسة الواقعية، أي إعادة بناء التوازن بين البعد الاجتماعي والبعد الفلسفي-اللاهوتي، بما يسمح بخطاب ديني وإنساني أكثر اعتدالًا وفاعلية.
تناول الشيخ مروان الميس في مداخلته أنّ دور الأديان لا يقتصر على الجانب الاعتقادي والعبادي، بل يتعدّاه إلى بُعد إنساني يقوم على مساعدة الآخر ومدّ يد العون للمحتاجين. ورأى أنّ الدين الحقيقي يرسّخ قيم الرحمة والتضامن ويؤكّد أنّ القائد الديني لا يمكن أن يكون فاعلًا دون امتلاكه الرحمة والإنسانية، إذ تُعدّ الرحمة أساسًا لأي قيادة دينية. كما يشدّد على أهمية مساعدة من يضطرون إلى مغادرة منازلهم، وعلى قيمة الوصية الدينية بالجار بغض النظر عن دينه، بما يعزّز فكرة التكامل والتعاون بين البشر لحماية بعضهم البعض.
القسيس نايثن باسكر في مداخلته أكّد على أنّ دوره في هذا السياق يتمثّل في محاولة أنسنة الوضع وتذكير الناس بتعاليم الإيمان، التي ترى في الجار ليس "آخر" فقط، بل إنسانًا مخلوقًا من الله، بغضّ النظر عن دينه أو انتمائه. ومن هنا، يدعو إلى قبول الآخرين ومحبتهم. كما يطرح سؤالًا جوهريًا حول دافع المساعدة: هل نساعد الآخر من أجله هو، أم من أجل ذواتنا وقيمنا الأخلاقية؟ ويعتبر أنّ دور القادة الدينيين في زمن الحرب يتمثّل في خلق إحساسٍ بالإلحاح داخل المجتمع ومحيطه، بما يدفع نحو تقديم الدعم والموارد لمن هم في حاجة، وتلبية احتياجاتهم الأساسية المادية والإنسانية لكل من خسر منزله أو اضطر لمغادرة أرضه.
حاول القادة الدينيين في هذه الندوة كسر الصورة النمطية التي يسعى البعض إلى ترسيخها في الوعي العام، وسعوا الى ابراز دورهم في زمن الحروب الأساسي والمحوري في تهدئة التوترات، وتوجيه الخطاب نحو تعزيز حضور الإنسان قبل أي انتماء آخر.
وانطلاقًا من ذلك، تبرز أهمية تعزيز هذا الخطاب على المنصّات الإعلامية والاجتماعية في المرحلة الراهنة، بهدف الحدّ من انتشار خطاب الكراهية والانقسام، والعمل على ترسيخ ثقافة قبول الآخر رغم اختلافه، وتقديم الإنسان كقيمة عليا تتقدّم على أي تصنيف ديني أو طائفي. فالمطلوب اليوم هو الخروج من دوائر التأثير السلبي وإعادة بناء مساحات مشتركة قائمة على الاحترام والتفاهم، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وحماية النسيج الإنساني المشترك.

