البُعبُع والبَعبَعَة...و"السلام" كمذكرة جلب

محمد حجيريالثلاثاء 2026/05/05
Image-1777906540
الراعي يستقبل عيسى
حجم الخط
مشاركة عبر

غداة لقاء السفير الأميركي ميشال عيسى، البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، قال في معرض تعليقه على التفاوض اللبناني الاسرائيلي: نتنياهو ليس "بعبعاً"، إنه مفاوض ثان، وزيارة الرئيس عون الى واشنطن ليست خسارة أو تنازلاً. و"البُعبُع" هو كائن خيالي يُستخدم في الموروث الشعبي لتخويف الأطفال وإجبارهم على الطاعة أو النوم، ويُعد مرادفاً للغول أو الطَّيف المخيف. بدا كلام الدبلوماسي لبناني الأصل، خفة لا تحتمل، تشبه مزاجية ترامب وتقلباته وبهورته في عملية السلام والحرب، إذ يتصرف وكأن كل شيء من عند "علي اكسبرس"، حتى جائزة نوبل. كل شيء بَعبَعَة... صوت البُعبُع.


علق كثر بأن نتنياهو بُعبع وأكثر، أنه مجرم حرب وضد الإنسانية، من إبادة غزة إلى قتل المفاوضين. بالتزامن، كان المدير العام لـ"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، الدكتور عزمي بشارة، قد عقب على المساعي الأميركية لعقد لقاء بين الرئيس اللبناني، ورئيس الوزراء الإسرائيلي قائلاً:
1. نتنياهو مجرم حرب مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية. يتجنب الاجتماع به قادة أوروبيون وغير اوروبيين ممن تربطهم علاقات صداقة مع اسرائيل. أي اجتماع عربي به هو عبارة عن إعادة تأهيل له في خضم مواصلة جرائمه.
2. الرجل يعيش نشوة صلف وغرور، ويعتقد أنه يصنع معروفا لترامب بالاجتماع مع الرئيس اللبناني، وقد أخذه وقت طويل (ومهين) للرد على مبادرة عون. ولن يقدم أي "تنازلات" مقابل هذا اللقاء. 
3. إنه ليس معنيًا بالهدنة، بل يعتقد أن لبنان هو المعنى بها، ويجب أن يقدم شيئاً مقابلها.
4. الانسحاب الى الحدود الدولية من منظور اسرائيل يكون مقابل اتفاق سلام، وهذا لا يشمل التطبيع فقط، بل أيضاً التحالف في مواجهة حزب الله، وهذا يعني تحويل الحرب إلى حرب داخلية، و لبنان إلى منطقة نفوذ إسرائيلية".

 

هذا التعليق يختصر المشهد السياسي اللبناني الراهن، المرّ والرث والفاتك، الغارق في التجاذبات والمحن والسخط والإملاءات والانقسامات والبيانات الارتجالية والشرخ والتسريبات والضياع والتهديدات والتفجيرات والنزوح واللاأفق... لبنان أمام خيارات مُرّة، إما البقاء في حرب الإبادة المكانية والتهجير الذي يؤسس لكارثة اجتماعية مرتقبة، أو الذهاب إلى "سلام" الإذعان المفخخ والعابر والهش، والذي في جوهره ليس أكثر من صك استسلام وفوهة حرب أخرى. اختصر مشهد التفاوض اللقاء الأول، بين السفيرة اللبنانية ندى معوض والسفير الإسرائيلي، إذ أفصح الأخير عما تريده إسرائيل، أي أن المراد أن تكون إسرائيل والدولة اللبنانية في مواجهة حزب الله، والمطلوب أولاً وأخيراً سلاح حزب الله.


السفارة الأميركية تقدم "الإغراءات" بأن عقد لقاء مباشر بين نتنياهو وعون "سيمنح لبنان فرصة تأمين ضمانات ملموسة". الرئيس نبيه بري يعلّق: "هل انتقلنا من عنجر إلى عوكر؟". تعددت الوصايات والنتيجة واحدة. الأزمات اللبنانية كدمى مَترِيُشكة الروسية، أو إذا أردت أن تعرف ماذا يحصل في لبنان عليك أن تعرف ماذا يحصل في مضيق هرمز. الدولة اللبنانية، كما قيل، عاجزة عن نزع سلاح حزب الله، الدولة اللبنانية مجموعة أفرع ومجموعة نكهات، حزب الله عاجز عن تحرير الأرض. المهم بالنسبة إليه تكديس الانتصارات. إسرائيل تمارس إبادة الأمكنة وعاجزة عن إرساء أمنها، فتزيد من حربها. المواطنون في لبنان عاجزون عن مقومات الصمود. جملة استحالات في وطن ضائع الهوية وكثير الولاءات. في إطار التفاوض، عدا عن أن نتنياهو مطلوب للجنائية، وترامب بذاته لم يعد يحتمله، يبدو لبنان هشاً عارياً متصدعاً منكوباً، لا يملك أوراق قوة، ولا يتفق سياسيوه حتى على التقاط صورة تذكارية. ولا يجتمع بعض نوابه إلا بإيعاز قنصلي، ولا يتحرّك قادته الدينيون إلا بإيحاء خارجي. نواب يبحثون عن صناعة "زعامات وطنية"، كل فريق يضع الخنجر للآخر في خاصرته، كل فريق ينتظر الآخر على ضفة النهر. 

 

ثمة الكثير من الحرية في لبنان، بالمعنى السلبي، والقليل من المسؤولية. لا أحد يملك زمام المبادرة، الكل مُرتهَن، في السلم وفي الحرب، وثمة بَعبَعة إعلامية بلا حدود، اذ لم يعد مستغرباً أن يتحدث وجه لبناني عن أن المقاومات اللبنانية تعتدي على إسرائيل منذ سبعين عاماً، ولم يعد مستغرباً أن يدعو اعلامي صاعد إلى قصف الجامعات، ولم يعد مستغرباً أن نسمع أحدهم يقول إن جيش إسرائيل جيش خلاص للبنان، أو نائباً لبنانياً يقول إن الجيش الإسرائيلي يتحلى بـ"إنسانية". في المنابر نعيش ما يشبه الحرب الأهلية، اصطفافات عمودية حادة على خيارات فارغة وانقسامية، محاولة حثيثة للطلاق، لنسف جسور التواصل.


الأميركي يتصرّف وكأنه بوليس، سطّر مذكرة جلب بحق الرئيس اللبناني، وما على الأخير سوى السفر إلى واشنطن وتوقيع معاهدة سلام مع نتنياهو، يرعاها ترامب ويصفق لها ويصفها بالرائعة. اللوبي اللبناني الضاغط في واشنطن يستحضر يوم لم ينصع ميشال عون وقصف المراكز السورية في لبنان بالطيران. الرئيس اللبناني  ومعه رئيس الحكومة، تحت الضغط المباشر، مطوّقان بمجموعة مسدسات، محلية، إقليمية، عربية ودولية. 

 

إسرائيل تقول في الاعلام إن الرئيس اللبناني مهدد بالاغتيال، وكأنها تهدده من خلال نشر خبر. بعض السياسيين اللبنانيين يهددون باستحضار سنوات القتل والانهيارات. بعض الاعلام المقرّب من حزب الله، يقول إن الذهاب إلى التفاوض ينقصه "الإجماع الوطني"، ثم يقول على الملأ إن إيران "مربط خيلنا"، ويهدد الرئيس اللبناني بعظائم الأمور إذ ما ذهب إلى المفاوضات، باعتبار إيران وحدها تقرر أي نتيجة في جنوب لبنان.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث