تستقبل القاهرة – الثلاثاء – بكل حزن وأسى جثمان مطربها الكبير هاني شاكر قادماً من العاصمة الفرنسية باريس التي شهدت رحيله المفجع عن عمر جاوز الثلاثة والسبعين عاما على أن تشيع جنازته ظهر الأربعاء من مسجد الشرطة غرب القاهرة، وسط عبارات التعازي وكلمات الرثاء رحل الفنان الذي كان يطربه وصفي الدائم له بأنه آخر جيل العمالقة وأول جيل الشباب أكثر من لقبه الشهير "أمير الغناء العربي" الذي اقترن به منذ ثمانينيات القرن الماضي، قضى هاني شاكر نحو أربعة وخمسين عاما متمسكا بقمة الغناء العربي ومحافظا على أسباب حضوره الفني رغم ظهور مجموعة من الأصوات أتت بعده لكنها لم تستطع أن تزيحه من الساحة أو حتى تدفعه إلى الخلف في ظاهرة نادرة في تاريخ الغناء العربي ربما لم يعرفها سوى العمالقة الكبار أم كلثوم وعبد الوهاب والكبيرة فيروز.
كان المطرب الراحل فرزا أصيلا لثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 حيث ولد بعد أسابيع من قيامها، وبالتحديد في الحادي والعشرين كانون الأول ديسمبر، وعندما تم افتتاح إرسال التلفزيون المصري سنة 1960 زمن الوحدة مع سوريا كان أول من انضم إلى برامج الأطفال، وأصبح أحد المشاركين الدائمين في البرنامج الشهير "ماما سميحة" مع كل من بوسي وصفاء أبو السعود ومحمد ووجدي العربي، كما كان أحد أطفال "الكورال" الذي يغني خلف عبد الحليم حافظ في احتفالات أعياد ثورة يوليو، وفي تلك الأثناء ظهر أيضا في مسرحية "السكرتير الفني" سنة 1963 بصحبة شويكار وفؤاد المهندس، وبعض المساهمات السينمائية العابرة كما في فيلم "من أجل حفنة أولاد" إحراج إبراهيم عمارة سنة 1969.
غير أنه حتى هذا الوقت كان مجرد طفل يمارس هوايته بالمشاركة في بعض الأعمال الفنية، إلى أن جاء المخرج أحمد بدرخان ليمنحه العام 1966 دوراً فارقاً في مشواره الفني حين اختاره لأداء شخصية الموسيقار سيد درويش في مرحلة الصبا ضمن أحداث الفيلم الشهير الذي قام ببطولته كرم مطاوع وهند رستم، ليخطو الصبي الصغير أولى خطواته في عالم الطرب، وبعد انتهائه من دراسته الموسيقية العلياً وقت أن كان في العشرين من عمره بدأ هاني شاكر مشوار احترافه الغناء على يد الموسيقار محمد الموجي في نوبة من نوبات القطيعة بينه وبين صديق عمره المطرب عبد الحليم حافظ سنة 1972، وسرعان ما تهافت عليه كبار الملحنين أمثال محمد سلطان ومنير مراد وبليغ حمدي وخالد الأمير وإلياس رحباني، فعرفه المستمع العربي بأغنيات مثل: حلوة يا دنيان سيبوني أحب، قسمة ونصيب، كده برضو يا قمر، حلو الحب، كما ظهر بطلاً شاباً أول في أفلام "عندما يغني الحب" إخراج نيازي مصطفى و"عايشين للحب" إخراج أحمد ضياء الدين، و"هذا أحبه وهذا أريده" إخراج حسن الإمام، وكذلك في عمل مسرحي غنائي هو "سندريللا والمداح" أمام الفنانة نيللي. ومسلسل إذاعي رمضاني عنوانه "دنيا بنت دنيا" العام 1973 مع فؤاد المهندس وشويكار.
ظهر هاني شاكر إذن في زمن العمالقة أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، وقدم نفسه للجمهور كتلميذ أصيل في مدرسة غناء العندليب الأسمر، وربما ساهمت ظروف تقديمه على يد الملحن محمد الموجي في أزكاء نار شائعة أنه ظهر لينافس عبد الحليم حتى أن الصحافة المصرية استغلت هذه الأجواء المشحونة حين أعلن الصحافي المعروف نبيل عصمت أن عبد الحليم قد اكتشف أن هاني شاكر يضع في حنجرته صافرة يغني بها كي يصبح صوته قريبا من صوت العندليب الأسمر، وأنه سوف يعقد مؤتمراً صحافياً من أجل إخراج هذه الصافرة من حنجرة هاني شاكر، ولكن سرعان ما اتضح أنها كانت مجرّد كذبة أبريل، لكنها كانت كفيلة بأن تقرن اسم هاني شاكر باسم عبد الحليم، فانتبه المطرب المخضرم للأمر، وقرر امتصاص هذه الشائعات واحتواء الصوت الشاب، وراح يظهر معه في وصلاته الغنائية بالحفلات العامة والفنادق التي كان يغني بها هاني شاكر، فكان ذلك كله دعاية كبرى للصوت الجديد.
وبعد رحيل عبد الحليم حافظ بقي هاني شاكر وحده محافظاً على الشكل الكلاسيكي للأغنية العربية لا سيما مع تراجع حضور المطرب محرم فؤاد، حتى إذا ما تواترت سنوات الثمانينيات بات هاني شاكر الصوت الأول المعبر عن الأغنية الرومانسية بأعمال مثل: حكاية كل عاشق، مشتريكي، هو اللي اختار، الحب ما لوش كبير، ولو كنت غالي، وغيرها، ومع ظهور جيل عمرو دياب وعلو نبرة الأغنية الإيقاعية الشبابية قرر المطرب الذكي تغيير جلده الفني ومسايرة تلك الموجة من دون التنازل عن خصائص غنائه الرصين، فاجتذب جمهورا جديدا من بين الشباب، وهي المرحلة التي أخذت من عمره الفني عقوده الثلاثة الأخيرة، وقدم من خلالها أغنيات مثل: عللي الضحكاية، شاور، بحبك أنا، ولا كان بأمري، كله يهون، بحبك يا غالي، من دون أن يعطي ظهره للغناء الكلاسيكي الناعم في أغنيات مثل: غلطة، تخسري، لو بتحب حقيقي صحيح، انت السبب يا قلبي، انتي لسة بسألي، وغيرها من الأغنيات التي ضمها نحو ثلاثين ألبوما غنائيا كانت شاهداً على تطور الفكر الموسيقي لهذا الفنان الكبير.
وأذكر أنني حضرت معه جلسات تجهيز مجموعة من أغنياته المعروفة، وحينما لاحظت في فترة نهاية التسعينيات وبداية الألفية أنه لا يتحمس لغناء الأغنيات التي تعتمد في بداياتها على ثلاثة أرباع النغمات الموسيقية الشرقية، فسألته عن سبب ذلك" وكان جوابه أننا في زمن الهواتف المحمولة التي يحملها في يده كل شاب، وأن هذه الهواتف لا تقبل نغمات رناتها أرباع النغمة الشرقية، ومن ثم لا يكون هذا في صالح انتشار الأغنية، وذلك بالطبع قبل تطور أجهزة الهواتف المحمولة وقابليتها الحالية للأصوات متعددة النغمات شرقية كانت أو غربية (بوليفونية) إلى هذا الحد كان هاني شاكر حريصا على جمهوره المستهدف منتبها للتطورات التقنية من حوله، الأمر نفسه حدث مع موجة تصوير أغنيات الفيديو كليب، فكان من أوائل من نحوا هذا الاتجاه، وقد أتممت له بنفسي اتفاقه مع المخرجين عادل عوص ومحسن أحمد كي ينجزا له أشهر أغنياته في تلك المرحلة مثل: نسيانك صعب أكيد، ما تهدديش بالانسحاب، ولا كان بأمري، تخسري، كما تعاون أيضا مع أسماء مهمة مثل طارق العريان وساندرا نشأت، ورغم إيمانه بأهمية الأغنية المصورة فإنه لم ينجرف لتيار العرى الذي صاحب تصوير هذه الأغنيات في العقود الثلاثة الأخيرة، وإنما ظل محافظا، متمسكا بمخاطبة الوجدان قبل الغرائز، وفي أغنياته استعان بأسماء أصبحت مهمة فيما بعد مثل غادة عادل، راندة، والأخوات شيحا.
وربما كانت طبيعته المحافظة وإرثه الفني والأخلاقي الذي أتى به من زمن العمالقة هو الذي جعله يتصدى بكل عنف وقت أن كان نقيبا للموسيقيين لحالة الإسفاف الغنائي التي شهدتها الساحة المصرية على يد مطربي أغاني المهرجانات ما أدخله في كثير من المعارك وانتهى به الامر إلى تقديم استقالة علنية من منصب نقيب الموسيقيين كانت أقرب إلى الصرخة في وجه هذا التردي الغنائي الذي شعر معه المطرب الراحل بالغربة وقاده إلى تراجع حالته الصحية ودخوله في دوامة المرض خاصة اضطراب القولون العصبي وفشل الجراحات المتتالية للتعامل مع الداء حتى توقف قلبه وغابت ضحكته التي لم تفارقه طوال حياته.




