التقيتُ الشاعر المصري عماد فؤاد للمرة الأولى مصادفةً في صالة استقبال فندق في المنامة. لفتني جلوسه تحت قبعته، ساهمًا متفكرًا. كان اللقاء عابرًا، فنسيته حتى التقينا بعد سنوات لساعتين أو ثلاث في مقهى بأمستردام، فحدثني في شؤون الكتابة العربية والكتّاب العرب وشجونهم في "المهاجر" أو "المغتربات" الأوروبية. وأهداني نسخة من كتابه "على عينك يا تاجر: سوق الأدب العربي في الخارج" الذي كان صدر حديثًا في القاهرة في العام 2022. وهو حصيلة إقامته في بلجيكا منذ العام 2004، وعمله من هناك في الصحافة الثقافية العربية. ولما قرأت الكتاب رأيتُ أنه يرسم صورة للثقافة العربية في مرآة صحافتها. وهي صورة يعرفها وخبرها العاملون في تلك الصحافة، وتعارفوا على السكوت عنها، ربما لأن الخوض فيها "كشف عن أسرار المهنة" أو استغراق في النميمة. وهذا ما لا يتجنّبه كتاب "على عينك يا تاجر".
السعادة والفقد وحراثة البحر
وفي نهاية العام الماضي (2025) صدرت لعماد فؤاد مجموعة شعرية جديدة في عنوان "معجم الحواس الناقصة" عن دار "ديوان" القاهرية. وفي هذه حادثته من بيروت، عبر أثير وساط التواصل الاجتماعي، إلى مدينة أنتوريب البلجيكية حيث موطن إقامته الدائمة. أخبرني أنه وقّع "معجمه" الشعري في القاهرة، قبل يومين من مغادرته إياها إلى بلجيكا. وقال إن سرورًا غمره، لأنه منذ زمن بعيد يفتقد شعور أن يصدر له كتابٌ في حضوره ويوقّعه، وفي القاهرة تحديدًا. لكنه أضاف: "أكون سعيدًا عندما أذهب إلى مصر، لكنني أكون أسعد بكثير عندما أغادرها وأعود إلى حياتي في أنتوريب".
وعلى الأرجح ينغّصه أن معظم كتبه صدرت في غيابه في القاهرة وبيروت، منذ صدور مجموعته الشعرية "حرير" في العام 2007 في العاصمة اللبنانية. وهو كان يرغب ويريد نشرها في القاهرة، لكن ناشريها آنذاك امتنعوا عن ذلك، مستجيبين واحدة من موجات "المحافظة" التي تنتاب دوريًا المجتمع المصري حيال الكتابات "الجريئة"، والتي "تخدش الأخلاق أو الآداب العامة"، حسب عبارة شائعة في مثل هذه الحالات. وقد شأع أن "حرير" من ذاك النوع، بعد اللغط والضجيج اللذين سبق وأثارهما إصدار طبعة جديدة لرواية السوري حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر"، الصادرة طبعتها الأولى ببيروت مطلع الثمانينات.
ويرى عماد فؤاد أن الإسلام السياسي الذي لفح مصر بعد هزيمة 1967، وقبلها الناصرية التي "أنهت التعدد الثقافي" فيها، أديا إلى "ردة" ثقافية مصرية. أما الكتّاب والمثقفون الذين يواجهون هذه "الردّة"، فيشعرون أنهم "يحرثون البحر". ومنذ صدور مجموعته الشعرية الأولى "أشباح جرحتها الإضاءة" في العام 1998 في القاهرة، كان "التجرؤ" على كتابة مخالفة للذوق العام السائد تثير التحفّظ واللغط والترذيل. وهذا ما وُصمت به قصائد مجموعته تلك التي تدور على "شخصية عبيط (مغفّل) يحب عبيطة، وتعتمد أسلوبًا شعريًا سرديًا، يستفيد من سائر الفنون الحديثة في كتابة قصيدة النثر".
وكان الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي الذي يصدر مجلة "إبداع"، قد رفض في مطلع التسعينات أن ينشر في مجلته قصائد النثر التي يكتبها في القاهرة جيل الثمانينات من الشعراء الشبان، أمثال أحمد طه وهشام إشطة وسواهما الذين باشروا إصدار مجلة "الكتابة الأخرى"، ردًا على حجازي الذي كتب أن "إبداع مجلة الملوك ليست للحرافيش".
السادات والتلفزيون
وينتمي عماد فؤاد إلى جيل شعراء التسعينات المصري، الذي كانت مجلة "الكتابة الأخرى" مختبره وصوته في قصيدة النثر المتمردة على "ملوك" حجازي ومجلته.
ولد فؤاد في القاهرة في العام 1974، لوالدين من أصول ريفية فلاحية في قرية بالدلتا تدعى الفرعونية في محافظة المنوفية، ومركزها مدينة أشمون، موطن الأشمونيين. وهؤلاء من بقايا الأقباط الذين تصدوا للفتح الإسلامي. وفي سنة ولادته كان والداه المسلمان قد غادرا الفرعونية، ليعمل والده موظفًا صغيرًا في مطار القاهرة، ولتقيم أسرته في الحي القاهري شبرا الخيمة، الذي كان نمط الحياة اليومية فيه الأشد عنفًا وفوضى وعشوائية في القاهرة.
لكن حياة عماد فؤاد الطفل انقسمت شطرين: 9 أشهر في شبرا الخيمة ومدرسته الرسمية. وفي أشهر الصيف في قريته وكتّابها الذي "قوّم بالعنف لساني ونطقي حروف اللغة العربية -قال -فيما رماني في الشعر انقسامُ حياتي بين الريف والمدينة".
وفي طفولته بهرته طفولة طه حسين في الكتّاب، حسبما شاهد صورها وروايتها في مسلسل "الأيام" الذي كان يعرضه التلفزيون المصري آنذاك، من بطولة أحمد زكي وإخراج يحيى العلمي.
وكان للتلفزيون وثقافته تأثير في تكوين عماد فؤاد الطفل في الحقبة الساداتية (1970- 1981) وما تلاها في الثمانينات. فإلى "أيام" طه حسين، تأثرت ذائقته بعروض التلفزيون المصري أوبريت شاعر العاميّة المصرية صلاح جاهين "الليلة الكبيرة"، وببرنامج "المسحراتي" الذي كان يكتبه شاعر العاميّة الآخر فؤاد حداد، ويضع ألحانه سيد مكاوي. لكن فؤاد يرى أن الرئيس أنور السادات "قاد مصر والمصريين" بواسطة برنامجين تلفزيونيين:
- "حديث الجمعة" للشيخ محمد متولي الشعراوي، العلّامة في اللغة والفقه والأحاديث، وفي شرح القرآن وتأويله. وكان برنامجه التلفزيوني لساعة من أحاديثه الدينية بعد صلاة الجمعة، مؤثرًا بقوة في رسم الذهنية المصرية العامة في الحقبة الساداتية.
- "العلم والإيمان" وهو أيضًا برنامج تلفزيوني للكاتب مصطفى محمود. وكان قوي التأثير في تلك الحقبة إلى جانب "حديث الجمعة".
وساهم هذان البرنامجان في "إعادة تربية المصريين" تربية دينية، استبدلت القومية العربية والتحرر الوطني في صيغتيهما الناصرية، بإسلام وسطي محافظ يناسب حقبة أنور السادات الذي أطلق على نفسه تسمية "الرئيس المؤمن".
واستمر هذا التوجه بعد اغتيال السادات (1981) وتولي حسني مبارك سدة الرئاسة والحكم في مصر، ولا سيما في عقد التسعينات الذي يمكن تسميته "سنوات الرصاص" على مثال "العشرية السوداء" في الجزائر. ففي التسعينات عاشت مصر حوادث عنف واغتيالات كثيرة قامت بها حركات الإسلام السياسي وتياراته الجهادية التي جابهتها السلطة بعنف كبير واعتقالات واسعة. أما على الصعيد الدعوي والثقافي فجابهت سلطة مبارك الإسلامين الإخواني والجهادي بـ"إسلام وسطي"، شارك الأزهر في الدعوة إليه، لإبعاد المصريين عن الإسلام السياسي المتطرف.
"حرير" حطّاب الغابات
ولما غادر عماد فؤاد مصر إلى بلجيكا في العام 2004، كان قد تزوج في العام 2001 من امرأة بلجيكية تقيم في القاهرة، وكرّس نفسه شاعر قصيدة نثر وكاتبًا في الصحافة الثقافية المصرية، وبدأ يتعلم اللغة الهولندية الفلامنكية -وهي لغة أهل شمال بلجيكا، المعروفين بالفلامون المتحدّرة زوجته منهم -في حي الزمالك القاهري. وهو اليوم يترجم من الهولندية إلى العربية نصوصًا وكتبًا أدبية.
لم تكن حياته سهلة في مدينة أنترويب بشمال بلجيكا. فهو لم يكن يجيد اللغة بعد، وثقافته العربية لا تؤهله لأي عمل غير يدوي أو عضلي، فعمل قاطع أشجار في الغابات. ولم تكن أصوله وتربيته الريفيتين والفلاحيتين في مصر، قد أهّلتاه لمثل ذاك العمل أو سواه من الأعمال الزراعية. ففي حياته الريفية بقريته الفرعونية كان عمادًا يعامل كقاهري، ويُمنع من الذهاب إلى الغيطان ومن تشرّب القيم والعادات والتقاليد الفلاحية. لذا كان لديه "جوع إلى فكرة الفلاح ومزاولتها" في بلجيكا، فيما هو يعمل حطابًا في الغابات.
الطبيعة والوحدة، والتأمل في الطبيعة الأوروبية، حملته على كتابة قصائد مجموعته الشعرية "حرير"، فطغت على لغتها عناصر الطبيعة، وطبعتها مشاعر فردية بكر في تناول العالم والأشياء: "رحتُ بعد مزاولتي قطع الأشجار في النهار، ألعب في الليل بكلمات قليلة، وأصنع منها قصيدة تشبه قصائد الهايكو اليابانية. كأنني كنت استمد صمتًا وهدوءًا من الطبيعة والعالم في أوروبا".
وترك الحطابُ الغابات وعمل حمّالًا في مخزن لمدة سنتين، من دون أن يتوقف عن دروس اللغة الهولندية، إلى جانب عمله مترجمًا فوريًا بين اللاجئين العرب في بلجيكا والمنظمات الحكومية وغير الحكومية التي تُعنى بإيوائهم وتأهيلهم ودمجهم. وفي العام 2015 كتب أثناء إقامته في أمستردام ورحلته إلى مرمريس التركية روايته "الحالة صفر".
عن الهجرة والغربة يقول إنهما "صنعتا مني شخصًا مختلفًا تمامًا عن الشخص الذي كنت أظن أنني أعرفه في مصر، التي لم أنقطع عن زيارتها مرة في السنة على الأقل. أحب مصر وأتحمّلها لأنني أعلم أنني سأغادرها. أستمتع في زيارتي القاهرة. لكنني غالبًا ما أعود منها إلى بلجيكا مريضًا ومحطمًا ومعتل الأعصاب، بسبب ما رأيته وعشته فيها".
العنف في ثلاثية شعرية
مجموعة عماد فؤاد الشعرية الجديدة "معجم الحواس الناقصة"، هي الأخيرة في ثلاثية شعرية، أولاها "عشرة طرق للتنكيل بجثة" الصادرة عن "دار الآداب" البيروتية في العام 2010، وثانيتها "تلك لغة الفرائس المحظوظة" التي صدرت عن "دار ميريت" القاهرية في العام 2019. واستغرقت كتابة هذه الثلاثية من قصائد النثر نحو 19 سنة.
يغلب القصّ الحكائي الشعري على كتابة قصائد الثلاثية ذات البنية السردية. فاللغة فيها نثرية، لكن الشعر يكمن في الحساسية والمعاني والتركيب، وفي استعمال تقنيات سائر الفنون وتداخلها في الكتابة الشعرية، إضافة إلى "الحدوثة" والاستفادة من القصص التوراتية والقرآنية، وسوى ذلك من التراث الإسلامي، لاسيما الصوفي.
"في البدء كانت المصادفة"، هي الجملة الافتتاحية في "معجم الحواس الناقصة" الذي "أردتُ العودة فيه -قال فؤاد -إلى ما هو بشري فينا، مخالفًا مذهب الشعر العربي الحديث المتعالي في الغالب، وكأنما الشاعر رسول يوحى له، ويبلِّغ رسالته إلى الناس من علٍ".
وإذا كانت قصائد "المعجم" تقدم ما يشبه "سفر تكوين" للعالم في روايةٍ ورؤية شعريتين محورهما رجل وامرأة، كآدم وحواء بعد سقوطهما أو طردهما من الجنة، فإن مجموعة "عشرة طرق للتنكيل بجثة" تستكمل رواية سيرة عنف جسماني غرائزي روايةً شعرية، تجسد دراما منطلقها المحبة التي ينكِّل بها الشاعر، وصولًا إلى جلوسه في مقبرة يحاسبها فيها حسابًا عسيرًا، بل يحاسب نفسه وينكِّل بها. وهو في هذا العنف يتمرد على مثالات غالبة في شعر الحداثة العربية: الإعلاء العاطفي والأخلاقي والبطولي للمقدس. وتجنّب المدنّس الذي يلازم واقع الحياة البشرية وحقيقتها وحقيقة العالم، ويشكل عنصرًا تكوينيًا فيهما، يعادل المقدس.
أما في "لغة الفرائس..." فيحمل الشاعر الراوي كاميرا ويسير بها مسرعًا مصورًا بعدستها اللاهثة المشاهد العابرة في مدينة عربية هي القاهرة ما بعد ثورات "الربيع العربي"، حيث العنف والفوضى والاغتصاب...
إنها مشاهد شعرية صاخبة، لكن صخبها مخنوق، فيما الكاميرا تصور العالم بصمت حيادي بارد، "بلا أي صراخ سياسي أو ثقافي". وهذا حسب عماد فؤاد الذي يرى أن على الشاعر العربي اليوم أن يكتب انطلاقًا من وعيه وسنه وتجاربه وخبراته المعيشه، وليس انطلاقًا من البلاغة العاطفية واللغوية المراهقة والمتعالية التي غالبًا ما امتثل إليها معظم رواد الحداثة الشعرية العربية ليكتبوا قصائدهم.




