من اللافت أنّ الذين صاغوا ما يسمّيه المسيحيّون «العهد القديم»، وما يدعوه غير المسيحيّين «التوراة» أو «التوراة العبريّة»، لم يستهلّوا قصّة الله مع بني إسرائيل بحكاية إبراهيم، بل أحالوا قرّاءهم وسامعيهم على البدايات، على آدم وامرأته حوّاء، وعلى نوح الصدّيق. بكلمات أخرى، حكاية إبراهيم ليست سابحةً في الهواء، بل تنخرط في سياق. سياقها ما عبّر عنه كاتب المزامير بقوله: «للربّ الأرض وملؤها، المسكونة وكلّ الساكنين فيها». فالربّ، بحسب سفر التكوين، خلق الأرض كي تكون مسكناً للبشر جميعاً، وأراد أن يشترك الإنسان في سلطانه عليها عبر صونها والاعتناء بها. أمّا حكاية نوح، فتومئ إلى أنّ الله، قبل العهد الإبراهيميّ، قطع عهداً للبقيّة الباقية من الجنس البشريّ بعد حدوث الطوفان، بألّا يعود إلى معاقبة البشر بطوفان آخر، مع أنّ الكتاب المقدّس يؤكّد أنّ الناس ما لبثوا أن رجعوا إلى الخطيئة.
تندرج عطيّة أرض كنعان لإبراهيم ونسله من بعده، إذاً، في هذا المنظور. فكلمات الله الأولى لإبراهيم تدعوه إلى فعل إيمان عبر مغادرة أرضه وعشيرته إلى أرض أخرى يكشفها الله له، على أن تفضي البركة التي خصّه الله بها إلى بركات يغدقها على «جميع عشائر الأرض». الجدير بالذكر أنّ لفظ «أَدَماه» العبريّ (راجع لفظ «أديم» في العربيّة)، الذي يستخدمه هذا النصّ للأرض، مشتقّ من الجذر ذاته الذي تكوّن حروفه اسم «آدم»، ويذكّر تالياً بقصّة الخلق. بقعة الأرض هذه التي يمتلكها الله دون سواه، لكنّه يهبها لإبراهيم وأولاده كي يمارسوا فيها رعاية مواشيهم، إلى جانب غيرهم من الرعيان الذين ينتسبون إلى شعوب أخرى، ليست مجرّد حيّز جغرافيّ، بل نطاق يختبر فيه الله إيمان ابرهيم وذرّيّته ومدى اقتناعهم بأنّ الخيرات تنبثق منه هو، لا من اتّكالهم على ذاتهم. والغريب أنّ النصّ التوراتيّ لا يني يذكّرنا بأنّ إبرهيم كان غريباً في أرض كنعان: «ثمّ فاضت روحه (…) فدفنه إسحق وإسماعيل إبناه في مغارة المكفيلة في حقل عفرون بن صوحر الحثّيّ الذي تجاه ممرا، في الحقل الذي اشتراه إبرهيم من بني حثّ». فعلى الرغم من أنّ إبرهيم ابتاع الحقل الذي دُفن فيه، إلّا أنّ هذا الحقل ظلّ يُعرف باسم مالكه الأصليّ.
الفكرة التي تتمحور عليها عمليّة الربط بين الوعد بالأرض وخبرة خروج بني إسرائيل من أرض مصر، بعد تغرّبهم فيها، هي الرحمة والضيافة والاهتمام بالضعيف والنزيل، أي الغريب المقيم في الأرض. ولعلّ كتاب تثنية الاشتراع هو الأبلغ في التعبير عن هذا الربط: «لا تحرّف حقّ نزيل يتيم، ولا ترتهن ثوب أرملة، واذكر أنّك كنت عبداً في مصر وفداك الربّ إلهك، لذلك أنا آمرك بأن تصنع هذا الأمر. إذا حصدت حصادك في حقلك، ونسيت حزمةً في الحقل، فلا ترجع لتأخذها: إنّها للنزيل واليتيم والأرملة تكون، لكي يباركك الربّ إلهك في كلّ عمل من أعمال يديك. وإذا خبطت زيتونك، فلا تراجع ما بقي في الأغصان، إنّه للنزيل واليتيم والأرملة يكون. وإذا قطفت كرمك، فلا تراجع ما بقي منه، إنّه للنزيل واليتيم والأرملة يكون. واذكر أنّك كنت عبداً في مصر، لذلك أنا آمرك بأن تصنع هذا الأمر». من النافل القول إنّ هذا النصّ المذهل يلجأ بلاغيّاً إلى لعبة التكرار الدائريّ، وذلك بغية تأكيد الفكرة المركزيّة وترسيخها في الذهن. قوام هذه الفكرة أنّ الأرض التي وعد الله بها ذريّة إبرهيم، ثمّ أسكنهم فيها بين شعوب أخرى (تدلّ الحفريّات الأثريّة في فلسطين على أنّها ظلّت مقيمةً في الأرض) ليست امتيازاً لهم، بل مكان اختاره الله كي يتدرّب فيه بنو إسرائيل على المحبّة والرحمة، كما كانت الجنّة، قبل عصيان آدم، حيّزاً أعدّه الله كي يختبر فيه طاعته.
لكنّ المملكتين اللتين يمكن إثبات وجودهما بالاستناد إلى القرائن التاريخيّة والأثريّة، أي مملكة الشمال (إسرائيل) ومملكة الجنوب (يهوذا)، اختارتا، بحسب رواية الكتاب المقدّس، السير وراء آلهة الشعوب الأخرى في كنعان واتّباع طقوسها الزراعيّة. يضاف إلى ذلك أنّ الملوك أهملوا وظيفتهم الأساسيّة، أي العدل وإقامة الحقّ، فاضطهدوا الفقير، وانصرفوا عن الغريب، ولم ينصفوا اليتيم والأرملة. ومن ثمّ، فإنّ الأنبياء الذين حُفظت كتبهم في التوراة حسبوا خراب مملكة الشمال على يد الآشوريّين (721 ق.م.)، وسبي مملكة الجنوب إلى بابل (587)، نتيجةً طبيعيّةً لفشل بني إسرائيل في تحقيق الدعوة الأخلاقيّة المتّصلة بعطيّة الأرض. وقد صاحب هذا كلّه تشوّف إلى زمن جديد ذي طابع انقضائيّ يقلب فيه الله المقاييس برمّتها. فنقرأ في كتاب إرمياء مثلاً: «ها أيّام تأتي، يقول الربّ، وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً. ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر، حين نقضوا عهدي فرفضتهم، يقول الرب. بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيّام، يقول الربّ: أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً. ولا يعلّمون بعد كلّ واحد صاحبه، وكلّ واحد أخاه، قائلين: اعرفوا الربّ، لأنهم كلّهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الربّ، لأنّي أصفح عن إثمهم، ولا أذكر خطيئتهم بعد». يشدّد إرمياء النبيّ، هنا، على فشل مشروع الشريعة القديمة المحفورة على ألواح حجريّة، وضرورة الاستعاضة عنه بمبادرة جديدة: شريعة مكتوبة على لحم القلوب، مع ما يستتبعه ذلك من انخراط الله في مغامرة الغفران على الرغم من عصيان بيت إسرائيل المتواصل.
يلفت كذلك أنّ هذا الزمن الجديد سيشهد انقلاباً من نوع آخر، إذ لن يبقى العهد محصوراً في بني إسرائيل، بل سيمتدّ إلى سائر الشعوب، التي تصبح شريكةً لا في شريعة الله وعدله فحسب، بل في أرض الميعاد ذاتها، لا من حيث كونها حيّزاً جغرافيّاً بحتاً، بل بوصفها المكان الذي منه تصدر شريعة الله الحقّ، التي تتّسم باللاعنف والسلام بين الأمم، فتقصده الشعوب من تلقاء ذاتها ومن دون أيّ مبشّر أو نذير: «ويكون في آخر الأيّام أنّ جبل بيت الربّ يكون ثابتاً في رأس الجبال، ويرتفع فوق التلال، وتجري إليه كلّ الأمم، وتسير شعوب كثيرة، ويقولون: هلمّ نصعد إلى جبل الربّ، إلى بيت إله يعقوب، فيعلّمنا من طرقه، ونسلك في سبله. لأنّه من صهيون تخرج الشريعة، ومن أورشليم كلمة الربّ. فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين، فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل. لا ترفع أمّة على أمّة سيفاً، ولا يتعلّمون الحرب في ما بعد، بل يجلسون كلّ واحد تحت كرمته وتحت تينته، ولا يكون مَن يُرعب، لأنّ فم ربّ الجنود تكلّم» (أشعياء 2/ميخا 4).
ماذا يبقى، في ضوء هذا كلّه، من فكرة الشعب المختار؟ بادئ ذي بدء، يجب التشديد على ضرورة التمييز بين إسرائيل الكتاب المقدّس من حيث كونه مفهوماً لاهوتيّاً يتخطّى معطيات التاريخ الوضعيّ وعلم الآثار، والشعب اليهوديّ كما تشكّل بعد دمار الهيكل العام 70 للميلاد، ودولة إسرائيل الحاليّة. إنّ بعض مشكلة المقاربة التي تدعم دولة إسرائيل على نحو غير نقديّ، وذلك بالارتكاز على نظريّة «اختيار الشعب اليهوديّ»، يكمن في الخلط بين هذه المستويات الثلاثة والتعامل معها على أنّها تحيل على حقيقة واحدة، وهذا عين الهراء. يضاف إلى ذلك أنّ الكتاب المقدّس يؤكّد، صفحةً بعد صفحة، أنّ مفهوم اختيار بني إسرائيل ليس امتيازاً، بل دعوة إلى الاستقامة الأخلاقيّة تهدف، في آخر المطاف، إلى إسباغ البركة على الشعوب جميعها. ومن ثمّ، رأى أنبياء التوراة أنّ الاختيار مفهوم «مفتوح»، بمعنى أنّ مقصد الله الأخير هو أن تضحي الأمم كلّها شريكةً فيه، وذلك على قدر انتسابها إلى مشروع الله الذي قوامه العدل واللاعنف. أخيراً، تثبت حكاية إسرائيل، كما يرويها الكتاب المقدّس، أنّ الاختيار، بعد خبرة دمار مملكة الشمال وسبي مملكة الجنوب، عاد غير مرتبط بالأرض. لقد تعلّم إسرائيل في السبي، أي عندما صار غريباً (من جديد)، أنّ علاقته بالله لا تستوجب بقعةً جغرافيّةً من دون سواها، إذ «للربّ الأرض وملؤها». ولعلّ هذا يفسّر كيف أنّ معظم اليهود عاشوا وأينعوا وأنتجوا علماً وفكراً وأدباً وفلسفةً خارج حدود فلسطين التاريخيّة، إلى أن قام المشروع الصهيونيّ المؤدلج وقلب المفاهيم رأساً على عقب.




