بعد قيام الفنانين الذين مثلوا إسرائيل في بينالي البندقية 2024، بإغلاق الجناح، تحاشياً للاحتجاجات المتوقعة ضد عرضهم، اختارت وزارة الثقافة الإسرائيلية لتمثيلها في دورة هذا العام، النحات الإسرائيلي المولود في رومانيا والمقيم في حيفا، بيلو سيمون فينارو. يحمل العرض الإسرائيلي اسم "وردة العدم"، ويتمحور حول عمل فني عبارة عن مجسم لماء أسود. تتساقط قطرات الماء من شبكة أنابيب في السقف في بركة ضحلة في الأسفل، لتشكل تموجات وأشكال متكررة.
تراهن تل أبيب على النسيان أو الاعتياد، عبر تكثيف حضورها في الفعاليات الثقافية. عمل فينارو اختير بدقة لتحقيق ذلك، منزوع السياسة، على السطح على الأقل، "هو معني بتذكير المشاهدين بأن الحياة مثل الفن، لا تخلق بالتراكم أو الإفراط، ولكن بالاستماع إلى ما هو غائب، وإلى ما لا زال في طور التكوين". العبارة الفضفاضة ذات المغزي التقشفي في نصفها الأول، والتي لا تحمل معنى بعينه في نصفها الثاني، تشبه إلى حد كبير النصوص المراوغة والفارغة المصاحبة للغاليريهات التجارية. يشير فينارو إلى أن عمله يستلهم شعر بول سيلان، لا سيما صورته عن "الحليب الأسود". يعد سيلان -وهو اليهودي المولود في رومانيا أيضاً، أحد أهم شعراء الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية. يحقق استدعاء الشاعر الراحل هدفين، التذكير بشكل مُلحّ على الأصل الأوروبي لإسرائيل أو على الأقل ليهودها الأشكناز، وكذا التراث اللغوي والثقافي المشترك بين الدولة اليهودية والقارة العجوز. والأمر الثاني هو التذكير بالمحرقة، ذلك أن سيلان كان أحد الناجين منها.
يقول فينارو أيضاً أن عرضه يستلهم تعاليم الكابالا، فالتجهيز الفني يتكون من 16 أنبوباً، والرقم 16 يرمز إلى التحول في تقاليد الصوفية اليهودية. وفي موضع آخر، يصف العمل بأنه "يشبه تجسيدًا مكانيًا لصفحة حية من التلمود: نصٌّ خالٍ من الحروف، تتجسد فيه المعرفة من خلال التأمل والنظرة والانتباه". تلك الشحنة الدينية المفرطة معنية بتغييب السياسية خلف غلالة من الغموض والأسرار والشعر واللغة الصوفية، وفي الوقت ذاته ترسخ ذلك التطابق المؤطر سياسياً بين دولة إسرائيل وبين اليهودية، وبين الفني وبين الديني. وبالتالي فأي موقف نقدي من "وردة العدم" أو من حضور إسرائيل في البينالي سيكون بشكل تلقائي معادياً للسامية.
لم يمر الحضور الإسرائيلي من دون رد فعل، فوقّع 183 فنانًا ومنسقًا فنيًا وعاملًا في مجال الفن، مشاركين في بينالي، رسالة مفتوحة باسم تحالف "من أجل الفن لا..الإبادة الجماعية" يطالبون فيها باستبعاد إسرائيل من هذا الحدث، مؤكدين على ضرورة إنهاء "تواطؤ البينالي مع محاولة إبادة الحياة الفلسطينية". وفي رسالة منفصلة أصدر 73 من المشاركين في البينالي رسالة مفتوحة، يعترضون فيها على قرار المنظمين نقل الجناح الإسرائيلي "استثنائيًا" إلى جانب المعرض الرئيسي، قائلين إن وجوده هناك سيخلق جوًا من الترهيب، وذلك بسبب "الحضور العسكري والشرطي الذي سيصاحب الجناح الإسرائيلي". كما دعت المجموعة إلى استبعاد "الأنظمة الحالية التي ترتكب جرائم حرب"، بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة.
علق فينارو على الدعوات لمقاطعة الجناح الإسرائيلي بالقول إنه يتعرض للتمييز كما تعرض والداه للتمييز في الأربعينيات (في ظل الحكم الشيوعي في رومانيا). وفي موضع آخر، ذهب إلى أن تلك الدعوات يقف وراءها "الإرهاب الجهادي". هكذا يُصوّر الاحتجاج ذو الدوافع الأخلاقية ضد دولة إسرائيل، كخليط من معاداة السامية والإرهاب، تتداخل فيهما أشباح الأنظمة الشمولية والخطر الأحمر مع خطاب الإرهاب والأصولية الإسلامية.
مساء الخميس، استقالت لجنة تحكيم البينالي بكامل هيئاتها، وذلك بعد أسبوع من إعلانها أنها لن تمنح جوائز للأعمال المقدمة من دول يواجه قادتها تهماً من المحكمة الجنائية الدولية، في إشارة إلى روسيا وإسرائيل.




