شاركتُ هذا الاسبوع، في جلستين متواليتين، عقدتا باتحاد أدباء البصرة، وخصصتا لرواية عبد الحليم مهودر "نديم الأحجار"، ومكاشفات عبد الحسين العامر "أمكنة القلق". وكلا الكتابين صدرا في طبعات محدودة بمطابع البصرة، وتولى توزيعهما المؤلفان نفساهما على أصدقائهما. وكان فعل التوزيع هذا قد أعاد للأذهان ممارسةً ثقافية، سادت أواخر القرن الماضي، وعُرفت بطباعة الاستنساخ (تصوير المطبوع أو المخطوط بجهاز المسح الضوئي- فوتو كوبي) وتوزيع محصولها الشحيح على حلقات صغيرة من القراء. ويزعم رواد هذه الطريقة أن البصرة كانت موئل هذه الطباعة، قبل انتشارها السريع في بغداد والمحافظات العراقية؛ وكان الاستنساخ الضوئي سبيل مجموعة طالعة من كتاب القصة القصيرة أطلقوا على ممارستهم اسم (جماعة البصرة أواخر القرن العشرين)، وقد اجتمع أصحابها من الأدباء على أهداف اخوية، عمادها الانطواء على تقليدٍ يأنف الاقتراب والمساهمة في مطبوعات المؤسسات الرسمية، والحفاظ على تصميم بسيط للمطبوع، وتداوله بطريقة شبه سرية.
والأصل في هذه الممارسة الخاصة، كان تجمّع أدباء بصريين كهؤلاء المتأخرين، في حلقات قصصية، أبرزها حلقة (١٢ قصة) العام ١٩٧٢، وضمّت فيمن ضمّت عبد الحسين العامر، مع عدد من كتاب القصة القادمين من مدينة الفاو، أقصى مدن العراق الجنوبية (مجيد جاسم العلي، ريسان جاسم، محمد سعدون السباهي، ظاهر حبيب، وعبد الله طاهر). وكان زعمي في جلسة الاحتفاء بكتاب عبد الحسين العامر (السبت، ٢٩ نيسان) أن مجموعة مدينة الفاو ينطوون على خصائص بيئية تجعلهم ممّن وصفهم فرانك أوكونور ب"الجماعات المغمورة" الذين امتلكوا صوتهم "المنفرد" في عزلة من الجماعات العرقية والدينية في الحواضر الكبرى، أسوة بمؤلفين قدامى أمثال الجاحظ والحريري وابن المقفع، الذين جرؤوا على ممارسة فنّ ثانوي، هو سرد الحكايات، لم يرقَ إلى فنون الكتابة المعترف بها في الدواوين السلطانية.
تسلّلت خصائص البيئة المغمورة، إلى كتاب عبد الحسين العامر، ووقع مطبوعه في قبضة الموضوعة النوستالجية الطاغية: قلق الأمكنة، واعترضت طريقه شخصياتُ المكان المفقود، فخصّص لكلّ واحدة منها فصلاً ممحوضاً بكوامن القلق والحرمان، ومغموساً بحبر السرد الأسود. ومن أشهر هذه الشخصيات معين المظفر، متشرّد العشّار، المعرَّف في كتاب العامر بعنوان "خازن العالم السفلي"، وأصيلة، غانية الفاو، خلال فترة الاحتلال البريطاني، التي ينتهى بها الفقر والإهمال، إلى قارعة الطريق. وبين هاتين الشخصيتين، تنتظم السيرة العائلية لأبوي الكاتب، وما يفضل منها لطفولته وذاكرته "المبللة بالمطر".
عنون عبد الحسين العامر كتابه بعنوان رئيسي ("امكنة القلق" وعنوان فرعي (مكاشفات). ولو أنه استبدل بهذا العنوان، عنواناً فرعياً غيره، مثل اعترافات، مراودات، استرجاعات.. لما حدث تبدُّل في سيرة المكاشفات، الممهورة بختم "المكان المفقود" البارز على الغلاف. لم يشذّ العامر عن نسق البحث النوستالجي عن الفردوس المفقود، ولو أنّه استعار من المنفى شخصيةً تتّصف بشعوره القلق، لما أنتج نصاً مغايراً للمألوف. وقد سبقه إلى ذلك كتّابُ المنفى أنفسهم، ومنهم "جيان" مؤلف رواية "دلمون" الذي بحث مثله عن فردوسه المفقود، مع جماعة من الصحافيين المغتربين، فوجده في المكان الآخر "دلمون"- الاسم القديم لجزيرة البحرين.
سنعتبر "مكاشفات" العامر مراودات نوستالجية نوعية، فالاغتراب عن مكان النشأة الأولى نأى بالكاتب عن هويته الأدبية المعروفة. فهو كاتب قصة قصيرة، بالدرجة الأولى، تباعدت المسافة بينه وبين كتابتها (مجموعتان قصصيتان فقط خلال خمسين عاما) وأصبح الاقتراب من حدودها أو الدخول الى جنسها أمراً مقلقاً جداً، وعملاً باعثاً على الاغتراب. وهنا نستنتج: إن قلق الأمكنة هو نفسه قلق الكتابة في جنس قصصي مفقود، وهو أيضاً حنينٌ غالب على أمر الكاتب، لا يستطيع فكَّ وثاقه.
في رواية "نديم الاحجار"- جلسة ٢٤ نيسان- يقدم عبد الحليم مهودر دليلاً على وثاق من نوع آخر، يستولي على شعور الراوي، ويمسخ هويته. يُساق "نديم" تمثال الرئيس، إلى الاعتقال مع مجموعة اتُّهِمت بإهانة النظام، عبر التعرّض لتمثاله وتعليق قنينة خمر فارغة في رقبته. سينتاب القلق والذهول والبُكم شعورَ الراوي بعد تعذيبه، ثم إطلاق سراحه، ويفقد الهدفَ الذي جعل منه نديماً ومساكناً لحجارته، فيصمّم على ملازمة الحجارة المتشظّية، ويبني منها مرقداً دينياً وهمياً، بمساعدة من الشرطة، في المكان نفسه: يصبح النديم قيّماً على زوّار الأحجار، متحولاً من وثاق إلى وثاق .
لدينا تفسير لحالة التعاطف مع تمثال الجلاد، بالرجوع إلى ما سُمّي في المصطلح السياسي (متلازمة ستوكهولم) أي استعذاب الأذى وتبرير المسبِّب له. وهو تفسير يلتقي بالتفسير المازوخي للأذى، أي استلذاذه والدفاع عن مسبّبيه، أسلوبياً ومضمونياً. فإذا اعتبرنا قلق الافتراق عن المكان الأليف- أو الاغتراب والنفي عنه- يسبّب أذى كأذى الاعتقال والتعذيب الجسدي والنفسي، فإنّ التعلّق الشديد بذكرى المكان المفقود وهيمنته على خطاب القصة أو السيرة هو نوع من نوستالجيا مازوخية، يعوِّض الكاتبُ عن قبول أذاها بالجنوح الأجناسي والازاحة البنائية والأسلوب الشعري في تنصيصها.
لقد أدى "قلق الأمكنة" إلى اختراع جنس سردي- "المكاشفات"- تفرّعت بنيته من جنس السيرة الذاتية. بينما أوغلت رواية "نديم الاحجار" في بنيتها النرجسية- عبادة التمثال- والبحث عن أحجار بديلة لتثبيت جنسها الروائي. يجنح الكاتبان إلى الشعر، حين تعوزهما ثوابت الجنس الأدبي، يزحزان به الحدود الصارمة، ولا يفلح كلاهما إلا في تثبيت القلق الاغتراب من استبدال الأمكنة.
(*) عن فايسبوك




