تبدأ الكاتبة الإسبانية إيريني باييخو كتابها الشهير "اللامتناهي في بردية: اختراع الكتب في العالم القديم" بالفكرة التي استبدت بملوك مصر القديمة: جمع الكتب في مكتبة كونية هائلة. تنطلق من المشروع السكندري العظيم، ومن تلك الرحلة الإعجازية عبر بحار العالم بحثاً عن أقدم النسخ وأندرها؛ شغف يكاد يبلغ الجنون، خرج من الإسكندرية ليغزو العالم. ومن هناك، تحكي قصة الكتب؛ ظهورها والجهود المبذولة لمضاعفتها أو لمحوها من الوجود. الكتاب ساهم في شهرة اسمها وذيوع لقبها كـ"شهرزاد الكتب"، ورغم ذلك كانت إيرينى تتمنى أن تكون أكثر من مجرد راوية، أن تكون "رفيقة سفر" لأولئك الصيادين القدامى في رحلة بحثهم عن المخطوطات القديمة على شواطئ المتوسط وفي قلب النيل وعلى ضفافه، حيث ينبت البردى، أصل الحكاية كلها. لذلك وصفت رحلتها الأولى إلى مصر بالحلم الذي تحقق أخيراً.
قضت إيريني في مصر أياماً، في إطار الاحتفال باليوم العالمي للكتاب واحتفالاً بصدور كتبها المترجمة للعربية: "اللامتناهي في بردية: اختراع الكتب في العالم القديم" و"مانيفستو القراءة" وأخيرا "أن تتذكر المستقبل". زارت الإسكندرية والأقصر وتجولت في شوارع القاهرة القديمة ومقاهيها، وعقدت لقاءات رافقها خلالها مترجم كتبها مارك جمال، وقالت فيها جميعاً إنها لطالما حلمت بزيارة مصر، خصوصاً عندما كتبت عن مكتبة الإسكندرية والأماكن الأخرى التي يتضمنها كتاب "اللامتناهي في بردية"، الأماكن التي بدأت عندها رحلتها لتوثيق جهود صناعة الكتب وحفظها. لذا تقول إنها جاءت برغبة في التعلم واختبار المشاعر. وأضافت: "منذ الطفولة وأنا منبهرة بمصر القديمة، وكنت أعشق القصص الخيالية التي جعلتني أشعر أنني تواجدت في المكان قبل أن أزوره، وبالتالي انبهاري بنهر النيل، مشاعر حملتها معي قبل أن آتي إلى مصر. أشعر أنني جزء من هذا الوطن. حلم بعيد المنال تحقق اليوم".
ميلاد
تؤمن إيريني باييخو بأن الكتب أرواح، وأن المسألة ليست أدبية فحسب، بل إنسانية أيضاً؛ فهي كائنات رمزية تبقى بعد رحيل أصحابها، وتواصل حياتها عبر القراءة والتداول بين الأجيال. تقول إن كتابها "اللامتناهي في بردية" ثمرة رحلة بدأت منذ سنوات، وهي الآن في محطتها الأخيرة؛ رحلة أدبية بدأت بوعي في مكان، وتنتهي اليوم في المكان نفسه "كنت أشعر برغبة ملحة في أن أختمها في مصر، وأن أتعرف إلى الأماكن التي رسمتها في خيالي أثناء الكتابة؛ هنا حيث بدأت البرديات". بدأت إيريني في كتابها مع ولادة ابنها، الذي كان يعاني مشكلات صحية صعبة. وفكرت حينها في التوقف عن الكتابة لتتفرغ لرعايته، ثم قررت أن يكون كتابها الأخير "رسالة حب إلى الكتب، وملجأً لي في الأوقات القاسية. صار تعويضاً عما فقدته، وبوابة إلى المغامرات والأصوات والأحداث، وإلى ثقافات أخرى؛ لذلك أرى الكتب ملجأً وبوابة لعبور عوالم متعددة".
تستعيد بدايات الكتابة فتقول: "انطلقت من داخل مستشفى الأطفال؛ ومع ساعات الانتظار الطويلة تحولت الجدران إلى صفحات بيضاء أكتب وأرسم عليها، وأحكي لإبني القصص. هناك تشكّلت الأفكار التي صارت كتاباً، أقرب إلى حكاية تُروى قبل النوم؛ قصة روحية بقدر ما هي أدبية، تجمع الراحة والحزن والفرح في سرد واحد ممتد". وتتابع: "بعد خروجنا، علّقت على جدار منزلي خريطة للأماكن التي تتبعتها في الكتاب، لأتأكد أنني غطّيت كل ما أريد؛ كان أطلساً يضم معارف متعددة. كنت أدوّن ملاحظاتي نهاراً وأصوغها ليلاً، حتى صار الكتاب ملجأً ألوذ به من ضغوط الحياة، يحررني منها. لقد كبر الكتاب مع ابني بيدرو، واشتهرا معاً".
مشروع جديد
تعرفت إيريني خلال زيارتها إلى مصر على ملامح من الأدب العربي المعاصر، كما حرصت على تتبع الأمكنة التي ارتبطت بأسماء بارزة مثل نجيب محفوظ وطه حسين، الذي تستلهم تجربته في مشروعها الجديد. تقول: "في مشروعي المقبل سأتناول مفهوم الرعاية؛ الرعاية التي نمنحها لمن نحب، وكذلك الأمومة وعمل المرأة بوصفها أديبة، وكل ما يحيط بهذه الموضوعات المسكوت عنها في مجتمعاتنا. أحياناً تسافر نساء خارج بلدانهن لرعاية آخرين، وقد رغبت في الاقتراب من هذه التجارب إنسانياً". وتضيف أن تجربة طه حسين لفتت انتباهها على نحو خاص: "قصته ملهمة وأثرت فيّ شخصياً؛ طفل اكتشف العالم من دون أن يراه، عبر اللمس والإحساس والأصوات. شعرت بنبض كلماته في "الأيام"، وكيف تمكن من تجاوز ظروفه القاسية وصنع أثره الثقافي حتى إنه تمكن من إنشاء مركز ثقافي في إسبانيا. لذلك أسعى إلى نقل هذه التجربة إلى القارئ الإسباني من خلال عملي المقبل".
موسيقى الكلمات
في كتابها، ترى إيريني باييخو أن الكتاب يظل "نوتة موسيقية خرساء" في حاجة إلى مترجمين يفكون شفراتها ليعزفوا لحنها. وفي لقاءاتها، تؤكد أنها تطلب من المترجمين دائماً العناية بـ"موسيقى الكلمات"، بحيث يشعر القارئ أنه يصغي إلى أغنية أو أنشودة، أو إلى حكاية تُروى لطفل قبل النوم. فالأدب، في نظرها -لا الشعر وحده- هو موسيقى تُحيط بالرسالة وتمنحها أثرها. وتضيف: "بعد الكتابة، أعيد قراءة كل فقرة بصوت عال، وأفعل ذلك حتى مع مقالاتي الصحافية، وإذا اختل الإيقاع أعيد الكتابة من جديد". وترى أن هذا الانشغال بالإيقاع يعود إلى الطفولة، حين كانت تستمع إلى القصص قبل أن تتعلم القراءة؛ ومن هناك بدأ الشغف، ثم سعت إلى فهم كيف يُصنع الكتاب.
وتتوقف عند الترجمة بوصفها تجربة تحول: "الترجمة تنقلني إلى عالم آخر؛ تكتسب كلماتي موسيقى جديدة، ويغدو الكتاب كأنه يتحدث لغة ثانية. أملكه ولا أملكه في الوقت نفسه". وتشير إلى أنها، خلال زيارتها إلى الإسكندرية، تحاورت مع قراء ومتخصصين اطّلعوا على العمل، وسمعت إشادات واسعة بجودة الترجمة، رغم صعوبة النص وكثرة إحالاته.
وحول مسألة قصور الكتّاب في تناول إسهامات العرب في تاريخ تطور الكتاب، أوضحت أن النسخة التي قدّمتها إلى الناشر في إسبانيا كانت تتضمن جزءاً ثالثاً عن العصور الوسطى، يتتبع انتقال صناعة الورق من العالم الإسلامي إلى إسبانيا. غير أن الناشر طلب حذف هذا الجزء بسبب ضخامة العمل، مشيرة إلى أنها تنوي أن يكون هذا المحور منطلقاً لكتاب جديد تُعطي فيه العالم الإسلامي حقه في هذه المسألة.
الكتب والحرب
تلقت إيريني العديد من الأسئلة حول رؤيتها لوضع المنطقة في ظل الحروب الجارية. وأشارت إلى أن كتابها يبدأ بالحرب، لكنه ينتهي ببصيص من السلام والأمل، قائلة: "فكرت منذ البداية أن نبدأ من الحرب، ثم نصل -بفضل المكتبات والمخطوطات- إلى طريق نحو السلام. فالكتب قادرة على حمل السلام، كما يمكن أن تُستغل على العكس؛ فالأعمال سلاح يستخدم وفق ما نريده. لكن القراءة، في جوهرها، تقتضي الانفتاح على الآخر لفهمه".
وأضافت: "نعيش في إسبانيا حالة من التوتر والقلق إزاء الحروب الدائرة. ولإسبانيا تاريخ طويل من التفاعل مع الثقافة العربية الإسلامية، لذلك نشعر بتعاطف كبير مع العالم العربي. وقد شاركتُ في تظاهرات تطالب بوقف الحرب في فلسطين ولبنان وإيران، وأؤكد أن إسبانيا من أكثر الدول الأوروبية دفاعاً عن السلام ووقف التصعيد في المنطقة".
وترى أن الحديث عن الأمل في زمن الحروب يبدو صعباً، لكنها تؤمن بضرورته: "أنا شخص متفائل. وُلد الكتاب في لحظات قاسية، ومع ذلك قررت الاستمرار في الكتابة؛ أردت أن يكون رسالة تستدعي القوة في أوقات الضعف، وهدية لأولئك الذين حافظوا على الكتب ولم يذكرهم التاريخ". وتتابع: "علينا أن نقاوم الدمار والنسيان، وأن نتمسك بالأمل، وأن نستحضر الأسماء التي تربطنا بالماضي، لأنها تساعدنا على استعادة أعظم القصص. فعلى الرغم من هشاشة الكتب، فإنها تصوغ الحوارات، وتنقل الثقافات، وتعزز الأمل. فالكتابة تعيننا على التجاوز؛ فالريح قد تهز الشجرة لكنها لا تكسرها، وكذلك الإنسان: قد تهزه الحروب، لكن لا ينبغي أن تكسره".
نصائح
أخيرا قالت إنه من الصعب تقديم نصائح عامة للكتّاب، لأن طريق كل كاتب يختلف عن الآخر، وكذلك مصادر الإلهام. لكن هناك نقاط أساسية لا غنى عنها، منها: القراءة الواسعة، وتعلّم تقنيات الكتابة، وعدم التقليل من شأن الكتّاب القدامى، والانفتاح على الآداب المختلفة وتعلّم الثقافات الأخرى. كما أن الصبر والتواضع عنصران جوهريان، إلى جانب عدم التعجل وتقبل النقد، لأن الكتابة في النهاية رحلة تعلم مستمرة. ولا يمكن إغفال دور القليل من الحظ، لكن الأهم أن الأبواب لا تُفتح إلا لمن يجتهد ويواصل العمل.




