إلى من ينتظرون

بثينة سليمانالجمعة 2026/05/01
حجم الخط
مشاركة عبر


1
الموت كاحتمال يجمّل الحياة، يجعلها قابلة للتحقق، معقولة إلى حد كبير، تصبح أحلى بروتينها، بفراغ معانيها بقلة مواردها بشظف عيشها، بهوامشها، تصبح التفاصيل البسيطة التي غابت عنا أقصى المراد منها الموت كاحتمال يدفعنا للخوف على الحياة والرفق بها ومسامحتها على ما آذتنا به، وما جرتنا إليه من عذابات وما فاتنا منها. يقربنا من أهلها يخفف من ثقل حضورهم ومن نفورنا منهم، يجعلنا قادرين على أن نحب ثانية وأن نغفر لمن أحببناهم خطاياهم.  
تؤجج الحرب رغبتنا بالحياة وتمسكنا بها يقينا منا أنها ستعود كما كانت ما إن يتوقف التقاتل ويعود الجنود إلى بيوتهم وتسكت الطائرات ويتوقف سقوط الحمم فوق إرثنا الذي بنيناه وأرضنا التي ننتمي إليها.

 


من بوابة الموت يولد الندم، من حكاية لم تجد خاتمة، من زيارة مؤجلة، من وقت لم يجد معناه، من أحلام تركناها تسقط دون حسبان، من حب عالق، من كره نما بين الأضلاع. 
الندم يأكل الأصابع والروح. 
الندم عجز عن فهم ما آلت إليه حياتنا وما فعله الموت بها.

 

3
لا أحد يتوه عن مقبرة في قرية أو بلدة، يستدل عليها في غالب الأحيان دون سؤال، فهي امتداد للمكان العمراني تنتهي به أو تبدأ به وفي أحيان كثيرة تتوسطه.

نزور القبور، لا مسالك هناك ولا علامات إرشاد. القبور تدل على بعضها. المشي بطيء حيث نكون في حضرة راحلين تركوا أجسادهم وما عادوا بحاجة اليها. نمسح بأيدينا الدافئة على قطع الرخام المستطيلة نقرأ الأسماء وتواريخ الولادة والوفاة، عابرين سبقونا لا نعرف وجوها لهم ولا سمعنا لهم صوتا لكننا صرنا نعرفهم ونحن نعاين شواهد نصبت كي تخلد ذكراهم.

 

4
مضيفنا نأتي إليه مع الفجر مع أول رشق للنور، حاملين البخور وولاعات وعلب كبريت تحسبا من تعطل واحدة ليكون هناك بديل صالح. مثل هذه الدقائق من الأمور صرنا نعرفها مع تكرار الزيارات. نجلس متحلقين حول الرخام ننظر في العروق التي تشكلت فيه بفعل الزمن. رسوم بديعة مثل باطن الكف. رسوم لا تقول شيئاً، نحن نبني عليها ما نريد مغمورين بعاطفة وليدة اللحظة. نستحضر مشاعر من وجع قديم أو حدث مكبوت في الذاكرة. نجلس أثناء زيارة القبور مجللين بالصبر والفقد كمن أضاع اسمه وأضاع هويته. في غالب الوقت ننسى عن الميت.

 

5
القبور ملحمية المظهر ترتفع بما يكفي كي تتجاور وتتحاور، مد من الرخام يجبرنا على صمت مجبول بالرهبة. أسفلها تتشكل مستعمرات النمل، يحفر خنادق تعج بالحركة والحياة ليصير الموت المعلن على الشواهد حياة في الأسفل لا تتوقف ولا تنتهي.

 

الأموات يحيطون بنا بما تبقى من رماد الأجساد. نظنهم هناك نائمين، نقول إنهم يسمعوننا وأنهم فرحون بقدومنا، نصير نخاطب أشباحا من صور وذكريات. نحاول أن نقول لهم كلاما صادقا، اكثره يظل عالقا في الصدر.

بحركة واحدة تلين الاعناق تلتفت جهة صوت نحيب لا يتوقف عند قبر حديث البناء. البكاء فعل محضر مسبقاً، مزيج من أسف وندم وخليط من خوف وجهل، محمل بأسئلة لا إجابات لها عمن نقصدهم ولم يعودوا بيننا، نحن في الأعلى وهم يطلون علينا من الأسفل.
  
6
وقت العناية بالقبور، نملأ القوارير البلاستيك التي أحضرناها خصيصا ماءً من السبيل الذي أقيم عن أرواح الغائبين. نغسل القبور ونقوم بتنظيفها، أحياناً نقوم بإعادة تكحيل الآيات المحفورة بريشة وحبر أسود. نضع الزهور التي نحملها دافئة وأليفة كنا قطفناها من حديقة البيت مما تفتح توه، باقة غير متجانسة تشبه أرواحنا الخضراء والملونة نتركها عند جنبات القبر عربون شوق وتواصل. 


مثل هذه الزيارات لا تأتي دائماً بكامل طقوسها، بعضها سريعة، وأطولها زيارات الأعياد وسط زحمة الناس، أحلاها وأصفاها تلك التي ننفرد بها مع أنفسنا التي أهلنا عليها التراب.

 

زيارة القبور وإن بدت في ظاهرها عادة وطقوساً متوارثة فهي أبعد من ذلك، هي تشبث بأرواح كانت بيننا، محاولات دؤوب كي نألف بيوتا ننتهي إليها. هذه البيوت في مقابر القرى والبلدات تصير ترفاً في الحروب لا يعرف قيمتها إلا من خسر كرم الضيافة بها.

 

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث