(تحية إلى بحر عمشيت)
البحر يستمر ولا يكتمل.
مراهقو الشاطئ في نهاية آب، وعضلاتهم الفائرة بلذائذ الزبد.
لهوهم يحتلُّ البحر المتوسط، بخفتِه الخانقة، وعواصفِه المدجّنة.
منظف السمك الآتي من سوريا،
أمام الزيت الساخن محاطاً بالقطط، يخدم بحكمة صباحات المرفأ.
موسيقى الغبطة آتية من بعيد، تحت الصنوبر،
وناطور الموج الذي يحاور الحصى، يشق دروب السابحين..
السيدة الممتلئة التي تستحق المديح لسخاء حبورها ونعومة بطنها،
نعمةٌ لجيران الصيف.
أيها الأطفال لا تبتعدوا، القمر الملك سيُتوَّج بعد المغيب والبحر نائم.
سأكون على الشرفة، بيدي بيرة، وعيناي مأخوذتان بفخذين من بهاء.
تحت تمثال العذراء، المضاءة بلمبات البلدية، تصطف يخوت، يمر المشاؤون.
وفي البعيد يستعد المغاوير للخروج.
الإله، في حضن أمه، يرمقني بنظرة يائسة.
***
سيدات الستين، بألقهن البرجوازي اللبناني،
معهن بائع العقارات بالكاد حيٌّ.
قبعات قش واسعة وملونة، علب فيتامين مخبأة وزيوت اسمرار بخورية،
مناشف زهرية وبيضاء وزرقاء..
الزهو من كل صوب وحتى أصابع أقدامهن الطريات،
أخبار أحفادهن بين أستراليا وكندا.
إحداهن تقبِّل صديقتها، صادحة بالفرنسية: "صرتِ جديدة".
في تلك اللحظة، القمر الملك ذاته لم يظهر بعد،
والحديقة فاجرة الخضرة تبدأ العيد،
النسيم وشعرهن وشهوة البحر معاً.
المسيحيات الأخيرات.. في جغرافيا بلا رأفة.
***
ثلاثة صبيان. الأول يحمل قنينة مياه باردة، الثاني كثعلب هارب من صياد، الثالث يأخذه المد البحري، عند الساعة الرابعة.
***
السكارى الأرمن، فنانو الذهب، مطلقو الضحكات،
بفعلهم هذا كانوا يضعون التاريخ تحت إبطهم، كأفضل وداع لشهدائهم.
كانوا طوال الصيف مصدر طمأنينة للكائنات،
بل روحاً سعيدة على وجه هذا البحر المعذَّب.
***
جبنة وخوخ وكمبيوتر قرب كرسي البحر.
لا مكان للحرب في البراد، ولا على الصخرة التي أقفز منها إلى الماء الصافية،
حيث سرب الأسماك يلاحق نثرة خبز رمتها الصيادة العزباء.
***
بيوت السفح تستضيء بما يحمله خفراء الشاطئ،
عائدين بقلوب الكبيرة إلى عيد الصليب،
نذير خير هذا الخريف الآتي على مهل.
***
خطايا الصيف في أعلى البلدة حيث صدأت الأسلحة، والمحاريث أيضاً.
لا سفن هذه المرة لحَمَلةِ الجنسيات المفسودين.
السيدة المبللة إذ تستلقي كأنها تذوب.
ومن جهة الخليج يفتح النهار مخازنه، والبنايات تتطاير.
كنت أتألم وأتلذذ بقدميّ الحافيتَين على الصخور البحرية المسننة.
****
هناك، حيث يتكسّر الموج. الخط الأخير للنبوءات السماوية.
اللايقين في الأعماق، والظهور الأول للملح وقوته.
السيدة المتمددة بالمايوه، لن تسأل.
الشمس تستبسل لتضع إكليلها عند الخط الأعلى للثديين.
***
العاصمة الآن زجاج محطم.
حتى الهواء كان يغلي،
الأقنعة المسلحة تتكاثر في الشوارع،
مئة ألف شخص أو مليون، لا عبرة في العدد.
إصبع مسموم واحد، كان يكفي ليربح تاجر الأبد.




