"حجر الزار": مي جليلي تروي المخيم والنجاة بمَداد الفانتازيا

علي سفرالأربعاء 2026/04/29
Image-1777550226
في حين عجز العالم عن إعادة لاجئ إلى بيته، تنجح المخيلة في فرض تلك العودة، ولو على الورق
حجم الخط
مشاركة عبر

تنتمي رواية الكاتبة الفلسطينية السورية مي جليلي "حجر الزار" إلى مدونة الأدب المرتبط بالثورة السورية، رغم أن العلاقة الصريحة ما بين الكاتبة التي تختار موقع السارد من ضمير المتكلم، وبين ما جرى على الأرض، تبدو غائمة وغير واضحة. لكن أهم ما يجول هنا هو مخيم اليرموك والإنسان الفلسطيني الذي تجذر في عاصمة الشتات، فصار المخيم وطنه الذي يحلم بالعودة إليه.


العمل الروائي ليس سبباً لشرح سر التمسك بالمخيم من قبل فلسطينييه وسورييه على حد سواء، بل هو مناسبة للحديث عن أن علاقة سكانه به لم تتوقف رغم تحولهم من مقيمين إلى نازحين في أحياء دمشقية أخرى، ومدن سورية بعيدة، أو لاجئين في بلاد قصية، حيث ينتظرون فرصة سانحة يقتنصونها ليرجعوا، وكأنهم يصعدون إلى جنتهم المسلوبة! السوري يعود إلى شامه، والفلسطيني يعود إلى فلسطينه.

Image-1777442346

مي جليلي تدرك أهمية المكان في كل حكاية ترويها، وهي لا تخرج في مسار أعمالها عن صورة الكاتب الذي يحمل معولاً على شكل قلم، ينقب فيه عن التفاصيل في حكايات البشر، لكن هذه المرة وفي الدوران حول حجر الزار، نراها تكتب مأساة الهاربين بمداد ألمهم، وهم يُجبرون على الرحيل، وكذلك بنسغ الفنتازيا التي تلفهم، وهم يمرون في رحلة كارثية محفوفة في كل لحظة بنهايات وخيمة.


تكتب مي: "نحن فوق الأرض المستباحة، يدخلها الهاربون المجهولون، لا أحد يعرف لنا اسماً، ولا رقماً ولا هوية ولا معنى، ضاعت تقاطيع وجوهنا، صرنا نشبه بعضنا، نفس الفم المزموم هلعاً، نفس مجسات الأنوف، نفس طول الأذنين، ذات الشعر المتكلس فوق رؤوسنا، أجسادنا رخوة متهدلة، كأننا أصفار مكعبة أو حبات برد هطلت في هذه البوادي وذابت، من شاء يشويها يقليها يطبخها يطعمها للغربان للديدان للعقبان، لا أحد هنا يعرفنا، نحن الفارون نحو الشمال" ص10.


وبالتوازي مع هذه التفاصيل القاسية، نقرأ كيف تصرخ المرأة العجوز غير خائفة -من دون أن تدري بخطورة ما تفعل- في وجه المسلح الملتحي القادم إلى سوريا ليجاهد ويعلّم الناس الإسلام! ويرتعد الجميع خوفاً من رد فعله الدموي المتوقع، لكن المشهد ينتهي من دون موت رغم احتمال حدوثه دائماً! 

Image-1777442396

ويتكرر الأمر عند الحدود السورية التركية في مشهدية ساخرة، عن المهرّب عبود الذي يتقن فن التسلل بين أعواد الذرة في الحقول الفاصلة بين تركيا وسوريا، لكن شاباً متهوراً يسرق منه زوجته بغمزة عين، لتهرب معه تاركة مكاسب التهريب وقطيع الأغنام.

 
وفي أزمير، بانتظار عبور البحر، تلتقي مي بكبير المهربين، نظيف بيك، الذي يستعيد أمجاداً مخترعة، ليقنع الضيوف بأنه يستحق مكانه وهيبته. ورغم أن وعود المهربين تبدو جزءاً لازماً وحقيقياً في سرديات اللاجئين، وبطبيعة خيالية، إلا أن الواقع يعيدنا معها إلى حيز الغرائبي، لا سيما في توصيفها للنبض في النزل الذي سكنته في المدينة: "كان المساء عجيباً في أرض هذا النزل، ينفث من نوافذ الطابق الثاني حشرجات وتأوهات جنسية لا تهم سكان النزل، يعلو بعد هذه الأصوات المكهربة، نحيب رجل يضرب حاله، وامرأة تهدده ثم تحطم كرسياً على رأسه. تحت شجرة البيت الكبير، قزم يشرب العرق مع رجل ضخم، يبصق قشور الترمس على الأرض، شاب سوري منصوب عليه، نظراته الملتاعة معلقة بالباب الرئيسي، كأنه ينتظر من يعيد له نقوده، يفتح معارك دموية مع موبايله ويمسح عن فمه زبد القهر، يصمت قليلا ثم يرفس حقيبته بقدمه، ويرمي رأسه على صدره، ويدخل في إغفاءة قصيرة ثم ينتفض واقفاً، تلتفت عليه امرأة تنشر الغسيل، تنتزع الملاقط من فمها وترسل له كلمات لائمة، تلقي باقي الغسيل على فرع دالية عنب تلبس عناقيدها جرابات نسائية، كي لا يسرقها النزلاء. الشاب المتوتر يخطف حقيبته ويخرج" (ص35).


لكن المصير يتحدد في النهاية، عبر نقل الهاربين إلى المركب بسيارة نقل الخراف المذبوحة، وبسائق يقود المركب المهترئ، وهو لم يزر البحر مرة في حياته، ينتهي به المطاف غريقاً، وليبق وجهه في الذاكرة راسخاً ضمن لوحة الهروب الكبير نحو الشمال.


المفارقات تدونها مي في الرواية، كجزء من المضحك المبكي في سيرة خروجها من البلد، وقد تركت فيه كل ما يخصها من ذكريات العائلة والحب، لكنها سرعان ما تستغرق في الحكي عما غادرته، وعما يستدعيه في كل تفصيل تواجهه في المسار الذي مضت فيه من دمشق إلى الشمال وتركيا واليونان وسويسرا وألمانيا، وصولاً إلى هولندا، حيث استقرت وحصلت على جنسيتها.

 
السرد هنا لا يحتاج تقنيات مبهرة كي يجذب القارئ، بل يكفي أنه يجول بين حكايات الناس الذين تتذكرهم مي وبين واقعها، وهي تحاول البداية من جديد في المكان البعيد.


رسم المشاهد ليس غريباً عن القارئ الذي اطلع على مدونات السوريين في القصة والرواية والشعر خلال سنوات الثورة والحرب، لكن لدى الروائية ما تضيفه هنا، فهي كفلسطينية سورية تبرع في نسج العلاقة بين الناس بالارتباط مع المكان الذي تحول بعد خسارته إلى يوتوبيا، تصبح العودة إليها أو الحصول عليها مرة ثانية أشبه بحلم تغامر فيه بعد دفنها لوالدتها في مقبرة بعيدة عن اليرموك، فيصبح الخيال كرنفالياً، أشبه بشريط سينمائي يعاد تدريجياً نحو الماضي، لكن مع كل الجماليات التي كانت مفقودة منه، يعود فيه السكان إلى بيوتهم، والأطفال إلى ملاعبهم، والشهداء إلى زوجاتهم وأحبابهم، والسجناء المختفون في معتقلات الأسد إلى حيواتهم، ويأتي فيه "عفيشة" المخيم إلى الناس يعتذرون منهم عما فعلوه، ويعيدون لهم ما سرقوه!


في المحصلة، لا تبدو رواية "حجر الزار" مجرد محاولة لاستعادة مكان مفقود، وإنما هي محاولة لترميم إنسان تشظى بين المخيم والمنافي. إنها تخرج التفاصيل من حيزها المحلي الضيق لتطرح سؤالاً حول "العدالة التخيلية". ففي حين عجز العالم عن إعادة لاجئ إلى بيته، تنجح المخيلة في فرض تلك العودة ولو على الورق، وبما يضمن للمخيم أن يبقى حالة ذهنية عابرة للحدود، أو على الأقل بطاقة تأمين للذاكرة من التلف.

 

(*) "حجر الزار"- مي جليلي
دار دال للنشر والتوزيع- دمشق سوريا-2025
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث