"حاييم صراف عكا...يهودي في ذمة الإسلام"

المدن - ثقافةالأربعاء 2026/04/29
Image-1777472679
هذه الرواية التاريخية المثبتة بالوثائق تعطينا فكرة عن حياة يهودي عاش في ظل الإسلام والدولة العثمانية
حجم الخط
مشاركة عبر

صدر أخيراً عن دار رياض الريس كتاب "حاييم صراف عكا يهودي في ذمة الإسلام" للمحامي والأستاذ الجامعي يوسف حميد معوض.

 

حاييم فارحي يهودي شرقي، كان من أعظم رجالات الموسويين في فلسطين. تولى إدارة المالية في ولاية عكا بين العامين 1790و1820. خدم أحمد باشا الجزار الذي نكّل به (قطع أنفه وأذنه وقلع عينه)، لكنه لم يُقدم على قتله لحاجته الماسّة إليه. قضى حاييم فارحي أياماً سعيدة في ظل سليمان باشا العادل، وكان له الدور الأساسي في تنصيب عبد الله باشا، إلا أن هذا الأخير لم يحفظ الجميل، فأمر بقتله. هذه الرواية التاريخية المثبتة بالوثائق تعطينا فكرة عن حياة يهودي عاش في ظل الإسلام والدولة العثمانية، وعن علاقاته الملتبسة بجيرانه، مسلمين ومسيحيين.

 

تنشر "المدن" هنا تمهيد الكتاب:

 

نبأ الإعدام

هل انتُشِلت الجثّة؟ إنّ للرجل صداقاته ولا بدّ أن يتدخّلوا لدى السلطات، وستعلو أصواتهم مطالبّةً بجنازة لائقة. أليس من رأفة بقومه المتفانين في خدمة السلطان الأعظم في كلّ أنحاء البلاد؟ أَوَلَيس من حقّ الجثمان أن يحظى بالـ"قادش"، صلاة المَيْت؟

 

لقد شوهدت، مع الفجر، أشباح بشرية ناشطة على طول الشاطئ الرمليّ، فهل كانت تفتّش عن الجثّة التي لا بدّ أن يلفظها البحر؟ وقد جرى ذلك بعيداً عن الأسوار، تلك الأسوار الشاهقة والعريضة التي كان المعدوم نفسه قد شيّدها لحماية عكّا، مدينته الحبيبة. لكن يا لسوء الحظ! ها إنّ مدينة عكّا نفسها قد قَضَتْ عليه للتّو!

 

كان حاييم فارحي يتكلّم بطلاقة لغة هذه المدينة المحصّنة على شاطئ البحر المتوسِّط، لكن بلهجة دمشقيّة حرص على عدم التخلّي عنها، لا بل أكثر من ذلك هو احتفظ بها بكلّ مميّزاتها كأنّما للبقاء على مسافة من أصحاب المطالب اللّجوجين أو لفرض هيبته على مرؤوسيه والمكلّفين دفع الضرائب وسائر دافعي الجزية للخزانة العامة. ثمّ إنّ صوته الأجشّ هو ما يذكره عنه أولئك الذين عاشروه وكانوا يبقون مستَنفرين في حضرته، إلا أنّ ما ميّزه على الأخصّ هو سحنته العليلة التي ما كان للشمس أن تلوّحها إذ قلّما خرج في الهواء الطلق، وكذلك روائح قفطانه المميَّزة التي تفوح بعطرِ قداسة مُبهَمة.

 

كان يعرف أنّه مكروه، وأنّه إذا ما حالت به الحال سوف ينقضّ عليه خصومه ولن يعفوا عن عائلته، ولذلك نأى بنفسه ولم يأمَن جانب الناس، فضبط تصرّفاته وكلامه، هو المفطور على تمالك نفسه وكظم غيظه وكبت مخاوفه ومشاعره.

 

لم يكن بالطبع ثرثاراً، وقد ورث عن أسلافه فضيلة الصمت والتحفّظ، وأكثر ما خشيه كرجل حذر هو أن يُحرّف كلامه وأن ينجح الوشاة، وما أكثرهم، في ضرب علاقاته بالباشا الحاكم! وما كان يؤرّقه هو أن ينسبوا إليه كلاماً جارحاً بحقّ سيّده أو بحقّ الديانة الإسلاميّة أو آغَوات الحامية. كثيراً ما تساءل البعض أساساً عمّا إذا كان قد تكلّم قبل أن يُخنق، فعلى الأرجح أنه مات، كما عاش، من دون اضطراب ولا التّفوُّه بأي كلمة! هل يا ترى أصيب بالهلع وهو الجبان الضعيف الشخصية إلى أقصى حدّ؟ هل عفَّر وجهه بالتراب طالباً الرحمة، أم أنّه حافظ على رباطة جأشه التي تميّز بها في المِحَن؟

الله أعلم!

 

كان بإمكان حاييم فارحي، عندما أحسّ بالخطر الداهم، أن يغادر المدينة على وجه السرعة. لكن، هو الطاعن في السّنّ والذي أنهكته الحياة، ما كان ليخوض هذه المغامرة ويبدأ مجدّداً من الصفر؟ كان يمكن أن ينتقل بقاربٍ صغير إلى شواطئ مرتفعات جبل لبنان الصخرية، أو أبعد ناحية الشمال، إلى خليج عكّار. والحال أنّه سلّم بالمحتوم ولم يسعَ إلى معاكسة مجريات القدر؟ وأي فائدة ترجى من مقاومة "المكتوب" الذي قُسِم له!

 

لم يسمع كلام زوجته التي نصحته بألّا يقدّم استقالته رسميّاً، بل اقترحت عليه الفرار فوراً تاركاً كلّ شيء وراءه. ربّما اطّلع على السرّ فقط أخوه موسى الذي رجته سارة أن يستأجر صياداً يضع زورقه في تصرّفهم، لَكان هذا الزورق رماهم على ساحل طرابلس وهي محطّة على طريق حلب حيث كان بإمكان قنصل النمسا، ابن ملّتهم عزرا دو بيتشيوتي (Ezra de Piccioti)، أن يمنحهم المأوى والحماية.

 

لكن لم يعد يحلو لصرّاف الولاية حاييم أن يترك كلّ شيء وراءه. وما لم يعد يتحمّله على مرّ الأيام هو الفرار، الفرار المتكرِّر، والاكتفاء بتلقّي صفعات القدر.  فما هذا الحظّ العاثر القاضي بالتراجع والعيش إلى ما لا نهاية في حالة الاستنفار؟ كلا، لن ينسحب منسلّاً بخفّة اللصوص ولن يغادر هذه البلدة التي بفضله تحوّلت مدينة مزدهرة ومعروفة.

 

لقد تميّز وبرهن، كيهوديّ، على أنّ أبناء جلدته هم الأكثر براعةً في إدارة ماليّة الدولة، لكن لم يكن ذلك كافياً في نظره، إذ أراد إثبات حقيقة أخرى، هي أنّه يتحلّى بالشجاعة، هذه الميزة التي لم تُعهَد عنده ولطالما أُنكِرت على سلالة إسحق ويعقوب. من الآن وصاعداً لن يخاتل من أجل الحفاظ على بقائه، وسيقبل التحدّي ويخوض المواجهة، ولن يدع الجبن بعد الآن يشوّه الصورة التي كوّنها عن نفسه، وليس عليه أن يخشى مجدَّداً الأصوات المُمِضَّة التي تذكّره بأنّه ليس سوى رعديد وكم هو متذلّل حقير!

 

كان حاييم قد أُعفِي من قسم كبير من وظائفه في آخر شهر تموز من ذلك العام 1820 وبات على خلاف مع السلطات. سرعان ما انتشر الخبر على أرصفة المرفأ ومع هبوط الظلام كان الحيّ اليهوديّ يحبس أنفاسه. أما منافسوه المسيحيّون فلا شكّ في أن الأمر طاب لهم بانفتاح الطريق أمام طموحاتهم، فها إنّ عدوّهم اللّدود يتهاوى فيما هو في أوج مسيرته الوظيفيّة.

 

رأى الرعايا في ذلك شائعات لا أساس لها معتقدين أنّه لن يكون من الحكمة أن يقصي الوالي مَن يدين له بمنصبه وبضبط ماليّته وبرضى جلالة السلطان، وأنّ "المعلّم" حاييم سيتمكّن من تجاوز هذه الأزمة في علاقاته بالباشا الشاب. فقد سبق له أن مرّ بهذه التجارب، وبالرغم من أنّ الجزّار شَوَّه وجهه وفقأ عينه في العام 1794، إلا أنّه تمكّن، وبلمحة بصر، من استعادة صلاحياته إزاء غيظ خصومه.

 

قدَّرت مدينة عكّا أنّ الصرّاف لن يلبث أن يستعيد وظائفه وبشكل ظافر لا مثيل له، فنظراً لكفاءاته الرفيعة لا بديل منه في إدارة الماليّة كما أنّ حكام المقاطعة، وهم عسكر لا علوم لهم ولا معارف، لا يمكنهم الاستغناء عنه.

 

لكن هذا ما لم يحدث هذه المرّة وبعكس كلّ التوقّعات. فقد أُعدِم حاييم أمام منزله على وجه السرعة، لا بل خنقاً خُنِق.

 

هذا ما كُتب عن نهاية ذاك الذي حكم ساحل سوريا على مدى عُهود ثلاثةِ أَسْيادٍ خدم معهم. ففي العام 1790 دخل في خدمة أحمد باشا الجزّار، ثمّ استمرّ في وظيفته مع سليمان باشا العادل، وبعد وفاة هذا الأخير استغلّ نفوذه ليفرض على رأس الولاية عبد الله باشا، اليافع، الذي تبيّن أنّه أكثر الناس نكراناً للجميل، فلم يكد يمضي ستّة أشهر على تولّيه الحكم حتى أعدم المعلّم حاييم.

 

أُلقيت جثّة الصرّاف في البحر، وقد روى الرحّالة الفرنسيّ لويس داموازو(Louis Damoiseau) الذي مرّ بالمدينة أنّ "الأمواج قذفت إلى الشاطئ، بعد أيام من إغراقها، جثّة المعلّم حاييم المسكين، وقد استرحم أبناء طائفته أنْ يُسمح لهم بإقامة جنازة له، لكن عبد الله لم يستجِب توسّلاتهم، لا بل أمر بأن توضع الجثّة في كيس يُملأ نصفه بالحجارة وأن تُحمَل إلى عمق البحر ليبتلعها من جديد"[1].
 


[1]  Louis Damoiseau, Voyage en Syrie et dans le désert, Hippolyte Souverain éditeur, Paris, 1833, p. 249.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث