بصرف النظر عن مآلات حرب الأخذ بالثأر لمقتل الخامنئي، وبصرف النظر عن التفاخر الذي يكاد يكون كاريكاتورياً بالنصر، والذي سيصمّ آذاننا في ما يلي من أيام، فإن عبارة "حزب الله ما بعد الثأر" مرادفة في ذهني للّون الأسود القاتم المكفهر المقيت.
إن اللون بشكل عام قد يكون فعل مباغتة أو تراه قد يكون فعل توقّع بإطلاق، وفي حالة حزب الله ما بعد حرب مقتل خامنئي تحديداً، الأسود ليس بالمباغت على الإطلاق، وهو أصلاً ليس محل مباغتة بالمرة في بيئة هذا الحزب وقد حشرتْ الخمينية هذا اللون في تفاصيل يوميات هذه البيئة منذ أوائل الثمانينات. إنما لِأسود ما بعد الحرب هيئة أخرى كما أخال عليه الأمر.
إن القوة الإندفاعية للألوان تراها تنزوي في حضرة الأسود الفضفاض، فكيف الحال عندما يكون الأسود بعامة هو سيّد المشهد بالإجمال! إنه عندئذ صبغة الحاضر وصبغة الذاكرة وصبغة المستقبل بشكل خاص. لا أظنّ أن أسوَد ما بعد الحرب هو لون مؤقّت أو محايد أو متذبذب فوق الأجساد والأذهان والأرواح، بل هو ذلك العنوان الفاقع لإلغاء المسافة بين الموت والحياة.
إن مكابرة الأسوَد وثقله يجعلان التعارض بين الموت والحياة مجرد زعم في غير محله، مجرد وهم ومجرد تلعثم في طريق النصر والشهادة. إن أسوَد حزب ما بعد الثأر لخامنئي، هو أسوَد المكابرة الهشة والتي بالفعل صارت محل ملل من قبل كل الآخرين. إنه أسوَد ادعاء النصر الذي أضحى محل تهكم وسخرية إلى أقصى الحدود، وأخطر ما في هذا الأسوَد الشرس هو أنه أسود التوغّل في اللاإنتماء إلى لبنان نكاية بكل "صهاينة" الداخل.
فإذا كان أسوَد الخمينية قد نجح للأسف الشديد في حياكة أمزجة بيئة حزب الله منذ عقود وعقود، فإن أسوَد ما بعد الخامنئي هو بمثابة تلك الشيفرة التي على وقعها ستُصاغ الحياة، حياة ما بعد الثأر.
ففي تلك اللحظات الإنفعالية التي يكفّ فيها اللون عن أن يكون محض لون، تراه يتحوّل إلى رمز مقدّس يعزز انتماء أفراد الجماعة إلى بعضهم البعض، ويسوق بالتالي سادة هذه الجماعة إلى ترتيب الأجندات الإنفعالية لناسهم بما يتناسب مع أولياء الأمر، وفي حالة جمهور الحزب الأصفر، بما يتناسب مع أجندة هذا المسؤول في الحرس الثوري الإيراني أو ذاك. والأسود في هذه السياقات غالباً ما يكون سيّد القول... نعم، سيّد القول. فالكلمات قد تخفق في التعبير عن هذه الفجيعة أو تلك، عن هذه الكارثة أو تلك، عن هذه الرغبة الجارفة بالفناء أو تلك، أما الواقع فلا.
الواقع يجيد بمهارة التعبير إلى حدّ وقاحة الإفصاح، لا سيما عندما يكون الأسوَد هو لون الواقع برمته، هو الواقع بالتمام والكمال. إن استبداد الأسوَد بالأمزجة والنفوس، تراه يفي بأغراض هذا الأسود إلى حدود لا تطاق، في العلاقة مع الآخرين أولاً، وأيضاً في العلاقة مع الذات. إن الاستبداد الفظ للأسوَد يلبّي شرط هذا الأسوَد في العالم عبر ناسه، حيث النكوص إلى الداخل المعتم، وحيث لا نهائية المؤامرات التي تحاك ضد أهل السواد هؤلاء، وحيث الوقوع من ثم في براثن عتمة لا قعر لها ولا نهايات. فإذا كان عمى الألوان Daltonismo هو واقعة فردية، فإن شيوع الأسود وتجذره في بيئة من البيئات، هو عمى عن الواقع وعن بديهيات الأمور، وعن كل تعريفات النصر والعزة والكرامة والعنفوان.
في كتاب يحمل عنوان "ألوان شيطانية ومقدسة"، يخبرنا مؤلّف الكتاب المتخصص في تاريخ الألوان، هيرمان بلاي، أن للألوان تلك القدرة الفائقة على التحدّث بلغتها الخاصة لدى تجذّرها في مجتمع من المجتمعات، متوقفاً بشكل خاص عند الأسوَد حيث الصخب المتعنّت لناسه من جهة، وحيث حزنهم العميق العميق إنما السرّي من جهة أخرى. وكأني بالمؤلف في هذا المحل تحديداً يتكلم عن بيئة حزب ما بعد الثأر. فللأسوَد تلك الموهبة الشريرة في سَوْق ناسه إلى خياراته شديدة الحلكة، وربما أفضل طريقة لفهم غموض هذه الحلكة وتشعباتها تكون عبر الوقوف عند ناسها، ناس هذه الحلكة ومتعهدو أسودها في الحياة وصولاً إلى ما بعد الحياة.
لست أدري عدد القتلى الأبرياء في حرب إسناد إيران والثأر لدماء ذلك الثمانيني في طهران، فضلاً عن قتلى حزب الله من القادة ومن عناصر الجبهة "المعتّرين". أيضاً وأيضاً لست أدري إذا ما كنا سنعلم عدد هؤلاء القتلى في يوم من الأيام. إنما مما لا شكّ فيه هو أن هذا العدد سيفصح عن نفسه عبر استفحال الأسوَد في بيئة هؤلاء، وهو أسوَد تراه يختلس النظرات إلى مزيد من القتلى في حرب إسناد أخرى، في التالي من الأشهر أو الأعوام. إنها حاجة الأسوَد للموت وللحروب وللفتك بكل سبل الحياة، وقد جذّرته الخمينية في بيئة حزب الله بما يفوق التصورات.
يقال في الأسوَد الكثير وسيقال "في أحوال الشيعة وأهوالهم" الكثير الكثير، ذلك أن ابتداع أشكال الفناء من قبل قادة الخمينية في لبنان مع كل "انتصار"، يجعل الكلمات تتراكم بما يفوق القدرة على اللحاق بهذه الكلمات.
"ولَكّ دمنا صار لَوْنُو أسود"، قالت لي إحدى السيدات النازحات وهي تمسح دمعها من فوق خطوط خديها شديدة التعرّج والعمق. "دمنا صار لونه أسود"، كررتْ العبارة مرات ومرات فوق المقعد الإسمنتي قبالة البحر، وهي ترمق علم حزب الله الأصفر الذي رفعه فتى فوق دراجة أقرب إلى الخردة. أصفر باهت يرفرف بخرقه وهلاهيله فوق تلك الخردة الصدئة، بينما السيدة تصرّ على أن دم شيعة لبنان قد صار أسود اللون بسبب الكوارث التي جلبها هذا الأصفر المهلهل التعيس.
عدت بخاطري إلى كتاب "ألوان شيطانية ومقدسة" أقرأ على نفسي ما جاء في هذا الكتاب عن الأصفر في السابق من العصور، وهو ما رسّخه أصفر حزب إيران في لبنان: "الأصفر هو لون الأسى والشهوة الآكلة والجوع والموت... هو تجسيد لضياع الطمأنينة ونذير بوقوع الكوارث والنكبات" (ص 127).
إن فبركة الأيام السوداء للشيعة بشكل عام (ممن هم من بيئة حزب الله أو خارجها)، عبر أصفر الملالي في لبنان، تنطوي على استجداء دائم للإنتصارات... انتصارات من بعدها انتصارات، حيث الأسود على الدوم هو سيّد المشهد في الضاحية والهرمل وبعلبك والبقاع، وبشكل خاص في الجنوب الذي آمل أن يطرد بأخضره المقدس كل شياطين السواد.




